عن المقاتلين الإسلاميين في الثورة السورية   
الخميس 1433/9/15 هـ - الموافق 2/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:24 (مكة المكرمة)، 13:24 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

الذي لا شك فيه، وإن شكك أبواق النظام السوري، هو أن الثورة السورية قد بدأت سلمية تطالب بالإصلاح، وكان بوسع بشار الاستجابة لمطالبها بحنكة وذكاء، لكن إحساسه الطائفي (هاجس تعبيره عن أقلية) وغطرسته الطاغية وثقته بقدراته الأمنية، وربما إحساسه بأن 40 سنة قد طوعت الشعب السوري على قبول الواقع القائم، كل ذلك لم يمنحه فرصة التفكير السوي، فانقض على المطالبين بالإصلاح وأمعن فيهم قتلا وإذلالا.
أخذ النظام السوري قرارا واضحا بعسكرة الثورة السورية على أمل أن يؤدي ذلك إلى تسهيل السيطرة عليها عبر وصفها بأنها تمرد مسلح يقوده إرهابيون

بعد الجولة الأولى من الاحتجاجات، ومع ملامح اتساعها بمرور الوقت أخذ النظام قرارا واضحا بعسكرة الثورة السورية على أمل أن يؤدي ذلك إلى تسهيل السيطرة عليها عبر وصفها بأنها تمرد مسلح يقوده إرهابيون. ويبدو أن هناك من همس في أذنه بأن حساسية الولايات المتحدة والغرب حيال حكاية القاعدة ستمنحه فرصة التعامل مع الأوضاع بحرية مطلقة.

ما نحن متأكدون منه بسبب معرفتنا بالطاقة الأمنية للنظام هو أن الموجة الأولى من العمليات التفجيرية بمختلف تجلياتها كانت نتاج اختراق في مجموعات مسلحة ذات نهج سلفي جهادي كانت للنظام خبرته في التعامل معها منذ أيام العراق، يوم كانت المفخخات تنطلق من حلب باتجاه الأراضي العراقية (كثير من أولئك اعتقلوا أو جرت تصفيتهم مثل محمود قولا غاصي -أبو القعقاع-، وبعضهم سلم للأميركان بعد ضغوط مشددة على النظام في مراحل متعددة)، وهو ما سبق أن تحدث عنه نوري المالكي مرارا وتكرارا ودخل بسببه في حرب معلنة مع النظام السوري قبل أن تهدأ العلاقة إثر دعم بشار لترشيحه رئيسا للوزراء بوساطة إيرانية. وقد تحدث عن هذا البعد أيضا بقدر من التفصيل سفير بشار في العراق (نواف الفارس) الذي انشق عن النظام قبل أسابيع، مع تحفظنا على طريقة عرضه للقضية.

وإذا سأل البعض عن الأهداف الكامنة خلف التحالف المؤقت الذي نشأ بين النظام السوري ومجموعات القاعدة في العراق، فإن المؤكد أنه لم يكن يريد من ورائها استهداف فئة بعينها، أكانت شيعية أم سنية (المفخخات أصابت من السنة، خاصة المنخرطين في العملية السياسية الكثير، وربما أكثر من الشيعة أنفسهم لو استثنينا موجة التفجيرات في الأعوام الثلاثة الأخيرة).

ما كان يريده النظام هو إفشال مشروع الغزو الأميركي للعراق، وهذه كانت من إيجابياته دون شك، لكن هاجسها كان البحث عن مصلحة النظام الذي كان يدرك أن نجاح ذلك المشروع كان يعني الاستدارة نحوه بعد ذلك مباشرة، كجزء أولي من الترتيبات التالية لصالح الكيان الصهيوني الذي وقف خلف الغزو، بل دفع بوش نحوه بوضوح من أجل إعادة تشكيل المنطقة برمتها لحساب المشروع الصهيوني (دراسة هارفارد الشهيرة لستيفن والت وجون ميرشايمر أكدت ذلك، والتي تحولت لكتاب بعنوان "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأميركية الخارجية").

إيران بدورها لم تكن بعيدة عن تشجيع المجموعات التي تطلق النار على الأميركان، أكانت من القاعدة أم سواها، في الوقت نفسه كانت تستهدف رموز السنة وعلماءهم وعسكرييهم في سياق من إضعافهم تمهيدا للمرحلة التالية، في لعبة بالغة الذكاء، وربما الانتهازية بتعبير أدق.

لو نجح مشروع الغزو الأميركي للعراق لكان مشهد المنطقة اليوم مختلفا، ليس على الصعيد السياسي فقط، بل الثقافي والديني وربما الجغرافي أيضا

والحال أن إنكار دور القاعدة وإلى جانبها قوى المقاومة العراقية في إفشال مشروع الغزو لا ينكره سوى جاحد، وحتى لو قيل إن ذلك قد صب في صالح إيران والقوى التابعة لها، التي سيطرت على العراق (مع أن ذلك لم يكن قدرا لو أديرت العملية بطريقة مختلفة)، حتى لو قيل ذلك، فإن مشروع الغزو الأميركي للعراق بحسب ما كان مخططا في الدوائر الأميركية والصهيونية كان أخطر على الأمة بكثير من الخطر الإيراني الذي يترنح اليوم في انتظار سقوط بشار الأسد.

ولو نجح مشروع الغزو لكان مشهد المنطقة اليوم مختلفا، ليس على الصعيد السياسي فقط، بل الثقافي والديني وربما الجغرافي أيضا، حيث كانت سايكس بيكو الجديدة جزءا من أفكاره.

من هنا لا يمكن الحديث عن ظاهرة الجهاد التي نشأت في العراق بلغة العمالة، لأن عاقلا لا يمكنه اتهام القاعدة بالعمالة لإيران أو النظام السوري، بقدر ما كانت تنسجم مع برنامجها في استهداف "العدو البعيد" ممثلا في الولايات المتحدة، بصرف النظر عن مسلسل الأخطاء الذي شاب عملها بعد ذلك وأدى إلى نشوء الصحوات وضرب المقاومة وإفساح المجال لهيمنة القوى الشيعية على العراق.

وهي في السياق المذكور لم تجد بأسا في تقبل أي شكل من أشكال الدعم من أية جهة كانت ما دام يخدم برنامجها، بدليل انقلاب خطابها بوضوح ضد إيران وحلفائها بعد ذلك (كان وجود عناصر وقادة من القاعدة في إيران فيما يشبه الإقامة الجبرية منذ هروبهم من أفغانستان سببا من أسباب التهدئة).

عندما استدرج النظام الثورة السورية نحو العسكرة لم يحقق نجاحات تذكر في العام الأول، لكن الأمر ما لبث أن انقلب بعد ذلك، ليس عبر عناصر القاعدة، بل عبر الشباب السوريين أنفسهم، خاصة المنشقين عن الجيش.

هنا، ومع تحول الثورة تدريجيا نحو العسكرة بدأ تدفق الشباب الإسلاميين من الخارج، وكثير منهم جاؤوا فرادى ولم يكونوا على صلة بالقاعدة، لكن عنوان العسكرة بقي سوريا بامتياز، الأمر الذي يمكن القول إنه ما زال قائما إلى الآن، لأن نسبة المقاتلين القادمين من الخارج لا تصل إلى 5% من مجموع المقاتلين، وإن كانت لبعضهم خبرات قتالية متميزة كما هو حال الليبيين الذي يتزعمهم مهدي الحاراتي صاحب الدور الكبير في ثورة ليبيا.

المشكلة تتعلق بدور مقاتلي الخارج في عملية التحرير وضرورة ألا يلجأ بعضهم إلى خطاب أو ممارسة تنطوي على تشكيل إمارات أو فرض نهج معين يدخلهم في إشكالات مع السوريين

اليوم يمكن القول إن لهؤلاء أدوارا مهمة ومؤثرة، لا سيما أنهم لم يتورطوا باستثناء حالات محدودة في نهج العمليات الانتحارية التي تصيب مدنيين حتى لو استهدفت مراكز أمنية. وظاهرتهم هنا أقرب إلى النموذج الأفغاني منها إلى النموذج العراقي، ولعلها تشبه تدفق الشبان للمشاركة في القتال ضد القوات الأميركية قبل غزو العراق، مع الفارق بالطبع.

المشكلة الآن تتعلق بدورهم في عملية التحرير وضرورة ألا يلجأ بعضهم إلى خطاب أو ممارسة تنطوي على تشكيل إمارات أو فرض نهج معين يدخلهم في إشكالات مع السوريين. أما الأهم فيتمثل في إدراكهم لحقيقة الثورة وأنها تريد الحرية والتعددية وليست انقلابا عسكريا يمكن لجهة معينة أن تقطف ثماره.

ما نسمعه من مصادر موثوقة أن الذين تصدر منهم بعض تلك الممارسات هم قلة، بينما يساهم الآخرون إيجابيا في المعركة، وهم لن يفرضوا بعد التحرير على السوريين ما لا يريدون، ومثل هذا الأمر له صلة بالجهات التي تمولهم أو توجههم، والتي يأمل المخلصون أن تكون واعية لطبيعة الثورة ومرحلة الربيع العربي التي جاءت في سياقها. ونرجح أنها كذلك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة