احتمالات الوضع الفلسطيني بعد الانتخابات   
الاثنين 1425/11/30 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 10:22 (مكة المكرمة)، 7:22 (غرينتش)


منير شفيق

 

كما تنقشع السماء فجأة بعد غيوم متلبدة تخللتها الصواعق والرعود، هكذا فجأة أخذ كثيرون يتحدثون عن صفاء أجواء المنطقة بعد تأزم شديد متعدد الأوجه سياسيا وعسكريا دام أربع سنوات.

 

ويا للمصادفة جاء التوقيت في هذه الانتفاضة بعد رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وحتى قبل أن يوارى التراب، الأمر الذي أراد البعض منه أن يوحي بأن ياسر عرفات كان العقبة في كل ذلك التأزيم الذي شهدته الساحة الفلسطينية أو مسيرة التسوية، أو اندلاع الانتفاضة وتصاعد المقاومة ومن ثم ما أزيلت العقبة حتى حلت العقد، أو بدأ حلها ولم يبق إلا الانطلاق نحو النهاية السعيدة.

 

"
الصورة الواقعية غير ما تعبر عنه التصريحات التي تتحدث عن آفاق التسوية أو ضرورة إنهاء الانتفاضة والمقاومة والدخول في المفاوضات
"
كان الرئيس الأميركي جورج بوش وشريكه أرييل شارون هما أول من أعطى الضوء الأخضر للحديث عن المرحلة الجديدة. تأكيدا لاتهامهما عرفات بأنه هو العقبة والسبب الأول في تفجير الصراع الحامي.

 

وهذه مسألة مهمة جدا لإعفاء شارون ومشاركه بوش من أي مسؤولية بل اعتبار مقاطعتهما لعرفات وعزله، وحتى قتله كما تعتقد الأكثرية من الفلسطينيين، سياسة مبررة ومن ثم لم يكن بوش مخطئا حين خلع لقب "رجل السلام" على شارون.

 

لكن من جهة أخرى تصاعدت المواجهات العسكرية في قطاع غزة وتواصل تأكيد فصائل المقاومة، وفي مقدمتها حماس والجهاد وكتائب شهداء الأقصى (فتح) وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى (الجبهة الشعبية) على مواصلة القتال ضد قوات الاحتلال.

 

ومع إمعان الجيش الإسرائيلي في عمليات التقتيل والتدمير والتجريف وحتى تعمد قنص الأطفال واغتيال الكوادر والقيادات وجد محمود عباس أثناء معركته الانتخابية نفسه مضطراً إلى استخدام عبارة "العدو الصهيوني" الذي اقترف بإحدى تلك العمليات جريمة قتل سبعة أفراد من عائلة واحدة.

 

وبهذا تكون الصورة الواقعية غير ما تعبر عنه التصريحات التي تتحدث عن آفاق التسوية أو ضرورة إنهاء الانتفاضة والمقاومة والدخول في المفاوضات لاسيما بعد الانتهاء من العملية الانتخابية التي سيصبح بعدها محمود عباس الرئيس الفلسطيني، الأمر الذي يجعل السؤال ما مصير المقاومة والانتفاضة في المرحلة القادمة سؤالا مشروعا لا سيما مع تأكيد الرئيس الجديد رفضه لما أسماه "عسكرة الانتفاضة" وهو موقف ثابت لديه خلال السنوات الأربع الماضية.

 

ولكي تأتي الإجابة عن السؤال قريبة من التوقع الأقوى احتمالا حسب المواجهات المستمرة بدرجة عالية من التصعيد حتى الآن، يجب طرح سؤال ممهد أو ربما مقرر يتعلق بحدث توفر فرص ملموسة لتحقيق تسوية.

 

لا يستطيع أحد ممن تفاءلوا بأن المناخ العام فيما يتعلق بالوضع في فلسطين أن يأتي بدليل واحد على تغيير حكومة شارون السابقة أو الائتلافية مع حزب العمل بشرط من شروطها السابقة، سواء أكان بالنسبة إلى التسوية أم بالنسبة إلى البدء بمسارها.

 

ويمكن أن يقال الشيء نفسه فيما يتعلق بالقيادة الفلسطينية الجديدة، أو بالنسبة للموقف العربي، أو الأوروبي ناهيك عن استمرار تماهي الموقف الأميركي مع الموقف الإسرائيلي.

 

"
الأسباب التي دعت طوال السنوات الأربع الماضية إلى اندلاع الانتفاضة واستمرارها وتصعيدها ومواصلة الصمود الشعبي إلى حدوده القصوى ما زالت قائمة ومستمرة
"
فإذا كانت شروط جميع الأطراف المعنية بالتفاوض والتسوية لم تتغير عما كانت عليه في مفاوضات كامب ديفد أو بعد طرح "خريطة الطريق" أي حتى اللحظة فكيف يمكن توقع التوصل إلى تسوية؟ وبكلمة أخرى فإن كل المؤشرات إسرائيليا وأميركيا وفلسطينيا وعربيا وأوروبيا تشير إلى عدم حدوث تغيير في المواقف عما كان عليه من قبل.

 

الشيء الوحيد الذي تغير وكان دائما مطروحا هو التشديد على ضرورة التهدئة في ظل واقع خطة شارون للانسحاب من قطاع غزة وتفكيك مستوطناته، وفي ظل الجدار أي إجراء تفاهمات فلسطينية اسرائيلية، ومصرية إسرائيلية، مؤيدة أوروبيا وأميركيا لتحقيق تهدئة ضمن الواقع الذي كان يريد شارون فرضه بالقوة أي التهدئة من خلال القوة.

 

وهو ما طبقه منذ إعلانه عن خطته ابتداء من اغتيال الشهيدين الزعيمين أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي مرورا بتدمير الأحياء في رفح وخان يونس وانتهاء بالتخلص من عرفات عن طريق السم.

 

لكن التهدئة ضمن هذه المعادلة لا يمكن أن تكون مقبولة من الشعب الفلسطيني في أغلبيته الساحقة، ومن ثم لا يمكن أن تفرض بالقوة إن وجد من يقبل بإراقة الدم الفلسطيني وإجهاض ما حققته الانتفاضة والمقاومة وأنجزه الصمود الشعبي بالثمن الغالي.

 

فالانسحاب من القطاع والانكفاء وراء الجدار كان سيحصل دون تلك التفاهمات أو كما عبر عنها شارون "من جانب واحد" أي دون قيد أو شرط.

 

يمكن أن يضاف إلى هذه المسألة الجوهرية ما سيترتب من مآس وكوارث على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية إذا ما كرس واقع الجدار.

 

فالجدار إلى جانب نهبه لحوالي 60% من أرض الضفة ومياهها الجوفية يقوم بتقطيع أوصالها ليحولها إلى جزر صغيرة أقرب ما تكون إلى معتقلات حقيقية، ما يجعل الحياة جحيما ويدفع بمئات الألوف ربما للهجرة.

 

من هنا يمكن القول إن كل الأسباب التي دعت الشعب الفلسطيني إلى الانتفاضة والمقاومة والصمود طوال السنوات الأربع الماضية ما زالت قائمة وأشد من ذي قبل مع الجدار، ومن ثم فإن الإجابة عن مستقبل الانتفاضة والمقاومة ترجح استمرارها حتى لو افترضنا جدلا القبول بهدنة جديدة مؤقتة كما حدث قبل عام تقريبا.

 

"
المشكل في إيجاد مفاوض فلسطيني للسير على طريق التسوية لم يعرقله وجود عرفات أو اندلاع الانتفاضة بل هو في الشروط الإسرائيلية والتسليم الأميركي بها
"
ولعل متابعة التطورات السياسية والعسكرية خلال  ديسمبر/ كانون الأول 2004 تؤكد أن القيادة الإسرائيلية في مؤتمر هرتسليا طرحت برامج أكثر تشددا وتفرغا من السابق فيما يتعلق بالقدس والجدار واللاجئين بل وصل الأمر بنتنياهو إلى أن طالب سوريا بالتنازل عن الجولان وليس إسرائيل، فكيف يمكن لمثل هذا المنطق أن يدعم تفاؤل المتفائلين؟

 

أما وزير الخارجية سليفان شالوم ونائب شارون إيهود أولمرت فقد هددا محمود عباس خوفا من أن يكون جادا في ما راح يصرح به أثناء حملته الانتخابية من تمسك بالقدس والأراضي المحتلة في يونيو/ حزيران 1967، أو حق العودة، أو تفكيك المستوطنات، ما يكشف أن المشكل في إيجاد مفاوض فلسطيني للسير على طريق التسوية، لم يعرقله وجود عرفات أو اندلاع الانتفاضة أو تصاعد المقاومة بل هو في الشروط الإسرائيلية والتسليم الأميركي بها ولها.

 

فكيف يمكن أن تحقق تسوية بلا قدس وبلا أرض موحدة ومع وجود المستوطنات والجدار والسيطرة على الحدود حتى لو غض الطرف عن حق العودة تأجيلا أو احتيالا.

 

الأمر يعني ببساطة أن المطلوب هو الرضوخ للشروط الإسرائيلية كاملة، وفي هذا دمار للشعب الفلسطيني ولكل قيادة فلسطينية أو عربية يمكن أن تقبل بذلك، ومن ثم فإن كل الأسباب التي دعت طوال السنوات الأربع الماضية إلى اندلاع الانتفاضة أو استمرارها وبقاء المقاومة وتصعيدها ومواصلة الصمود الشعبي إلى حدوده القصوى ما زالت قائمة ومستمرة.

 

تبقى نقطة تتعلق بموقف السلطة الفلسطينية من المقاومة برئاسة محمود عباس (أبي مازن) بعد الانتهاء من الانتخابات وتثبيت مشروعيته عبر صناديق الاقتراع، حيث سيجد نفسه مواجها بالمواقف الإسرائيلية- الأميركية التي واجهت الرئيس الفلسطيني السابق إلى جانب إصرار الشعب الفلسطيني على عدم التبرع بتهدئة مجانية تثبت الواقع الذي يفرضه الجدار.

 

أما أبو مازن إن حكم عليه من خلال مواقفه السابقة، فسقف ما يمكن أن يقدمه من تنازلات لن يختلف عن سقف عرفات إن لم يكن أقل استعدادا من عرفات لتقديم المزيد.

 

"
سقف ما يمكن أن يقدمه أبو مازن من تنازلات لن يختلف عن سقف عرفات إن لم يكن أقل استعدادا من عرفات لتقديم المزيد
"
وإذا كان يظن أن موقفه من "عسكرة الانتفاضة" سيجعل القيادات الإسرائيلية والأميركية أكثر تساهلا مع ما يطرحه من سقف  للتسوية فإن ذلك الظن سرعان ما سيخيب، ومن ثم سيجد نفسه مضطرا إما إلى التعبير عن غضبه وإما الاعتزال والتهديد بالاستقالة احتجاجا، وإما يحول ما صرح به (لمرة واحدة) من أنه يؤيد انتفاضة سلمية إلى واقع مواجهة، الأمر الذي سيعيد التأزم إلى مستويات ربما أعلى من ذي قبل.

 

هذه الاحتمالات التي ستبرز ربما بعد عودة قصيرة لتجربة مفاوضات عبثية من جديد، أو تحركات أميركية ضاغطة على الفلسطينيين، أو وساطات أوربية فاشلة، مما سيسرع في تقصير عمر التهدئة إن حدثت.

 

أفلم تكن تجربة السنوات الأربع الماضية نتاج فشل طريق أوسلو في كامب ديفد وما تخلله خلال سبع سنوات من مضاعفة الاستيطان والتضييق على الشعب الفلسطيني، فكيف الحال والجدار أخذ يشد على خوانيق مئات الألوف من الفلسطينيين.

_______________

كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة