هل نلقي المنديل وننسحب؟   
الثلاثاء 1431/7/10 هـ - الموافق 22/6/2010 م (آخر تحديث) الساعة 13:23 (مكة المكرمة)، 10:23 (غرينتش)
خالد الطراولي


مشوار حزين وبلا ألوان
من هنا يمر الشهود الحضاري
مفتاح القضية.. التراب والزمن والإنسان

الهم العام سواء كان وطنيا أو أمميا "من الأمة" أو إنسانيا، مسؤولية وواجب فردي وجماعي، والمسؤولية تجاه الأوطان والأمة واجب مقدس يحمله الفرد والجماعة على السواء، رجالا ونساء، لا يلغيه إطار مكاني أو زماني، أو يحتمل المعاذير والاختفاء، تتدخل فيه أبعاد الجدوى والقدرة والتناسب والأفضلية لتحدد نسبيته وأروقته دون أن يتلاشى أو يضمحل "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

عندما تلقي هذه الأيام بنظرة عابرة أو متمكنة إلى ما يدور حولك وتحمله لك العناوين من هنا وهناك سواء كان الإطار المعني وطنا ضيقا أو أمة ممتدة، فإن البصر يعود إليك خاسئا كليلا، ليملأ حقيبة الإحباط واليأس ويزيدها ثقلا وتمكنا.

لست متشائما وهذا طبعي، والتفاؤل عصاي التي "اتكئ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى"، إلا أن ما يلف هذه الأيام أوطاننا وأمتنا من نكبات وسقطات على كل المستويات تجعل الحليم حيران، ولولا الأمل لغاصت الأرجل في الوحل وانتهت قصة نهضة أمة وتنمية أوطان.

مشوار حزين وبلا ألوان
"
الشعوب العربية مستحمرة مستخف بها، تسيّرها أجندات عالمية وأسرية من أجل مصالح عائلات وأفراد في الداخل والخارج, أما الأوطان وحالتها فحدّث ولا حرج، حتى إن الملل والحشو والتكرار اكتسح كل شيء
"
فمن الأمة نبدأ. وانظر ذراعها الهامة والطويلة والمعتبرة والممثلة في جانبها العربي وسوف ترى حالة الموت الجماعي تلف أطرافها من حكومات وشعوب إلا من رحم ربك وهم قليل، وليست القمة العربية الأخيرة إلا تعبيرا محزنا لهذا السقوط والتواري، رؤساء وقيادات تلتقي في جمع معتبر تحت راية معتبرة "الجامعة العربية" ليلقوا علينا خطبا رنانة واعترافات مثيرة بالعجز والفشل، كلها تنادي بالوحدة والعمل المندمج وتعترف بأخطائها وتزعم البحث عن المخرج وقد نسيت أنها هي الخطأ وغيرها المخرج. وانظر إلى حديثهم وبياناتهم الباهتة التي لا تحمل لونا ولا رائحة بعد المنعطف التاريخي الذي جلبه أسطول الحرية في مستوى استنهاض الهمم وتغيير الرأي العالمي، فالتقوا وتواروا والعالم من حولهم لا يلقي لهم بالا ولا اعتبارا، حتى أنك لو راجعت بعض المجلات والصحف العالمية لم تجد لاجتماعاتهم مهما علا شأنها ذكرا، وإن ذكرت خلسة فلملء الصفحة وعلى استحياء في ركن ضيق ميؤوس من قراءته. والشعوب غير بعيدة، منها الساخر ومنها اللامبالي فهي قد غسلت الأيدي والسيقان ولم يعد تعنيها قمة أو درك أو بيان، أو لقاء من عدمه.

شعوب مستحمرة مستخف بها، تُسيّرها أجندات عالمية وأسرية من أجل مصالح عائلات وأفراد في الداخل والخارج. فغابت عن الفعل الحضاري وصعدت صومعتها ونسيت تاريخها وحضورها الفاعل بين الأمم ولاذت بالصمت والعمى أو متابعة قصة نهاية الإنسان العربي، وهي ملقاة على أريكة الصالون تدردش وتمضغ اللبان.

أما عن الأوطان وحالتها فحدث ولا حرج، حتى إن الملل والحشو والتكرار اكتسحوا كل شيء، أقلام جف بعضها واستكان أصحابها إلى دوي النحل، وخطابات فضفاضة لا تعني شيئا سوى تبرئة الذمة من خلاص مغشوش، وحراك باهت من هنا وهناك. حاكم يحكم بصولجان ودرة وصراخ وآلام، وأسر مقربة تتقاسم ثروات البلاد وكأنها إرث الوالدة أو الوالد أو من ليس له وريث، ومعارضة عاجزة، بعضها مضروب على أيديها، وبعضها منفي أو مرمي في السراديب، وبعضها يمشي على بطنه أو حذو الحائط ويدعي أنه من العقلاء، ونخبة عالمة وصفوة متعلمة، بعضها أعجبته خيمة السلطان واستطاب العيش فيها، وبعضهم دخل بيته وأغلق بابه وادعى الأمن والإيمان والأمان، وبعضهم وهم قليل معافى يحاول جادا -ولو بصعوبة- الوقوف على رجلين وإلا رجل واحدة وعلى الدنيا السلام، وجماهير غائبة مغيبة ترفع شعار "سلّم سلّم"، أو نائمة مضطجعة على جانبها الأيسر حفاظا على قلوبها وأفئدتها وحتى لا يعلو شخيرها فتسيء للسلطان، ومن أراد فكاك أمره واستنهاض أمره سقط في الفهم القاصر والعلم الناقص والإدراك المغشوش، فهوى مغشيا عليه بين تطرف وإرهاب.

أما عن الأمة في امتدادها، فلا تكاد تسمع صوتها أو انتسابها إلى هذا الصرح الحضاري العظيم الذي بناه الأجداد وتهافت بنيانه مع تهافت الوعي والرشاد، إلا حين يقع استفزازها في رموزها أو يعتدى على أرضها، وإلا فهي ميتة تحمل قابلية عجيبة للتأقلم مع الاستبداد والتخلف، يعيش بعضها على موائد اللئام والبعض الآخر على الاكتفاء في العلم والمعرفة، يجمعهم البعد عن الفعل النهضوي والشهود الحضاري، فهي مشتتة، مختلفة، متخلفة سياسة واجتماعا واقتصادا.

من هنا يمر الشهود الحضاري
"
هناك أمل للخروج من الظلام إذا اصطحبنا معنا مرجعية جميلة ثبت صلاحها لمن سبقنا نستلهمها كما استلهموها, وليس هناك أمل إذا تُرك الحبل على الغارب ورفض الجميع أو صفوتهم دفع الثمن، والتضحية بدنيا لا محالة فانية
"
ولكن. هل هذه العتمة عامة وليس فيها بصيص من نور؟ وهل هي خاصة بأيامنا دون أيام الأجداد، أم إن أيام السواد لم تكن حكرا على عهدنا ولا عن جنسنا وإن كل الشعوب ماضيا وحاضرا مرت أو لا تزال تمر من هنا؟ هل هناك بصيص أمل في هذا الدهليز المظلم الذي يرى أوله ولا يرى آخره أو هكذا يخيل لمن أدركه؟ نعم ولا.

نعم إذا اصطحبنا معنا مرجعية جميلة ثبت صلاحها لمن سبقنا نستلهمها كما استلهموها وننزلها بوعي واجتهاد ورشاد حسب ما يتطلبه واقعنا دون عصمة فكر أو قدسية فرد أو جماعة. مرجعية تحظ على العمل والاستقراء والاستشراف ولا تترك مجالا للفشل والهزيمة والانسحاب.

نعم إذا حملنا في جعبتنا منظومة قيم حازمة ميزت أجدادنا وتميزنا، وأخلاقا تعبر الظاهرة الإنسانية من اقتصاد واجتماع وسياسة وثقافة دون تهيب أو مساومة.

نعم هناك أمل إذا لم يتهيب العالم وشاكس أولي الأمر بالكلمة الطيبة والنصيحة الصادقة وكلمة الحق التي لا تنحسر، ولم يفضل الاختباء وراء الشاشات والحديث الجاد عن نواقض الوضوء وفتاوى النفاس وجعل يبرر موقفه بأنه يبني العقول وقد نسي أن الاستبداد قد استأصلها وأسكنها المقابر والأرباع الخالية، ولا سبيل إلا بإعطاء القدوة والنموذج في الوقوف والمقاومة السلمية والاجتهاد الرشيد.

نعم إذا عقلنا أن الانتظار غير الممنهج والاعتقاد في الإرجاء هو خيبة مسعى ورهان خاسر واختلاس للعقول في وضح النهار، وأن العمل المؤسس هو أول بداية الطريق الناجح والثابت.

ولكن أيضا. لا. ليس هناك أمل إذا رأينا أن التمادي في التنحي والانسحاب حل تشد له الرحال وتبنى له الفتاوى، وأن العمل غير الممنهج وغير المؤسس لواذ الفعل والمبادرة، وأن القناعة كنز لا يفنى إذا لامس منازل الخنوع والتهيب والإرجاء والانتظار السلبي.

لا. ليس هناك أمل إذا تُرك الحبل على الغارب ورفض الجميع أو صفوتهم دفع الثمن. والتضحية بدنيا لا محالة فانية والزهد في إغراءاتها الزائلة.

مفتاح القضية.. التراب والزمن والإنسان
إن مناطق السواد ليست حكرا علينا ومنازل اللآلئ والدرر ليست مقتصرة على الجيران، إن جماهيرنا وشعوبنا وأمتنا الحاضرة حملت بين أضلعها رجالا ونساء وحتى أطفالا ساهموا بأيديهم الصغيرة أو الكبيرة وعقولهم البسيطة أو الكاملة في النهوض وتواصل الوقوف، ومن هنا مرت حروب الاستقلال ومن هنا لا تزال تمر فلسطين وغيرها من البقاع الموؤودة. ومن هنا مرّ أسطول الحرية وانطلق من مياه إسلامية دافئة.

إن حاضرنا على سوئه المهيمن ليس فلتة عن تاريخنا، فالأنوار كانت هنا وهناك، والفارق هو في عددها وقوة إشعاعها ومنهجية التنوير والاستضاءة، ففقيه السلطان لم يخلُ منه زمان أو مكان، وخيمته لم تفرغ من التملق والتزلف والنفاق، والجماهير الساكنة لم تغب عن خريطة الفعل اليوم والأمس، والنخب المتواطئة والطاقات المعطلة والصفوة الفاشلة لم تكن حكرا على أيامنا. ولكن مع وجود الظلام كان النهار ينافسه البقاء ويكسب كل يوم ثواني أو دقائق من الأنوار، فمع الفقيه المتهيب كان الفقيه الحازم ولعله الأكثر عددا وعدة، ومع الجمهور الصامت كان الجمهور العامل تحت رايات الوقف والبناء. ونحن اليوم لسنا ذرة في فلاة ولا نحمل أكفاننا على ظهورنا ونبكي حظنا ونصيح لمن يسمعنا أن نهاية العالم قد قربت. فالسجون ملآنة بمن قاوم وطالب بالكرامة وحقوق الإنسان، والجماهير على سكونها عاقلة يقارب صمتها سكون الأجواء قبل حدوث العاصفة، وفقهاء الصمود على قلتهم موجودون ويحاولون دفع المركبة نحو شاطئ السلام، وبعض من النخبة في حراك وتوعية لتشكيل العقل المبادر والباني للحضارة. فلا نيأس.

إن شعوب الجيران ليسوا بياضا في بياض وإن كان السواد تتجاذبه أطراف معتبرة، فمن منظومة قيم مهزوزة وتلهف نحو المادة شعاره أنا أملك إذا أنا موجود. ومن تاريخ قبل حاضر غلب عليه اللون الأحمر والصراخ والآلام والإبادات والحروب. ومن ديمقراطيات على جمالها، سقطت في بعض المنعطفات والتضاريس، فمن هنا مرت حروب وأهوال وظلم بواح، ومر أبو غريب وغوانتانامو ومرت حقوق الإنسان.

"
لسنا نحمل عقدة الضعف واحتكار الأسوأ، إلا أننا عجزنا عن بلورة مسارات الوقوف والتحدي ونجحوا، عجزنا عن المشي خارج الكهوف وتحت الشمس ونجحوا، عجزنا عن تفعيل مرجعية وتاريخ جميل في الكثير من مواقعه ونجحوا
"

فلسنا نحمل عقدة الضعف واحتكار الأسوأ، إلا أننا عجزنا عن بلورة مسارات الوقوف والتحدي ونجحوا، عجزنا عن المشي خارج الكهوف وتحت الشمس ونجحوا، عجزنا عن تفعيل مرجعية وتاريخ جميل في الكثير من مواقعه ونجحوا، رغم هنات تاريخهم واستفهاماته الكثيرة ومناطق الظل فيه. عجزنا عن استلهام ما طوروه عنا وعن غيرنا، وأفادوا به البشرية جمعاء فأنشؤوا حضارة تكنولوجية فريدة ولامسوا الثريا نظرا وفعلا، وبقينا نحن ننظر إلى الثرى ونتعلق بقشور حضارتهم ونستهلك ما صنعوا، وبدل الاضطلاع بتشييد حضارة جديدة، عملنا على تكديس منتجاتها وخرداتها، وأيدينا مربوطة إلى الوراء ونظراتنا إلى السماء تنتظر غوثها والسماء منا براء.

إن إحدى بصمات الأمل التي لا تزال نابضة داخلنا وكأن جيناتنا حملتها رغما عنا، تكمن في تلك اليد الخفية التي حملها الغيب يوما ولا يزال يحملها ويدفع بها إلينا حتى لا ترتعش أطرافنا وتذهب ريحنا ونحن نخط استنهاضا أو نهضة، أو مشروعا حالما للتغيير والإصلاح ولعل من أبرزها عندي مكانا ومنزلة هذا الحديث الشريف الجامع العجيب الممتلئ تفاؤلا ويمنا وبركة، رغم ظلمة المكان وشدة الزمان وقسوة اللحظة ونهاية الفعل، والذي لولاه لخرت القوى وخنعت الأنفس وخاب الأمل وضاعت الوصية وسقط الغصن واندثرت شعوب وأمم "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة "النخلة الصغيرة" فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها". والحضارة كما عناها مالك بن نبي رحمه الله لقاء وفاقي بين ثلاثة: التراب والزمن والإنسان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة