حول الاستحقاق الأردني للانتخابات الإسرائيلية   
الخميس 7/3/1427 هـ - الموافق 6/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:14 (مكة المكرمة)، 13:14 (غرينتش)


محمد أبو رمان

- الأردن لا يعاني من هشاشة عظام
- هاجس الوطن البديل
- في نقد الاتجاه التقليدي
- الاشتباك الإيجابي
- ملف الإصلاح السياسي

لا يوجد اتفاق أردني حول تداعيات الانتخابات الإسرائيلية على أمن الأردن ومصالحه السياسية.

وربما تعكس "الورشة" التي عقدت في مركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية قبل أيام، بمشاركة عدد من السياسيين والباحثين والمثقفين، وما تبعها من مقالات نشرت في بعض الصحف مركز المناظرة الأردنية في هذا الموضوع.

يمكن القول إن هناك اتجاهين رئيسيين، الأول يمثله سياسيون وقوى داخل المؤسسات الرسمية يقلل من خطورة وتداعيات الانتخابات الإسرائيلية وفوز كاديما، أما الثاني فيمثله عدد من الباحثين والإعلاميين ويرى أن تلك الانتخابات تمثل مصدر تهديد للأمن الوطني والمصالح الأردنية.

"
فوز كاديما وما يصدر من الإشارات من الجانب الإسرائيلي وبرامج أحزابه حول الأردن، لا يجوز أن يكون "فزاعة" لإثارة الهواجس والقلق، لأن الدولة ليست مصابة بهشاشة عظام
"
الأردن لا يعاني من هشاشة عظام

يرى الاتجاه الأول أنه لا داعي للقلق والتمادي في تقدير أهمية الانتخابات الإسرائيلية والمبالغة في تداعياتها، فحزب كاديما أقل خطرا من "اليمين الإسرائيلي"، وقد صدرت عن زعامته إشارات واضحة، بعد الفوز، تؤكد عزمهم على استعادة المفاوضات مع الفلسطينيين.

كما أن المؤشرات تدل على أن حماس ستدخل في مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي وسوف تعود العملية السلمية لتأخذ طريقها بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ولا داعي للقلق على الفلسطينيين، فهم قادرون على إدارة ملفاتهم ولن يسمحوا لتلك الخلافات أن تسير بالمشهد الفلسطيني إلى الوراء في هذه المرحلة الحرجة والخطيرة.

أما على صعيد الأردن، فالدولة قوية وقادرة على تحديد مصالحها الخارجية والداخلية، كما أن الأردن تمكن دوما من الحفاظ على أمنه وتجاوز المحن، رغم كل الصعوبات، وحافظ على الاستقرار والاستمرار.

وليس جديدا على الأردن صدور تهديدات أو دعاوى من الطرف الإسرائيلي في اعتباره "وطنا بديلا" أو حلا للمشكلة الأمنية والسياسية الإسرائيلية.

ووفقا للمعطيات السابقة، يرى هذا الاتجاه أن فوز كاديما، وما يصدر من بعض الإشارات من الجانب الإسرائيلي وبرامج أحزابه حول الأردن، لا يجوز أن يكون "فزاعة" لإثارة الهواجس والقلق، لأن الدولة ليست مصابة بهشاشة العظام، وليس بمقدور أحد أن يفرض علينا أي دور داخل الأراضي المحتلة سواء كان أمنيا أو سياسيا ما دام يتعارض مع المصلحة الوطنية الأردنية.

هاجس الوطن البديل
في المقابل، فإن الاتجاه الآخر، الذي يتمثل بعدد من الباحثين والإعلاميين والمثقفين، يرى أن الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، ليست كأي انتخابات سابقة، فهي انتخابات تاريخية توجت بانتصار ولو محدود لحزب كاديما، الحزب الذي يتبنى مبدأ الحل الأحادي ورسم حدود إسرائيل النهائية من جانب واحد.

وهذا الأمر يلغي هامش المفاوضات المستقبلية ويضعف من فرصة قيام الدولة الفلسطينية مستقبلا، ويحول الفلسطينيين إلى جزر جغرافية ذات كثافة بشرية لا تمتلك إمكانيات أمنية وسياسية حقيقية، تعيش في ظروف اقتصادية منفرة طاردة، في ظل معادلة مختلة، أخطر من السابق لا تسمح لهم فيها إسرائيل ببناء مقاومة مسلحة، على غرار سنوات الانتفاضة.

والجدار والرد العنيف وضعف التواصل بين هذه المناطق سوف يضعف كثيرا من خطر العمليات الفدائية، وسيجعل النسق العام الذي يعيش فيه الفلسطينيون أشبه بالسجن الكبير، مما يعزز عوامل "الهجرة الاختيارية" (أو ما يسميه البعض الترانسفير الناعم) بحثا عن فرص الحياة الآمنة والمستقرة بعيدا عن واقع لا يسمح بحياة طبيعية.

ويعزز السيناريو السابق المشكلات الداخلية الفلسطينية بالتحديد بين حماس وفتح، وتأزم الوضع السياسي والاقتصادي، وظاهرة الانفلات الأمني، وظهور العديد من الأجنحة والقوى المختلفة داخل كل فصيل فلسطيني، وأخيرا بروز دعوات من داخل فتح لحل السلطة الفلسطينية.

ويرى هذا الاتجاه أنه في ظل مثل هذه الظروف، فإن الاتجاه شرقا (الحل الأردني) لا يصبح مطروحا بقوة على الصعيد الإسرائيلي فقط، بل والأميركي أيضا.

وستتم مطالبة الأردن بالقيام بدور سياسي وأمني يعتبره البعض واجبا أخلاقيا، وربما تتوج هذه الضغوط بموقف من النظام العربي.

وخطورة هذا الحل أنه يعيد إلى الأذهان قصة "الوطن البديل" ويؤكد ادعاءات اليمين الإسرائيلي واليمين الأميركي أن الدولة الفلسطينية قائمة بالفعل شرق النهر وعاصمتها عمان.

"
المقتضى العملي لمشروع كاديما الإستراتيجي (الجدار العازل والحل الأحادي) هو خلق الشروط المناسبة والممتازة لحل يعتمد على الأردن على حساب الدولة الفلسطينية المستقلة القادرة على الحياة
"
في نقد الاتجاه التقليدي

أقترب كثيرا من رؤية الاتجاه الثاني، وأرى أن هذه الانتخابات الإسرائيلية بالتحديد لها أبعاد وتداعيات خطيرة، إن لم نحسن في الأردن وفلسطين التعامل معها.

وأضيف عدة ملاحظات رئيسة:
أولا، إن تأكيد الاتجاه الأول على قوة الأردن واستمراره واستقراره وكفاءة مؤسساته الأمنية والعسكرية، صحيح، والخبرة التاريخية شاهد على ذلك، إلا أن هذا لا يتنافى مع دراسة الاحتمالات المختلفة لتطور الأمور على الضفة الأخرى من النهر، وبناء مقاربة وطنية للتعامل مع "السيناريو الأسوأ" حتى لا نفاجأ به.

ثانيا، هناك اختلاف كبير في سياق التفكير في المناظرة الأردنية حول الموضوع، فالاتجاه الأول يتحدث من معين الخبرة التاريخية والحلقة المفرغة التي كانت تدور فيها المنطقة فيما يتعلق بالصراع وما يثار على هامش ذلك من تهديدات واحتمالات على الأردن.

أما الاتجاه الثاني فيتحدث في إطار قراءة المتغيرات الدولية والإقليمية والإستراتيجية الدولية الجديدة في المنطقة التي أطاحت بالنظام العراقي وقلبت الأمور في العديد من الدول العربية، بالتالي الوقوف عند القياس على المرحلة السابقة لا يصح منطقيا وسياسيا في التعامل مع المرحلة الجديدة واستحقاقاتها.

ثالثا، يضاف إلى ما سبق، أن كاديما إن لم يتحدث في برنامجه عن مشروع "الوطن البديل" ولم يجار الأحزاب اليمينية الإسرائيلية في حديثها الدائم عن الأردن، فإن المقتضى العملي لمشروعه الإستراتيجي (الجدار العازل والحل الأحادي) هو خلق الشروط المناسبة والممتازة لحل يعتمد على الأردن على حساب الدولة الفلسطينية المستقلة القادرة على الحياة.

أما دعاوى المفاوضات والعملية السلمية فلن يكون لها أي أثر في ظل ما يجري على أرض الواقع من حل مفروض من طرف واحد.

رابعا، كاديما أخطر من اليمين الإسرائيلي والليكود، فهذا الحزب نقل اليسار الإسرائيلي إلى اليمين، وجعل من الحل الأحادي المركز السياسي لمستقبل إسرائيل، وحصل له غطاء أميركيا وغربيا، مستثمرا انتصار حماس في الانتخابات الأخيرة.

خامسا، أهم مما سبق أن القضية الفلسطينية في نهاية مسارها، والحل الأحادي يمثل المسمار الأخير في نعش القضية، وهو ما يعزز من رؤية اليمين الأميركي- الإسرائيلي للحل الأردني بأي صيغة كان.

الاشتباك الإيجابي
في المحصلة لا بد من تعريف الأمن الوطني والبحث عن مصالح الأردن في سياق هذه المتغيرات الكبيرة.

والملاحظة الرئيسة في هذا السياق أن "الاتجاه الانعزالي" الذي يطالب الأردن بعدم التدخل في الشأن الفلسطيني الداخلي، والتخلي عن هذا الملف سيضر بمصالح الأردن على المدى البعيد ويؤثر عليها سلبا، إذ لا يعيش الأردن في جغرافية معزولة.

وبالإضافة إلى "الواجب الأخلاقي" تجاه الشعب الفلسطيني هناك تأثير مباشر وخطير لهذا الملف على المصالح الأردنية، ويكفي أن الأردن يحتضن أكبر نسبة من اللاجئين الفلسطينيين في العالم.

ودعوى "الانعزالية" أضرت كذلك بمصالح الأردن في "عراق ما بعد صدام" وخلقت حالة من العداء وسوء الفهم للسياسة الأردنية من مختلف الأطراف العراقيين، إلى حين تنبه النظام وفتح قنوات من التواصل مع الشيعة والسنة والأكراد، وأعاد إنتاج معالم الدبلوماسية الأردنية على ذلك الصعيد، وهو ما أتى بنتائج مختلفة في الشهور الأخيرة.

إذن لا بديل من "الاشتباك الإيجابي" مع الشأن الفلسطيني، والتدخل المشروع الذي يستند إلى تعريف المصلحة الحيوية الأردنية وهي استقرار الأوضاع السياسية والأمنية وتعزيز قوة السلطة ومنع انهيار المشهد الفلسطيني، وهو ما يقتضي فتح قنوات مع السلطة والفصائل الفلسطينية المختلفة.

من المعروف أن علاقة الأردن بالرئيس محمود عباس وعدد من الشخصيات والقوى الفلسطينية جيدة، لكن هناك "أزمة" غير مبررة في التعامل مع حماس، بعد قرار طرد قادتهم من الأردن عام 1999.

في هذا السياق لا بد من تجاوز قصة "جوازات السفر" والمناكفة بين عدد من أقطاب السياسة الأردنية ممن وقفوا وراء إبعاد خالد مشعل ومجموعته من الأردن وبين المكتب السياسي للحركة، والخروج من هذه الحالة من "النزق السياسي" إلى البحث عن المساحة الكبيرة المشتركة في مصالح الطرفين الأردني والفلسطيني وفي كيفية التعامل مع المرحلة القادمة.

فللأردن دور كبير يمكن القيام به داخل الحالة الفلسطينية، وهو ما يجب استثماره والدفع باتجاهه.

"
على الأردن تبني إستراتيجية "شراء الوقت" في التعامل مع ملف الإصلاح، لتأجيل استحقاقاته إلى حين الوصول إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية وتخيير الأردنيين من أصل فلسطيني بين البقاء والرجوع إلى فلسطين
"
ملف الإصلاح السياسي

بقيت مسألة أخيرة في المناظرة الأردنية حول فوز كاديما وتداعياته، تتعلق بالملف السياسي الداخلي وبالتحديد قضية "الإصلاح" إذ يرى الاتجاه الأول أن الإصلاح السياسي هو مكمن الخطر القادم على الأردن، وأنه بيت القصيد في استيعاب الأردنيين (من أصل فلسطيني) سياسيا، مما يؤثر على بنية البرلمان وهوية ممثلي الشعب، ويؤكد مقولة اليمين الإسرائيلي بأن "البرلمان الفلسطيني" قائم بالفعل في الأردن.

ويصر هذا الاتجاه على إبقاء قانون "الصوت الواحد" حماية للهوية الفلسطينية والأردنية على السواء.

ووفقا لهذه الرؤية فإن على الأردن تبني إستراتيجية "شراء الوقت" في التعامل مع ملف الإصلاح، بمعنى تأجيل استحقاقاته إلى حين الوصول إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية، ومن ثم تخيير الأردنيين من أصل فلسطيني بين البقاء والرجوع إلى فلسطين، وهو ما سيمثل "صمام أمان" للمعادلة السياسية والديمغرافية الداخلية.

الرؤية السابقة متهافتة وتقوم على افتراضات رئيسة: أولها، الهاجس من حركة "الإخوان" وعمودها الفقري من الأردنيين من أصل فلسطيني، وهو موقف يعكس، من جهة أخرى، رؤية الدوائر "الأمنية" الضيقة للإصلاح السياسي واستحقاقاته.

الافتراض الثاني، أن هذا الاتجاه يقرأ مشروع الإصلاح السياسي من منظور ديموغرافي-إقليمي مبني على نسبة الأردنيين والفلسطينيين، متناسيا أن الهدف الرئيسي للإصلاح السياسي الحقيقي هو تجاوز هذه "الثنائية"، وترسيخ مفهوم "المواطنة" بدلا منها وتعزيز الحياة الحزبية التي تنقل النسق السياسي من سؤال الصراع الإثني أو الطائفي أو الديني إلى سؤال البرامج الحزبية والرؤى السياسية العملية.

وهذه هي الوظيفة الجوهرية للأحزاب في الحياة السياسية العربية الراهنة، وهي الرد على نزعة العودة إلى الانتماءات الأولية التي تغزو المشهد العربي اليوم.

الافتراض الثالث، أن الإصلاح مطلب النخب الأردنية من أصل فلسطيني، التي ترفع شعار "الحقوق المنقوصة للأردنيين من أصول فلسطينية".

وهذا الافتراض يتجاوز أيضا أن الإصلاح منظومة متكاملة ومطلب وطني يقوم على توسيع دائرة المشاركة في الحكم والمحاسبة والمساءلة ومحاربة الفساد السياسي والحريات العامة وحقوق الإنسان.. الخ. ولا يمكن حصره في مطالب نخبة أو فئة معينة.

وأبرز ما يؤخذ على رؤية الاتجاه الأول للإصلاح السياسي أنها تتجاوز إمكانية الحوار الهادئ للاتفاق على شروط بناء عملية متكاملة للإصلاح تأخذ في الاعتبار حماية الهوية الفلسطينية وحق العودة لكنها لا تتجاوز الطموح المشروع لكل الشعب الأردني بالإصلاح الذي يحسِّن من تفاصيل حياتهم اليومية ويحمي المجتمع من الفساد والقمع.
__________________
كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة