"الليبرالية الجائرة".. "ليبرالية أنا طليق وأنت مقيد"!   
السبت 11/4/1436 هـ - الموافق 31/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:14 (مكة المكرمة)، 12:14 (غرينتش)
عبد الله البريدي

حيازة المقدس حق مطلق للكافة
الليبرالية الجائرة.. بعض انعكاساتها السلبية
عود على مقدس!

مع استنكارنا الشديد للقتل والعنف المرتكب في حادثة "شارلي إيبدو" الباريسية، نشير دون مواربة إلى أن هذه الحادثة أعادت إلى "سطح المكتب" ملفات محفوظة في "القرص الصلب" في "ذاكرتنا الجمعية التراكمية"..، ولعلي ألتقط بعض تلك الملفات التي تحمل خطورة وتولّد تحديات كباراً في هذه الأيام الصعبة علينا جميعاً.

حيازة المقدس حق مطلق للكافة
إن كان إنسان يؤمن بحقه في ألا يكون له مقدس، فهذا حق له، بيد أنه لا يمتلك الحق في سلب ذلك الخيار من إنسان آخر، وإلا أصبحنا عبيداً لمن يزعمون رفع لواء "الحريات المطلقة"، ولا مطلق في الحريات الإنسانية وفق الحقائق التاريخية الدامغة، فالغربيون المعاصرون لا يطيقون مثلاً توجيه أي انتقاد أو تشكيك في الهولوكوست، بزعم معاداة السامية.

وقد جعل الغرب من حرية التعبير "مقدس الأقداس"، وهذا يعني أن الغربيين يضعون لهم مقدساً متعالياً على النقد، ويستكثرون على الشعوب الأخرى أن تكون لها مقدساتها المصونة.

إن صنيع الغربيين هذا يعكس غروراً لا حد له ولا قيد عليه، بل إنه يصل بهم إلى شكل من أشكال تأليه الذات، فهم يحوزون لأنفسهم "المطلق المتعالي" في سياق يجوهرون فيه ممارساتهم التعبيرية أو لنقل "شهواتهم الفكرية"، التي يدرجونها ضمن "أساليب الحياة" التي تقوم بذاتها ولا تقبل تجزئة ولا نقاشاً فضلاً عن المراجعة والنقد والتعديل، فبأي لغة يتحدثون وبأي فلسفة أو منطق يحاججون؟ إنها "الليبرالية الجائرة" أو "ليبرالية أنا طليق وأنت مقيد"!

والمسلمون لهم مقدساتهم المنزّهة عن كل ألوان الابتذال والامتهان، وهذا حق "مطلق" لهم لا يضارهم فيه أحد، وضمن أعظم رموزهم المقدسة شخصية رسول الإسلام النبي العربي محمد بن عبد الله (ص)، فهو ناقل الوحي من السماء، ذلك الوحي الذي جاء فيه المنع الصريح للمسلمين بأن يوجهوا سباً لمقدسات الآخرين، ضمن رؤية فلسفية تؤمن بأن لكل إنسان الحق المطلق في أن يكون له مقدس يؤمن به ويحافظ على قداسته.

الغربيون المعاصرون لا يطيقون مثلاً توجيه أي انتقاد أو تشكيك في الهولوكوست، بزعم معاداة السامية. وقد جعل الغرب من حرية التعبير "مقدس الأقداس"، وهذا يعني أن الغربيين يضعون لهم مقدساً متعالياً على النقد، ويستكثرون على الشعوب الأخرى أن تكون لها مقدساتها المصونة

وهذا الأمر يعطينا بُعداً تأسيسياً لحماية هذا الحق المطلق لسائر البشر وليس للمسلمين فقط، ويكشف عن عمق بالغ في هذه الفلسفة، فتبادل السباب يورث حرباً على المقدس بقوالب لا عقلانية، وليس شيء أشرس من حرب كهذه، فالطاقة الروحية هائلة في إشعال حروب لا نفاد لها.

الليبرالية الجائرة.. بعض انعكاساتها السلبية
"ليبرالية أنا طليق وأنت مقيد" تفرز أخطاراً وتحديات ضخمة، وسأشير إلى بعضها بما يتوافق مع الأحداث التي نعيشها هذه الأيام على وجه التحديد، وفق الآتي:

1- الاغتيال البارد للاعتدال: استمرار مسلسل الإساءة إلى المقدسات الإسلامية ضمن إطار ما وصفته بـ"الليبرالية الجائرة" قد يؤدي إلى تآكل مساحات الاعتدال والنظرات المتعقلة بالمسائل الحساسة والإشكاليات الحضارية.

وذلك أن تلك الإساءات ترفع نسبة الاحتقان الديني لدى الجميع بنسب متفاوتة ولكنها مخيفة، فالمسلم العادي أو غير المتدين أو العلماني أو الليبرالي لا يجد أي مبرر أو مسوغ لهذه الإساءات الوقحة؛ مما يقلل هوامش الاعتدال فكراً وممارسة؛ فما المصلحة المتوخاة من ذلك؟

وتجدر الإشارة إلى أن القليل من الكتاب المسلمين يقللون من شأن تلك الإساءات ويعتبرونها ممارسة مستحقة لشعوب آمنت بحرية التعبير، وقد كتب بعضهم مقالات في هذا الاتجاه، غير أن هؤلاء لا يتوفرون على أي محاججة متماسكة فلسفياً أو أخلاقياً، مما يجعل تأثيرهم الإقناعي يؤول إلى الصفر أو ما يشبهه!

2- التسويق المجاني للعنف: ينتمي المسلمون في أكثريتهم الساحقة إلى أنساق دينية معتدلة، حيث يؤمنون بحقوق الآخر ويحترمون خصوصياته الدينية والثقافية والمجتمعية، ويعترفون بالمشترك الإنساني ويعولون عليه.

جاءت حقبة ما بعد 2011 (أو ما يسمى الربيع العربي) لتحمل حيثيات جديدة دفعت ببعض الشرائح الاجتماعية -وخصوصاً الشباب- إلى اعتناق أفكار جماعات العنف/الإرهاب، وأنتج ذلك ما يمكن وصفه بـ"موجات إلحاد مغلظ" بكل نهج سياسي ديمقراطي وبأساليب الإصلاح التدريجي التراكمي

وقد جاءت حقبة ما بعد 2011 (أو ما يسمى الربيع العربي) لتحمل حيثيات جديدة دفعت ببعض الشرائح الاجتماعية -وخصوصاً الشباب- إلى اعتناق أفكار جماعات العنف/الإرهاب في الإطارين السني والشيعي، ولعل من أهم تلك الحيثيات التصدي المستمر للمد الديمقراطي الوليد في البلدان التي شهدت حركات الاحتجاج الشعبي، حيث أنتج ذلك ما يمكن وصفه بـ"موجات إلحاد مغلظ" بكل نهج سياسي ديمقراطي وبأساليب الإصلاح التدريجي التراكمي.

ثم تجيء حوادث الإساءة إلى المقدسات فتزيد من أوّار شعلة تلك الجماعات وبريقها في عيون شرائح متزايدة من الناس، فهل هنالك من يريد مثل هذا النوع من التحشيد؟ ألم يزعم أحدهم أن الحادثة الباريسية تؤكد تغلغل ما أسماه -بكل وقاحة- "الإرهاب الإسلامي"؟

3- انطفاء كارزما "المثقف الوكالة": تكرار الإساءة إلى المقدسات الإسلامية يجعل الغرب يخسر فاعلية أولئك المثقفين الذين يجندون أنفسهم بوصفهم وكالات ترويج وتسويغ لكل ما يصدر عن الغرب، وذلك أنهم يفتقدون القدرة على "الصمود الفلسفي"، فثمة تناقض صارخ في الفكر والممارسة، فالغرب يدعي الإيمان بالحريات المطلقة لكن الممارسات تفضح زيف ذلك وتبطله.

ومن ذلك سجن ومضايقة بعض المفكرين الغربيين الأحرار الذين وجهوا نقداً صارماً للازدواجية الغربية والكيل بعشرين مكيالاً والتناقض والنفاق الصارخ في ممارسات كثيرة، وكل ذلك يراكم الحجج القوية لدى الطرف الآخر المعارض لأولئك المثقفين؛ فما الذي يبرر خسارة الغرب لوكلائه بهذه الطريقة الساذجة؟

4- استنبات التكاره: ما أعقب الحادثة الباريسية يظهر بوضوح أن هنالك من يقف مستعداً لاستغلال ذلك من أجل إذكاء شعلات التكاره وزيادة موجات التضاغن، فقد اشتغلت بطريقة سريعة الأحزاب اليمينية المتطرفة في بعض الدول الأوروبية، وقادت مظاهرات ضخمة وارتكبت أعمال عنف وقتل واعتداء ضد مسلمين أبرياء، ضمن حملات دعائية عنصرية في وسائل الإعلام التقليدي وشبكات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك المطالبة بطرد المسلمين وتهجيرهم والتخلص منهم؛ فهل يوجد من يعتقد أن تلك الأطراف المستغِلة للأحداث لا تزال خفية عن الأنظار؟

5- تأجيج نيران الحرب: الوضع لم يقف عند حدود زيادة مستويات التكاره والتشاحن، بل راحت بعض الأطراف تقرع طبول حروب طاحنة، ومن ذلك ما كتبه دوري غولد في صحيفة "إسرائيل اليوم" في 18/1/2015 بعنوان: "تفجيرات فرنسا.. حادث فردي أم إشارة إلى حرب عالمية؟".

لا حل غير التعقل والرجوع إلى النبع الصافي للفطرة السوية والقيم الإنسانية النبيلة، التي نحسب أنها تدفع باتجاه تحقيق العدالة والاحترام المتبادل ومجافاة الغرور ومنع تغول الإنسان على الإنسان، ولذلك مقتضيات عديدة على رأسها احترام الحقوق الدينية للجميع

وقد التقط غولد -بطريقة انتقائية مشوهة- بعض مفاصل التاريخ القديم ليزعم أن هذه الحادثة تأتي ضمن تحركات "الجهاد الإسلامي المتطرف" المدعوم من قبل المسلمين لاستعادة أجزاء من أوروبا، متجاهلاً الحقائق الصلبة في هذا الإطار.

ومن هذه الحقائق عدم تقبل الأكثرية المطلقة من المسلمين لطروحات جماعات العنف التي تكوي المسلمين أنفسهم بنارها الحارقة، إلى جانب حقيقة وجود أفكار متطرفة بنزعات إمبريالية لدى الغربيين أنفسهم، ولدى الصهاينة أيضاً الذين يحلمون بـ"إسرائيل الكبرى/مملكة داود".. من النيل إلى الفرات؛ فهل يتوهمون أن ذاكرتنا معطوبة؟

عود على مقدس!
مؤكد أننا نعارض تماماً أي أعمال عنف تصدر من أي إنسان تجاه أخيه الإنسان، ولا سيما من المسلم بحكم أننا معنيون بفكره وسلوكه، غير أن ذلك لا ينفي توقعنا لاستمرار الأعمال العنيفة في حال تكرار إهانة المقدسات الإسلامية، فالتدين عبارة عن اتجاهات وسلوكيات، وقد تسخن الاتجاهات والمشاعر لتولد سلوكيات خشنة بطريقة أو بأخرى؛ فما الحل إذن؟

لا حل غير التعقل والرجوع إلى النبع الصافي للفطرة السوية والقيم الإنسانية النبيلة، التي نحسب أنها تدفع باتجاه تحقيق العدالة والاحترام المتبادل ومجافاة الغرور ومنع تغول الإنسان على الإنسان، ولذلك مقتضيات عديدة على رأسها احترام الحقوق الدينية للجميع، بما يتطلبه ذلك من تجريم المساس بالمقدسات الدينية بأي شكل كان.

وفي رأيي أن الغرب لو طرح استفتاءً غير موجه حول هذه القضية، فإن الفطرة الإنسانية السوية ستنتصر للحق. وكيف لا تنتصر هذه الفطرة وأسئلة الاستفتاء تدور حول سؤال محوري واحد، وهذا السؤال -وفق لغة الفطرة وجوهرها- سيكون: هل تؤيد "الاعتداء" على المقدسات الدينية للمجتمعات الأخرى لتمكين البعض في مجتمعاتنا من ممارسة حقه في حرية التعبير؟

أحسب أن الأغلبية الغربية ستقول بمحض إرادتها ثلاثة لاءات: لا للاعتداء.. لا للتغول.. لا للغرور! وحينها تستعيد الإنسانية جزءاً من عافيتها.. ونثق بأننا لم نخسر معركة كوننا أخلاقيين وعقلانيين!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة