أميركا لا تضغط على الأصدقاء   
الأحد 1431/5/4 هـ - الموافق 18/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 11:13 (مكة المكرمة)، 8:13 (غرينتش)
عبد الفتاح ماضي


دعم التغيير في أوروبا وأميركا اللاتينية
الأولوية لدعم الوضع العربي القائم
المساعدات الخارجية
الرهان على الداخل

هل من مصلحة القوى الدولية خاصة الولايات المتحدة تعزيز مساعي الديمقراطية في الدول العربية؟ سؤال جوهري يجب أن يتصدى له كل فرد مؤمن بضرورة التغيير في دولنا العربية.

دعم التغيير في أوروبا وأميركا اللاتينية
أظهرت عدة حالات للانتقال الديمقراطي أهمية وجود عامل خارجي مؤيد للانتقال أو على الأقل غير ممانع له. ففي شرق أوروبا، شكل دعم الغرب وأميركا عاملا أساسيا للنجاح، وذلك بالطبع بجانب رفع الهيمنة السوفياتية وإلغاء مبدأ برجنيف.

فاتفاقيات هلسنكي الصادرة عن مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا عام 1975، شكلت أرضية مشتركة استندت إليها قوى الإصلاح والمعارضة في إضعاف شرعية أنظمة الحزب الواحد وتمهيد الطريق أمام التحول الديمقراطي.

جاء في إعلان هلسنكي عشرة تعهدات متبادلة تحتاج دولنا العربية إلى معظمها في علاقاتها بأميركا، وهي: المساواة في التمتع بالسيادة، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، وعدم انتهاك حدود الدول، ووحدة أقاليم الدول، والتسوية السلمية للمنازعات، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام حقوق الإنسان، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والتعاون بين الدول، والتقيد بالتزامات القانون الدولي.

وبالطبع في منطقتنا لا بد أن يضاف إلى هذه التعهدات التوقف عن الانحياز لإسرائيل، ودعم حل شامل وعادل لإنهاء الطابع العنصري والتوسعي لها.

"
تحتاج الدول العربية إلى ميثاق ديمقراطي عربي-أميركي، فتحقيق المصالح الأميركية عن طريق دعم حكومات غير ديمقراطية لن يضمن للأبد تلك المصالح, وعلى أميركا إعادة النظر في علاقتها بقوى المعارضة السياسية، بما في ذلك القوى الإسلامية
"
أما في أميركا اللاتينية، ففي الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وبينما كانت أميركا تتلقى هجمات ذلك اليوم كان وزير خارجيتها كولن باول يوقع في بيرو مع مسؤولين من دول أميركا اللاتينية الأعضاء في منظمة الدول الأميركية "العقد الديمقراطي الأميركي"، وهو الميثاق الذي دشن مرحلة جديدة في علاقات واشنطن بجيرانها في الجنوب، إذ تخلت واشنطن عن سياسة التدخل وفرض الهيمنة وألزمت نفسها بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام مبدأ السيادة والقانون الدولي، وتجريم كل أنواع التمييز، والتأكيد علي حقوق العمال وتقوية المجتمع المدني.

وبموجب الميثاق، صارت الديمقراطية -في عبارات قاطعة- حقا من حقوق شعوب المنطقة، وأمرا أساسيا للتنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وضرورة حيوية لحماية حقوق الإنسان.

بالطبع تحتاج الدول العربية إلى ميثاق ديمقراطي عربي-أميركي، فتحقيق المصالح الأميركية عن طريق دعم حكومات غير ديمقراطية لن يضمن للأبد تلك المصالح. وعلي الإدارة الأميركية إعادة النظر في علاقتها بقوى المعارضة السياسية، بما في ذلك القوى الإسلامية.

الأولوية لدعم الوضع العربي القائم
في دولنا العربية، العوامل الخارجية لم تعمل لصالح التغيير، ففي أعقاب أحداث 11/9 تحدثت أميركا عن ضرورة تغيير الأنظمة الحاكمة في المنطقة على اعتبار أن هذه الأنظمة مسؤولة عن قمع الحريات وزرع التطرف. غير أن الضغوط الأميركية لم تثمر إلا عن تغييرات شكلية، كتغيير قوانين الأسرة، وتعيين نساء في مناصب سياسية وقضائية، وإجراء انتخابات دون أن يسمح باختبار حقيقي لشعبية الفئات الحاكمة.

ثم تراجعت الضغوط سريعا على نحو فهم منه أن الولايات المتحدة لا تريد تغييرا حقيقيا يؤدي إلى تغيير المنظومة الحاكمة بأكملها، لأنها ترى أن ذلك يهدد مصالحها في المنطقة. والأخبار التي تتناقلها بعض الصحف الأميركية مؤخرا عن دعم واشنطن لمخططات التوريث في أكثر من دولة عربية من تجليات ذلك التراجع.

وكان السفير الأميركي الأسبق في مصر، ديفد وولش، قد لخص هذه المعادلة بقوله "أن أميركا تعد مصر صديقا.. وأميركا لا تضع ضغوطا على أصدقائها".

عوامل كثيرة أدت إلى تراجع الضغوط الأميركية، منها تصاعد القوة الانتخابية للإخوان المسلمين في مصر وفوز حماس في الأراضي المحتلة، دون أن تظهر هذه الحركات خطابا معتدلا تجاه الغرب بالنظر إلى ازدواجية السياسة الخارجية الأميركية في العراق وفي الأراضي المحتلة.

"
عوامل كثيرة أدت إلى تراجع الضغوط الأميركية على الأنظمة العربية باتجاه الديمقراطية منها تصاعد القوة الانتخابية للإخوان المسلمين في مصر وفوز حماس في الأراضي المحتلة, كما نجحت النخب الحاكمة في إقناع الغرب بخطورة الانفتاح السياسي الذي سيفيد الإسلاميين
"
كما نجحت النخب الحاكمة في بعض الدول العربية في إقناع الغرب بخطورة إتمام عمليات الانفتاح السياسي وإجراء انتقال ديمقراطي حقيقي باعتبار أن ذلك سيفيد الإسلاميين. وتكفي الإشارة هنا إلى تعليق الرئيس المصري لمحرر واشنطن بوست الأميركية في 23 مارس/آذار 2003 عن منع عشرات الآلاف من المشاركة في جنازة مرشد الإخوان الراحل مصطفى مشهور وقوله إن الديمقراطية التي تريدها أميركا "ستوصل الإخوان إلى الحكم في القاهرة وعمان والرياض وفلسطين".

وهناك حالات أخرى أدى فيها تغاضي الخارج عن دول غير تابعة للغرب إلى دعم الأنظمة الحاكمة، فبقاء هذه الأنظمة يعتمد على درجة تماسك الفئة الحاكمة وسيطرتها على المجتمع، وعلى تجاهل القوى الدولية للانتهاكات الضخمة ضد قوى المعارضة. حدث هذا في سوريا عندما قضى الجيش على الإخوان المسلمين في حماة (1982)، وفي العراق عندما سحق الحرس الجمهوري ثورات الشيعة والأكراد (1991)، وفي ليبيا أثناء قمع تمرد بالجيش (1993) وانتفاضات الإسلاميين في الفترة من 1995 حتى 1998. في كل هذه الحالات لم تتحرك أي قوة دولية ضد قمع الأنظمة، وفي معظم هذه الحالات، أيضا، قاد التمرد تيارات إسلامية مناهضة للغرب.

أما عامل كرة الثلج فهو يلعب حتى الآن دورا عكسيا في المنطقة العربية، إذ راحت الأنظمة تتعاون وتتسابق في ابتكار آليات البقاء والترهيب والترغيب وتقييد الحريات. ويكفي النظر إلى التعديلات الدستورية في مصر وبقاء الرئيس اليمني في الحكم بعد إعلانه عدم ترشحه، وتعديل الدستور الجزائري للسماح بإعادة انتخاب الرئيس لفترة أخرى، والتضييق على الأحزاب والحريات في الأردن ومصر والجزائر وتونس.

المساعدات الخارجية
من جهة أخرى، يراهن البعض على المساعدات الخارجية معتبرا أن التوجه إلى الولايات المتحدة لوضع اشتراطات على المعونات التي ترسلها إلى حلفائها العرب قد يساعد في الضغط على حكومات المنطقة، بالطبع هذا النموذج سجل بعض النجاحات في بعض الدول الأفريقية الفقيرة، غير أنه من الصعوبة تصور نجاحه في منطقتنا في ظل موازين قوة مختلة بين حكومات المنطقة وأميركا.

فمن المعروف أن معظم محاولات دفع جهود الإصلاح والتنمية (مثل الأهداف الألفية، والخطة الاقتصادية الجديدة لأفريقيا، والصندوق الأميركي للألفية، والعهد العالمي للأمم المتحدة) تستند إلى نموذج خطة مارشال للعام 1947 عندما قدمت أميركا نحو 13 مليون دولار في الفترة من 1948 حتى 1951 لدول أوروبا الغربية (حوالي 10% من الميزانية الفدرالية الأميركية)، في الوقت الذي وفرت فيه أوروبا البنية التحتية والعمالة البشرية الماهرة.

وقد طبق هذا النموذج بنجاح في حالات أخرى في آسيا. وفي كل هذه الحالات توفر شرطان أساسيان، هما استهداف الدول المانحة تغيير الأوضاع في الدول المتلقية (إنْ في إطار مواجهة قوى اليسار في الداخل أو في إطار محاربة الشيوعية في العالم الثالث)، وامتلاك الدول المتلقية عوامل النجاح في الداخل من مهارات تعليمية وقيادات محلية تقود التنمية ورجال أعمال محليين تدعمهم دولهم.

لم ينجح هذا النموذج في الدول العربية بسبب غياب الشرطين السالف ذكرهما، أي عدم استعداد هذه الدول نظرا لغياب الإرادة السياسية للحكام وهجرة الكفاءات العربية وضعف القانون ومستوى التعليم والبنية التحتية. كما أنه لا توجد مصلحة لدى المانحين في التغيير، فالولايات المتحدة لديها مصالح مختلفة عن تلك التي كانت في أوروبا.

لقد نسجت الولايات المتحدة علاقات إستراتيجية مع حكومات المنطقة على أساسها التزمت واشنطن بأمن وبقاء هذه الحكومات مقابل قيام هذه الحكومات بمراعاة المصالح الأميركية الإستراتيجية في المنطقة التي تتمثل اليوم في: عدم معاداة إسرائيل وفتح قنوات حوار معها مباشرة أو غير مباشرة، وضمان تدفق النفط إلى الغرب بأسعار معقولة، وضمان صد كل الحركات المناوئة لأميركا في المنطقة، وضمان عدم وجود اقتصاديات مستقلة في المنطقة وذلك من خلال آليات مختلفة منها فتح الأبواب أمام التجارة الحرة مع منع أي سياسات تحمي الصناعات الوطنية أو تقيم قطاعا زراعيا يكفي حاجة الأسواق الوطنية، وفتح الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية في قطاعات محددة، بجانب ضمان تدفق الفوائض المالية العربية إلى العواصم الغربية، واستمرار شراء الأسلحة الغربية بالمليارات.

الرهان على الداخل
في حالات مشابهة كان الرهان على الداخل هو الحل، فمع أن الضغوط الخارجية على نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا أسهمت في تعرية هذا النظام وتعزيز جهود القوى التي تكتلت لإسقاطه، فإن النضال السلمي وتوافق القوى الوطنية بقيادة حزب المؤتمر على هدف محدد هو دمج السود من خلال آليات الديمقراطية التمثيلية والمواطنة والحقوق والحريات الأساسية وكذا استمرار المقاومة المسلحة بكل صورها من تظاهرات واحتجاجات وإضرابات وحركات العصيان المدني، أدت جميعها إلى تصاعد عزلة النظام في الداخل واستمرار الضغوط من الخارج، فإلى تبدل مصالح فئات واسعة من البيض نحو الديمقراطية وإنهاء العنصرية.

وفي كل من الفلبين وجنوب كوريا، ساعد ظهور معارضة ديمقراطية حقيقية وضاغطة في الداخل على عدم استمرار الدعم الأميركي لماركوس في الفلبين ولحكومة العسكريين في جنوب كوريا، إذ لم يكن ممكنا استمرار هذا الدعم أمام حركة ديمقراطية لا تعادي أميركا ويسير أنصارها بالملايين في الشوارع الفلبينية والكورية.

"
جرب العرب الاستبداد فعانوا من التخلف والتبعية والاحتلال، فليجربوا الديمقراطية وحكم القانون والاستقواء بالشعوب والبرلمانات المنتخبة لعلهم يستردون كرامتهم وهويتهم واستقلالهم
"
وهنا لا بد من الإشارة إلى تجربة حكومة الفلبين بعد الانتقال في التعامل مع ملف القواعد الأميركية، فقد أصدر مجلس الشيوخ الفلبيني المنتخب ديمقراطيا قرارا يطالب بخروج الأميركيين وتصفية كل القواعد العسكرية، فاضطرت الولايات المتحدة إلى الانسحاب وإغلاق آخر قواعدها عام 1992. وهذا القرار لا سابق له، فلأول مرة تغادر أميركا دولة وطأتها أقدام جنودها. وهنا درس مهم هو أن الحكومات المنتخبة والمسؤولة أمام شعبها أقدر من غيرها على التعامل مع التحديات الخارجية.

فالرهان لا بد أن يكون على الداخل العربي، لدفع الخارج إلى تعديل مواقفه وتغيير موازين القوة المختلة، فالقوة لا يوقفها إلا القوة، أي أن الرهان هو تكتل كل القوى المؤمنة بالتغيير السلمي وتركيزها على هدف محدد لا يجب أن يتجاوز متطلبات تحقيق الانتقال من حكم الفرد إلى الديمقراطية وتعرية مساوئ الاستبداد، مع اعتدال خطابها السياسي تجاه الولايات المتحدة وتركيزه على المطالبة بحسم موقفها من الديمقراطية والحريات بالشكل الذي تم في شرق أوروبا وأميركا اللاتينية، وضرورة دعم القوى التي تنادي بالديمقراطية وتداول السلطة والكف عن دعم منتهكي حقوق الإنسان. ويتطلب هذا بالطبع التواصل بفعالية ومهارة مع المنظمات الحقوقية الدولية.

كما يجب ألا يخلط خطاب تلك القوى بين قضية الديمقراطية في الداخل وقضايانا العادلة في العراق وفلسطين. إنّ الحكومات الديمقراطية المنتخبة والمسؤولة أمام مواطنيها هي وحدها القادرة على التعامل مع قضايا الخارج. ويكفي هنا أن نقارن بين مواقف حكومة أردوغان الديمقراطية في تركيا وفشل حكومات المنطقة في الوقوف أمام الاعتداءات الإسرائيلية منذ أكثر من نصف قرن.

جرب العرب الاستبداد فعانوا من التخلف والتبعية والاحتلال، فليجربوا الديمقراطية وحكم القانون والاستقواء بالشعوب والبرلمانات المنتخبة لعلهم يستردون كرامتهم وهويتهم واستقلالهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة