لماذا فشل التحالف في العراق ونجح في كوسوفو؟   
الخميس 1427/5/5 هـ - الموافق 1/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:57 (مكة المكرمة)، 13:57 (غرينتش)

عبد العزيز آل محمود

- العراق بعد الاحتلال
- الناتو في كوسوفو

- بين كوسوفو والعراق

ما أوجه الشبه والاختلاف بين العراق وكوسوفو؟ ولماذا فشل التحالف الدولي في الأولى ونجح في الثانية؟ دعونا نلقي نظرة على الحالتين محاولين الاستفادة من الأخطاء والنجاحات.

كلتا الدولتين تجاور دولا كبرى لها نفوذ عسكري واقتصادي وسياسي، وكلتاهما تعاني من وجود أقلية تدين بولائها لغيرها، وكلتاهما جربت الوجود العسكري الأجنبي على أراضيها.

"
الأميركيون غزوا العراق بعد قصف كثيف أحدث حالة من الصدمة والهلع لدى العراقيين. أما في كوسوفو فإن المدنيين كانوا يشاهدون القصف الأميركي على عدوهم عبر أجهزة التلفاز بنوع من التسلية المصحوبة بالفرح والتشفي
"
العراق بعد الاحتلال

لقد أتيحت لي الفرصة لزيارة العراق بعد الاحتلال مباشرة عندما كان المتتبع للأخبار يشعر بغليان الوضع تحت قدميه مؤذنا بالانفجار الكبير الذي لم يتأخر بالإعلان عن نفسه مباشرة بعد اجتيازي للحدود العراقية ببضعة أيام في الفلوجة والنجف.

امتلأت بغداد حينها بالصحفيين من كل الملل والأجناس: يمينيين مرافقين للقوات الغازية ويساريين وليبراليين.. الكل يبحث في طيات الأحداث عن قصص تؤيد وجهة نظره، كتبوا عن كل شيء، والبعض تتبع سقطات الاحتلال والكثير ساند ما يقوم به.

ومع خروج الأخبار من العراق كان يدخل في الاتجاه المعاكس لصوص وخونة ومجاهدون ومخلصون ومصلحون وأموال ومستثمرون.. ارتفعت أسعار العقار في بغداد وضواحيها بطريقة جنونية، وارتفعت آمال الناس وطموحاتهم، ولكن كانت هناك أيضا قرارات خاطئة تتخذ من المنطقة الخضراء، جاءت نتائجها سريعة ومدمرة هيأت الأرض لتكون ميدان معركة قادمة.

الناتو في كوسوفو
وقد عدت مؤخرا من كوسوفو في جولة أخذتني إلى مقر حلف الناتو في بروكسل حيث قابلت برفقة مجموعة من الصحفيين الكثير من المسؤولين الأميركيين وغيرهم ممن يحاول عرض تجربة الحلف الناجحة في منطقة البلقان.

"
قوات الناتو حرست حدود كوسوفو مع صربيا بشكل رائع، ومنعت أي تدخل لهذه الدولة في جارتها الهشة. أما في العراق فإن الحدود مع إيران بقيت مفتوحة لدخول العناصر المسلحة والمخدرات وحتى البضائع المهربة
"
لقد كررت سؤالي على جميع من قابلت سواء السفيرة الأميركية لدى الناتو أو السفير الأميركي لدى الاتحاد الأوروبي وحتى الجنرال الإيطالي قائد القوات الدولية في كوسوفو.

لقد دونت ما استطعت تدوينه محاولا المقاربة بين الحالتين الكوسوفية والعراقية مرددا: لماذا نجحتم هنا وفشلتم هناك؟

كوسوفو منطقة صغيرة يبلغ طولها 150 كلم وعرضها 130 كلم، ويزيد عدد سكانها عن المليونين بقليل، 90% منهم ألبان مسلمون والبقية صرب يدينون بالولاء للكنيسة الصربية الأرثوذكسية.

كانت المنطقة جزءا من الاتحاد اليوغسلافي، وعندما اشتعلت الحرب الأهلية في البوسنة والهرسك لسع لهيبها ألبان كوسوفو الذين شعروا بالضغط الصربي عليهم مخافة مطالبتهم بالاستقلال.

تشكلت تحت هذه الضغوط منظمة عسكرية سرية صغيرة ما برحت أن قويت شوكتها فأعلنت عن وجودها تحت اسم جيش تحرير كوسوفو (KLA) هدفها تحرير الإقليم من "الاحتلال" الصربي وإعلان الاستقلال.

حاولت القوات الصربية الضرب بيد من حديد لمنع تكرار التجربة البوسنية فأثخنت في المدنيين والمقاومين على حد سواء، وأطلقت العنان للمليشيات المسلحة التابعة لها، وبدأت بؤرة صراع أخرى في الوسط الأوروبي بالتشكل، ما استدعى تدخل حلف الأطلسي على عجل لمنع امتدادها إلى دول الجوار، فتم قصف بلغراد عدة أيام حتى أعلنت استعدادها للحوار لإيجاد حل للإقليم المضطرب.

من عجائب الأمور أن حلف شمال الأطلسي الذي شكل بعد الحرب العالمية الثانية لإيقاف المد الشيوعي وليكون ندا لحلف وارسو، لم يتدخل عسكريا وبشكل مباشر إلا لإنقاذ مسلمي كوسوفو.

بين كوسوفو والعراق
لسنا بصدد التطرق لتفاصيل الأحداث وتسلسلها، ولكن دعونا نمر بعجالة على معالم حدثت في كلتا الحالتين لنعرف أسباب النجاحات والإخفاقات.

- لقد دخلت القوات الأميركية العراق غازية بعد قصف جوي وصاروخي كثيف أحدث حالة من الصدمة والهلع لدى العراقيين. أما في كوسوفو فإن المدنيين كانوا يشاهدون القصف الأميركي على عدوهم من خلال أجهزة التلفاز بنوع من التسلية المصحوبة بالفرح والتشفي.

- لم تحل القوات الأجنبية المؤسسات المدنية في كوسوفو، بل أبقت عليها كما هي وفككت جيش تحرير كوسوفو الذي أعيد تشكيله في منظمة مدنية خدمية، والبعض تم استيعابه في قوات الشرطة، أما المليشيات الصربية فقد انحلت تلقائيا بانحيازها لصربيا مع القصف الجوي لبلغراد. في العراق اختلف الوضع فقد كانت المؤسسات العسكرية والأمنية تمثل قوام التجانس العرقي والطائفي لأنها وبأنظمتها الصارمة قضت على أي نفس طائفي كان يمكن أن يوجد في المجتمع، فقد كانت المؤسسات العسكرية والأمنية العراقية علمانية في عقائدها مما أتاح لها استيعاب الجميع دون تمييز، ومع إعادة تشكيلها مرة أخرى على عجالة كنست في طريقها كل الرواسب العرقية والطائفية لتجعلها أساسا للبناء الجديد.

"
القوات الأميركية أحضرت معها إلى العراق عناصر يرى العراقيون أنها غير ذات ثقة وبماض مشبوه، تسعى لتحقيق نصر طائفي على كل ما هو عراقي. أما في كوسوفو فإن القوت الأجنبية تحدثت مع من هم في الساحة من المعروفين بقوميتهم وسط جمهورهم
"
- حرست قوات حلف الأطلسي حدود كوسوفو مع صربيا بشكل رائع، مكثفة الدوريات والطلعات الجوية والاستخبارية مانعة أي تدخل لهذه الدولة في جارتها الهشة. أما في العراق فإن الحدود مع إيران بقيت ومنذ الاحتلال مفتوحة كالجرح المتقيح لدخول العناصر المسلحة والمخدرات وحتى البضائع المهربة دون محاسبة أو مساءلة، ما جعل العرب بشكل عام سواء في الوسط أو الجنوب العراقي يقلبون رؤوسهم للبحث عن إجابات لأسئلة كثيرة.

- الجانب الإنساني في نشاط قوات الناتو في كوسوفو واضح ويكاد يطغى على الجانب العسكري. أما في العراق فإن الجانب الإنساني غائب عن الساحة، ما جعل الصوت الأعلى لأزيز الرصاص ودوي القنابل وصراخ المعتقلين، وسبّب بالتالي حالة من التوتر في أوساط عناصر الجيش الأميركي وجعلهم مستنفرين لأي خطر سواء أكان حقيقيا أم لا. والعراقيون بدورهم شعروا بالذل وشاهدوا تجاوزات الجيش الأميركي في أبو غريب وبوكا وغيرهما من المعتقلات، ما بنى فجوة بين الجيش المحتل وأصحاب الأرض لن يكون ردمها هينا.

- أحضرت القوات الأميركية معها إلى العراق عناصر يرى العراقيون أنها غير ذات ثقة وبماض مشبوه، تسعى لتحقيق نصر طائفي على كل ما هو عراقي، ما جعل الناس تشك في قراراتها وتصريحاتها. ولم يخب ظن الناس فقد كانت التصريحات والأعمال تصب لصالح الغير دائما. أما بالنسبة لكوسوفو فإن القوات الأجنبية تحدثت مع من هم في الساحة والذين عرفوا بقوميتهم وسط جمهورهم.

- في إقليم فقير ككوسوفو حيث تصل نسبة البطالة بالأرقام الرسمية إلى نحو 60% يصبح وجود القوات الأجنبية مصدر دخل وفرصة عمل للمواطنين الذين يتفاعلون مع هذه القوات ويصافحونها في الطرقات ويحترمون عناصرها وقراراتها. وليس هذا هو الوضع في العراق، فما زال الناس ينظرون إلى القوات الأجنيبة على أنها قوات غازية لم تعمل شيئا لهم ولدولتهم.

في رده على سؤالي قال قائد حلف الناتو "إن السر يكمن في وجود شخصية كإبراهيم روغوفا في كوسوفو، فقد جمع الناس حوله وحين توفي مشى في جنازته نحو مليون شخص، أي نصف عدد السكان" (انتهى).

قد يكون هذا هو السر، فلم يكن هناك شخصية كارزمية عراقية تستطيع أن تجمع الناس حولها، ولو درس محللو الجيش الأميركي هذه القضية واستفادوا منها قبل اجتياح بغداد لوفروا الكثير من الدماء التي ما زالت تسيل في شوارع بغداد وطرقها.
ــــــــ
كاتب قطري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة