رسالة بن لادن لأهل العراق.. المضمون والدلالات   
الثلاثاء 1428/10/18 هـ - الموافق 30/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 12:41 (مكة المكرمة)، 9:41 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

لماذا رسالة خاصة بالعراق؟
وضع القاعدة في الآونة الأخيرة
بن لادن يعترف بالأخطاء
دعوة للوحدة والحفاظ على خيار الجهاد

لم تكن رسالة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن لأهل العراق مفاجئة، وقد توقعنا من قبل أن رسالته المصورة التي وجهها للشعب الأميركي في أغسطس/آب الماضي هي نوع من تأكيد الحضور إثر شائعات الموت والمرض، بينما ستتبعها رسائل أخرى تعالج الشؤون الحيوية الأخرى، وعلى رأسها العراقية والأفغانية والفلسطينية.

لماذا رسالة خاصة بالعراق؟
"
ليس غريباً أن يخص بن لادن العراق والعراقيين برسالة خاصة، سواء أكان بشكل طبيعي، أم في هذه المرحلة بما تنطوي عليه من خصوصية, لأن العراق هو ساحة الاشتباك الرئيسية لتنظيم القاعدة مع الأميركان
"
ليس غريباً أن يخص بن لادن العراق والعراقيين برسالة خاصة، سواء أكان بشكل طبيعي، أم في هذه المرحلة بما تنطوي عليه من خصوصية.

نقول ذلك لأن العراق هو ساحة الاشتباك الرئيسة لتنظيم القاعدة مع الأميركان الذين أصبحوا العدو الأكبر منذ إعلان الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين في العام 1998.

صحيح أن أفغانستان تشكل نقطة حيوية أخرى للقاعدة، ولوحظ بالفعل التركيز عليها في الآونة الأخيرة إثر تصعيد العمليات العسكرية لحركة طالبان، لكن ذلك لا يغير من واقع أن العراق هو الذي منح القاعدة فرصة الانطلاق والشهرة.

فهنا في هذه الساحة تمكنت المقاومة ومن ضمنها القاعدة (كانت الأهم في المرحلة الأولى قبل بروز القوى الأخرى) من ضرب المشروع الأميركي لإعادة تشكيل المنطقة، فضلاً عن استنزافه بشرياً ومالياً.

وفي رسالته الأخيرة للشعب الأميركي بمناسبة الذكرى السادسة لهجمات سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة افتخر أسامة بن لادن بقدرة "تسعة عشر مجاهداً" على حرف بوصلة أكبر إمبراطورية في التاريخ وجرها إلى مستنقع يستنزفها مالياً وبشرياً.

في هذه المرحلة على وجه الخصوص ثمة بعد بالغ الأهمية يتعلق بواقع المقاومة العراقية، وبعد آخر لا يقل أهمية يتمثل في واقع تنظيم القاعدة في العراق، وكلاهما يستحق من أسامة بن لادن الكثير من المتابعة والاهتمام.

فيما يتعلق بالبعد الأول، يمكن القول إن خيار المقاومة يعيش أزمة حقيقية منذ شهور، إذ يلحظ المراقبون تراجعاً في عملياتها الموجهة ضد القوات الأميركية، وعندما يزور الرئيس الأميركي جورج بوش الأنبار ويشيد بتجربتها الناجحة، ويأمل في تعميمها على المناطق الأخرى، ويلتقي عبد الستار أبو ريشة، قائد مجلس صحوة الأنبار (قتل لاحقاً) ويصنفه بطلاً من أبطال العراق، عندما يحدث ذلك فلا بد أن ندرك أن العدو يستشعر حجم النجاح الذي حققه على صعيد تحجيم مسار المقاومة في مناطق العرب السنة.

فيما يتصل بهذه المعضلة (تراجع المقاومة) يتبدى التأثير السلبي للمعارك الجانبية التي خاضها تنظيم القاعدة مع العشائر والقوى السياسية، وصولاً إلى قوى المقاومة على مسار المقاومة.

إذ حرفت الفعل المقاوم عن برنامجه وهدفه، كما أدت إلى تشكيل ما يعرف بمجالس الصحوة ومجالس الإنقاذ التي فتحت خطوطاً مع الأميركيين وأخذت على عاتقها حرب القاعدة، الأمر الذي ترك أثره البالغ على عموم الفعل المقاوم، لاسيما أن كثيراً من أبناء العشائر كانوا منخرطين في المقاومة قبل أن تأخذهم حمية الثأر انتصاراً لأقاربهم نحو مسار آخر عنوانه مطاردة "الأجانب" و"التكفيريين".

كان تأسيس ما يعرف بدولة العراق الإسلامية محطة أساسية في انطلاق الصدامات بين القوى السياسية والعشائرية في مناطق العرب السنة وبين القاعدة.

إذ رفضت تلك القوى الاعتراف بتلك الدولة أو القبول بأوامرها ونمطها الذي تريد فرضه على الجميع، الأمر الذي انسحب على قوى المقاومة أيضاً.

وهنا بدأت الصدامات تتوالى مرة إثر أخرى معمقة الثارات والشروخ في أوساط العرب السنة، الأمر الذي أفقد المقاومة شعبيتها في أوساط الناس، فيما منح الجهات التي تتعاون مع الأميركان مقابل مكاسب سياسية ومالية مزيداً من الشعبية، لاسيما في أوساط العشائر التي أغدق عليها الأميركان عطاياهم.

"
من الظلم إلقاء مسؤولية تراجع المقاومة على تنظيم القاعدة وحده، تماماً كما هو الحال فيما يتعلق بالأخطاء التي ارتكبت. صحيح أن سلوك القاعدة كان مثيراً ومستفزاً للآخرين، إلا أن عوامل أخرى كانت حاضرة ولها دورها في هذا السياق
"
من الظلم بالطبع إلقاء مسؤولية تراجع المقاومة على تنظيم القاعدة وحده، تماماً كما هو الحال فيما يتعلق بالأخطاء التي ارتكبت. صحيح أن سلوك القاعدة كان مثيراً ومستفزاً للآخرين، إلا أن عوامل أخرى كانت حاضرة ولها دورها في هذا السياق.

الأكيد أن القوى المنضوية في العملية السياسية وعلى رأسها جبهة التوافق قد ساهمت بفعالية في ضرب مسار المقاومة، وذلك من خلال خطابها السياسي الذي يركز على إيران ويتجاهل الأميركان، كما يركز دائماً على إمكانية انسحابهم من العراق وضرورة قيام قوى المقاومة بمحاورتهم.

مع العلم أن أحداً من بين القوى العربية السنية لا يدافع أو حتى يختلف مع الآخرين حول الدور البائس الذي تلعبه إيران في الساحة العراقية.

يقوم هذا التقدير على ضرورة تهدئة الساحة العربية السنية كي يتفرغ الأميركان للجم القوى الشيعية التي يمكن أن تكون أداة إيرانية في ضرب الأميركان عندما يشرعون في ضرب إيران، وهي الضربة التي ينتظرها العالم أجمع إذا لم تحدث تطورات دراماتيكية بإعلان الإيرانيين وقفاً شاملاً لتخصيب اليورانيوم.

من جانب آخر يمكن القول إن الرد الذي بادرت إليه بعض قوى المقاومة ضد القاعدة بسبب أخطاء ارتكبت من عناصرها قد زاد عن الحد الطبيعي في بعض الأحيان وأخذ المحسن بذنب المسيء، ووصل الأمر حدوداً غير مبررة عندما ركب بعض المقاومين الدبابات الأميركية في سياق مطاردتهم لعناصر القاعدة، ما أكد وجود خلل في البوصلة السياسية كان لجهات في جبهة التوافق دور فيه.

هناك أيضاً سقوط بعض الزعامات العشائرية أمام بريق الذهب والمال الذي تدفق عليهم من المحتل الأميركي بغية شراء ولائهم، الأمر الذي حولهم إلى حراب تعمل لحماية أمنه ولصالح برنامجه.

وضع القاعدة في الآونة الأخيرة
بسبب هذه المعارك الجانبية والكبيرة يمكن القول إن تنظيم القاعدة قد خسر الكثير من قوته، وذلك بعد فقد الكثير من عناصره، سواء في الصدامات مع العشائر وقوى المقاومة الأخرى، أم في معاركه مع الأميركان والقوات العراقية، كما وقع الكثير منهم في الأسر.

أضف إلى ذلك ما يتعلق بخسارتهم للحاضنة الشعبية التي توفرت لهم طيلة سنوات، وما من تنظيم أو فصيل يمكنه مواصلة العمل المسلح من دون حاضنة شعبية توفر له الحماية، ومعلوم أن المناطق التي يعمل فيها التنظيم هي في معظمها مناطق عشائرية، فيما يدرك المعنيون أن بعض قوى المقاومة لها طابعها العشائري أيضاً.

كل ذلك لم يدفع قادة التنظيم إلى إعادة النظر في إستراتيجيتهم القتالية والسياسية في آن، ففي آخر رسائله شن أبو عمر البغدادي هجوماً لاذعاً على عموم الإخوان المسلمين، وعلى جبهة التوافق وعلى بعض الفصائل التي تلبس ثوب السلفية (في إشارة إلى الجيش الإسلامي ومن معه في جبهة الجهاد والإصلاح)، فضلاً عن بعض العشائر، ما أكد دخول التنظيم في تناقضات مع أكثر عناصر المجتمع العربي السني.

في هذه المعمعة بدا أن موقف هيئة علماء المسلمين كان الأكثر توازناً بين المواقف. وكانت الهيئة وقوى المقاومة القريبة منها على نحو من الأنحاء، كما هو حال كتائب ثورة العشرين وجيش الراشدين التي شكلت مع فصائل أخرى جبهة الجهاد والتغيير قد وقفت موقفاً رافضاً لمبدأ التعاون مع الأميركان في حرب القاعدة.

وذهب الشيخ حارث الضاري أمين عام الهيئة إلى ضرورة محاورتها ونصحها وليس استهدافها، قائلاً إن 90% من عناصرها عراقيون، وهو ما أثار عليه هجمة شرسة من جبهة التوافق والحزب الإسلامي.

بن لادن يعترف بالأخطاء
"
هدف رسالة بن لادن وجوهرها وروحيتها العامة جعل الأصل هو الاعتراف بأخطاء القاعدة وتقديم ما يشبه الاعتذار عنها، مع رفض"تتبع عورات المجاهدين"، الأمر الذي بدا متوفراً بالفعل في النص الذي كان دافئاً مع الجميع، ومركزاً على الوحدة
"
في رسالته التي تبدو الأكثر بلاغة (نصاً وسجعاً وعاطفة) بدا أسامة بن لادن واضح الحرص على إعادة اللحمة إلى صوف "المجاهدين" رافضاً التعصب الحزبي والتنظيمي، وهنا يتبدى تجاهله لدولة العراق الإسلامية وحديثه عن جماعته كما لو كانت فصيلاً مجاهداً وليست دولة على الآخرين مبايعتها.

أما الأهم فهو اعترافه بوقوع أخطاء من قبل "المجاهدين"، وتأكيده على أن "خير الخطائين التوابون" بحسب الحديث النبوي، وهنا تبدو الإشارة واضحة إلى أخطاء جماعته أكثر من الآخرين، وإن شملتها على نحو من الأنحاء، وهي موجودة بالفعل.

لكن هدف الرسالة وجوهرها وروحيتها العامة جعل الأصل هو الاعتراف بأخطاء القاعدة وتقديم ما يشبه الاعتذار عنها، مع رفض "تتبع عورات المجاهدين"، الأمر الذي بدا متوفراً بالفعل في النص الذي كان دافئاً مع الجميع، ومركزاً على الوحدة من دون الإساءة إلى أحد باستثناء من أسماهم المنافقين.

دعوة للوحدة والحفاظ على خيار الجهاد
من هنا يمكن القول إن جوهر الرسالة هو الدعوة إلى التوحد واللجوء إلى القضاء الشرعي في حل التجاوزات من جهة، مع الدعوة إلى الحفاظ على خيار الجهاد من جهة أخرى، وتوجيه النداء إلى العشائر وأهل العراق عموماً بأسلوب هادئ ودافئ في آن. وقد لوحظ كيف كانت الفقرة الخاصة بالعشائر مليئة بالمدح في أبلغ تعبيراته.

أما أمراء المجموعات المسلحة فخاطبهم بن لادن بالقول: "إخواني أمراء الجماعات المجاهدة، إن المسلمين ينتظرون أن تجتمعوا جميعاً تحت راية واحدة لإحقاق الحق، وعند قيامكم بهذه الطاعة ستنعم الأمة بعام الجماعة.".

لعل بلاغة الرسالة وروحها الوحدوية هي التي جعلت ردود الفعل عليها إيجابية إلى حد كبير، بدءا برد الناطق باسم المجلس السياسي للمقاومة، الذي يتشكل من جبهة الجهاد والإصلاح (الجيش الإسلامي، جيش المجاهدين وهيئة أنصار السنة-الهيئة الشرعية)، إضافة إلى حماس العراق، وجبهة المقاومة الإسلامي (جامع)، ومروراً بهيئة علماء المسلمين ووصولاً إلى جبهة الجهاد والتغيير ومحورها كتائب ثورة العشرين وجيش الراشدين.

"
رسالة بن لادن كانت مفاجأة غير سارة للأميركيين، وسيشعرون بثقلها أكثر ما أن تبدأ نتائجها بالظهور على الأرض بعد قليل من الوقت، بحسب ما يتوقع أكثر المتابعين للشأن العراقي
"
معلوم أن المجلس السياسي للمقاومة الذي تشكل مؤخراً لا يشمل جميع قوى المقاومة، فيما طرح البعض أسئلة حول بوصلته، ولا شك أن ترحيب الحزب الإسلامي به، إلى جانب مجلس علماء العراق الذي تأسس لمنافسة هيئة علماء المسلمين قد ساهم في التوقف حياله، فضلاً عن اشتراك قواه في مواقف لا تلتقي بالضرورة مع الآخرين.

لا خلاف على أن فكرة المجلس رائدة إلى حد كبير، لكن بوصلة المواقف ينبغي أن تكون أكثر وضوحاً في ظل اشتراك قواه سابقاً في حرب القاعدة وتعاون بعضها مع الأميركان، وفي ظل حديث كثير منها الدائم عن الانسحاب الأميركي والتفاوض حوله دون مبرر، فضلاً عن تقديمها الخطر الإيراني على الأميركي وبالتالي إمكانية قبولها بوقف المقاومة من أجل منح أميركا فرصة التفرغ لحرب إيران.

إذا تبين أن بوصلة المواقف مقبولة، ومعها إصرار حقيقي على مسار المقاومة بصرف النظر عن الحرب الأميركية على إيران، ورفض اللقاءات المجانية معهم، إذا تبين ذلك، وهو ما يأمله المخلصون من قوم كان لهم دورهم الحيوي في ميدان المقاومة، فسيكون تأسيس المجلس خطوة مهمة، وإلى أن يتأكد ذلك سيكون بقاء الآخرين مثل جبهة الجهاد والتغيير خارج إطاره هو الأفضل، كي لا يوضع بيض المقاومة والعرب السنة في سلة واحدة.

هكذا يمكن القول إن رسالة بن لادن كانت بالغة الأهمية، وستتبدى أهميتها أكثر عندما تتأكد استجابة قيادة القاعدة في العراق لنصائحه، ومعها قوى المقاومة، فضلاً عن مساهمتها في استعادة المقاومة لحاضنتها الشعبية والكف عن المراهنة على التعاون مع الأميركان، وصولاً إلى صعود جديد لفعالياتها يفشل مراهنة بوش وتشيني على تهدئة عامة ستكون من دون شك بالغة الخطورة من زاوية تكريسها الانتداب الأميركي على العراق في حال النجاح في ضرب إيران.

أما الأهم فهو خطورتها في حال الفشل ونزوع القوى الشيعية بدعم إيران نحو مقاومة عسكرية وسلمية قد تستنزف الأميركان بشرياً ومالياً وسياسياً وتطردهم من العراق، فتكون النتيجة شعوراً طاغياً بالقوة يفضي إلى المطالبة بحق التحرير وحق الأغلبية في آن، ما يعني حرباً أهلية الله وحده يعلم كم ستستمر، وأقله تقسيم البلد إلى كيانات ثلاثة.

في ضوء ذلك كله يمكن القول إن الرسالة كانت مفاجأة غير سارة للأميركيين، وسيشعرون بثقلها أكثر ما أن تبدأ نتائجها بالظهور على الأرض بعد قليل من الوقت، بحسب ما يتوقع أكثر المتابعين للشأن العراقي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة