تشريح حوارات القاهرة.. المختصر فيما حصل   
الخميس 30/3/1430 هـ - الموافق 26/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 17:18 (مكة المكرمة)، 14:18 (غرينتش)
علي بدوان


الحوار وإشكالية الدعوات 
الحكومة تكنوقراط فقط أم تكنوقراط وفصائل
المنظمة والمرجعية العليا
الانتخابات التشريعية بين قانونين

شكلت مرحلة ما بعد الحرب على غزة عاملاً هامًّا ساهم في تذليل العقبات التي كانت قد اعترضت في مرات سابقة التئام العملية الحوارية الفلسطينية الداخلية. فقد توالدت بعد الحرب على غزة جملة عوامل مؤثرة، جاءت في سياقات الفراغ الفلسطيني الرسمي العميق، فأسقطت أو حجمت إلى حدود كبيرة الإملاءات الخارجية التي كانت عائقًا أمام تحقيق المصالحة.

ومع هذا فإن الاستعصاءات ما زالت قائمة وتحتاج إلى جهد من أجل تجاوزها كما بدا ذلك من خلال أعمال لجان الحوار.

الحوار وإشكالية الدعوات
"
الحوارات الفلسطينية لم تكن لتسير على سكة سلسلة، فالتباينات كانت قد طالت واستطالت في الساحة الفلسطينية، وعكست نفسها بغرق اللجان في التفاصيل بعد اتفاقها على الإطارات العامة للعناوين المطروحة
"
بدأت العملية الحوارية في القاهرة بمشاركة الفصائل الفلسطينية التالية: حماس، فتح، الجهاد، الجبهة الشعبية، الجبهة الشعبية/القيادة العامة، طلائع حرب التحرير الشعبية (قوات الصاعقة)، جبهة التحرير العربية، جبهة التحرير الفلسطينية (جناح واصل أبو يوسف)، جبهة النضال الشعبي الفلسطيني (جناح الدكتور سمير غوشة)، الجبهة العربية الفلسطينية، جبهة التحرير العربية، حزب الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا)، حركة المبادرة الوطنية، حزب الشعب الفلسطيني، الجبهة الديمقراطية. وتم استثناء خمسة أطراف فلسطينية من المشاركة، وهو أمر كاد يتسبب في عرقلة إقلاع العملية الحوارية، والأطراف التي لم تدعَ هي: جبهة النضال الشعبي الفلسطيني (خالد عبد المجيد)، المقاومة الشعبية (ألوية الناصر)، جبهة التحرير الفلسطينية (أبو نضال الأشقر)، الحزب الشيوعي الثوري، حركة فتح (الانتفاضة).

وقد تم اختيار عشرين شخصية فلسطينية من الضفة الغربية وقطاع غزة باعتبارهم مستقلين في لجان الحوار، وذلك من قبل الجهة المصرية بالتنسيق مع حركة فتح، وجميعهم من لون سياسي واحد تقريبًا، بل إن معظمهم مما كان يسمى بمجموعة "الطريق الثالث" الفلسطينية.

في الوقت الذي تم فيه تجاهل دعوة أي من الشخصيات الوطنية المستقلة ذات الفعل والتأثير من الشتات الفلسطيني من مخيمات سوريا ولبنان والأردن ومن باقي الشتات، وهو أمر أثار حفيظة وسخط المستقلين العاملين في الحقل الوطني العام الفلسطيني.

وبعد أن قطع الحوار المرحلة الأولى منه بتشكيل اللجان الخمس، التي التأمت بدورها في اجتماعات عمل متواصلة، أنهت جميع اللجان أعمالها في تفاهمات عامة، رافعة العديد من النقاط والعناوين التي لم يتم الاتفاق عليها إلى لجنة التوجيه الوطني العليا، بعد ما تم الاتفاق من حيث المبدأ على أن تجمل نقاط التوافق في وثيقة تسمى وثيقة "الوحدة والتوافق الوطني"، وهي الوثيقة التي تضم نقاط الاتفاق الكثيرة التي توصلت إليها اللجان الفرعية في عملها.

ومن الطبيعي القول إن العملية الحوارية لم تكن لتسير على سكة سلسلة، فالتباينات كانت قد طالت واستطالت في الساحة الفلسطينية، وعكست نفسها بغرق اللجان في التفاصيل بعد اتفاقها على الإطارات العامة للعناوين المطروحة، وتالياً كانت النتائج المتمخضة عن اجتماعات اللجان الخمس متفاوتة في تقدمها من لجنة إلى لجنة.

تكنوقراط فقط أم تكنوقراط وفصائل
فقد اصطدمت أعمال لجنة الحكومة بجملة من الاستعصاءات التي هددت مسار الحوار في لحظات معينة، حيث تنوعت مواقف مختلف القوى بالنسبة لتشكيلة الحكومة، فهل تكون "من الفصائل أم من التكنوقراط أم من الاثنين معًا؟".

فقد قدم وفد حماس في اليوم الأول للحوار ورقة عمل تضمنت مبادئ عامة لتشكيل الحكومة، وقدم في اليوم التالي الدكتور نبيل شعث ورقة أخرى باسم فتح، أكد فيها على ضرورة تشكيل حكومة توافق وطني غير فصائلية، تضم شخصيات وطنية ومستقلين، ولم يتم الاتفاق على ذلك، واتفق فقط على رفع الأمر إلى اللجنة العليا.

وبينما دعا زياد نخالة من الجهاد الإسلامي إلى تشكيل الحكومة دون أن تكون "فاقعة فصائليًّا"، اتخذت فصائل المنظمة اصطفافات عملية إلى جانب حركة فتح بالرغم من محاولات بعضها تنويع إيقاع لغته كما هو حال حزب الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا) حين قال أمينه العام صالح رأفت إنه "مع تشكيل حكومة من شخصيات مستقلة لفترة انتقالية، وفي حال تعذر ذلك يوافق على دعم حكومة مختلطة".

"
تنوعت مواقف مختلف القوى الفلسطينية بشأن تشكيلة الحكومة هل تكون من الفصائل أم من التكنوقراط أم من الاثنين معا؟ كما تباينت بشأن مقر الحكومة بين غزة ورام الله، وكذلك اختلفت حول شخص رئيس الوزراء وبرنامج الحكومة وشروط الرباعية
"
كما دار تباين هام حول مقر الحكومة، ففي حين تركز حماس على ضرورة أن يكون المقر المؤقت للحكومة في غزة إلى حين إجراء الانتخابات القادمة، باعتبار أن مشاريع الإعمار ستتركز على مناطق القطاع بشكل رئيسي، رأت فتح بقاء رام الله مقرًّا للحكومة.

كما جادل وفد حركة فتح في اختيار رئيس الحكومة، فقدم بتردد بعض الأسماء مثل سلام فياض ومنيب المصري، في حين كانت أجواء الحوار ترشح جمال الخضري رئيس اللجنة الشعبية لرفع الحصار عن غزة. وقد حبذت حركة حماس أن يكون رئيس الحكومة من غزة، نظرًا لطبيعة المرحلة الانتقالية التي تفترض إيلاء القطاع أهمية استثنائية.

أما الخلاف على برنامج الحكومة فيتلخص في دعوة حماس إلى الاستناد لبرنامج حكومة الوحدة الوطنية السابقة، التي شكلت برئاسة إسماعيل هنية بعد اتفاق مكة، حيث أمكن جسر الخلاف آنذاك باستخدام كلمة "احترام" الحكومة لالتزامات منظمة التحرير، بدلاً من "التزام"، وذلك تحاشيا لإعادة إنتاج الخلاف السياسي من أوسع أبوابه، إلا أنه تم حسم الخلاف بالعودة لما ورد في صيغة حكومة الوحدة الوطنية السابقة التي تمخضت عن اتفاق مكة.

الأمر الذي دفع برئيس الاستخبارات المصرية عمر سليمان للسفر إلى واشنطن لإقناع الإدارة الأميركية بتليين شروطها للتعامل مع حكومة توافق وطني فلسطينية. وطبقًا لمعلومات موثوق بها فإن واشنطن قد تعمد إلى مقاطعة وزراء حماس فقط، وهو ما تعتمده واشنطن في تعاملها مع الحكومة اللبنانية بمقاطعتها وزراء حزب الله.

وفي هذا السياق تباينت مواقف مختلف الفصائل بين مؤيد لحماس بشأن رفضها شروط الرباعية والضغوط المسلطة عليها للالتزام بما وقعته المنظمة، فالقيادة العامة، والصاعقة، والجهاد، والجبهة الشعبية ساندت موقف حركة حماس، في الوقت الذي اصطدم فيه بعض فصائل اليسار مع بعضها بهذا الشأن، بل تضاربت رؤاها في اجتماع خاص عقدته على هامش اجتماعات القاهرة (الجبهة الشعبية، حزب الشعب، الجبهة الديمقراطية) حيث دعم حزب الشعب صيغة الاعتراف والالتزام بالشرعية الدولية وما وقعته منظمة التحرير، وكان موقف مجموعة حواتمة بينَ بين (نص نص)، أما الجبهة الشعبية فقد رفضت الالتزام بما وقعته السلطة الفلسطينية.

وفي هذا السياق من الطريف الإشارة إلى أن بعض قياديي حركة فتح كانوا يحرضون ويصرون على ضرورة تمسك حركة حماس برفض الاعتراف بإسرائيل، وعندما تم توجيه السؤال إليهم بشأن هذا التناقض في موقفهم، قال أحدهم إن "فتح لم تعترف إلى الآن بإسرائيل والذي اعترف بها هو السلطة الفلسطينية" مما حدا ببعضهم إلى القول "المليحة لفتح، والعاطلة للسلطة".

المنظمة والمرجعية العليا
وهي اللجنة المعنية بإعادة النظر في أسس تشكيل المنظمة وعضويتها وإعادة بناء مؤسساتها من جديد ووضع خطة عمل وجدول زمني لتفعيلها. وقد تم في الواقع العملي إلى الآن تجنب الدخول في عمق البحث المتعلق بأوضاع المنظمة نظرًا لحجم التعقيدات التي تلف الموضوع، خصوصًا أن بعض الأطراف يريد قصر العملية على إعادة تفعيل منظمة التحرير دون إعادة بنائها، وأن تلتحق حركتا حماس والجهاد بالمنظمة كما هي في واقعها اليوم على طريقة "واركب حدك على الماتور".

أما حركة حماس، وتؤيدها هنا جميع القوى تقريبًا، فترى إعادة بناء المنظمة أولاً، ثم تفعيلها من قبل قيادتها الجديدة، وذلك لعدم منطقية إعادة تفعيل المنظمة من القيادة التي تسببت في إصابتها بالشلل.

وبناء على ذلك طرحت بعض القوى (حركة حماس وحركة الجهاد والجبهة شعبية والجبهة الشعبية/القيادة العامة ومنظمة الصاعقة وجبهة النضال وحركة المبادرة الوطنية وجبهة التحرير العربية) ضرورة وجود مرجعية وطنية مؤقتة تبت في القضايا الهامة إلى حين تشكيل المجلس الوطني.

لكن حركة فتح والجزء الآخر من الفصائل رفضا هذا الاقتراح باعتباره يعني إيجاد مرجعية بديلة للشعب الفلسطيني، إلى أن تم التوافق الأولي، وهو توافق ما زال غير محسوم حيث رفع إلى اللجنة العليا للبت فيه، عبر اقتراح من نصوص اتفاق القاهرة (27/3/2006) يقول بمرجعية مشكلة برئاسة رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، وعضوية أعضاء اللجنة التنفيذية الحالية لمنظمة التحرير، والأمناء العامين للفصائل، وشخصيات مستقلة، وممثلين عن حركتي حماس والجهاد الإسلامي، ورئاسة المجلس الوطني الفلسطيني.

بين قانونين
"
طرحت حماس ضرورة الالتزام بالقانون الانتخابي الذي أجريت بموجبه الانتخابات الذي أصرت عليه حركة "فتح" في حوار القاهرة 2005، لكن فتح عادت لتطرح تعديله على ضوء النتائج التي ألحقها القانون نفسه بحصادها في الانتخابات الأخيرة
"
تم الاتفاق على أن اللجنة المركزية للانتخابات ستشكَّل بحسب قانون الانتخابات. كما تم الاتفاق على تزامن الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني الفلسطيني الجديد، وأن تُتخذ الإجراءات اللازمة لذلك.

في هذه الأثناء، كانت التباينات واضحة بشأن قانون الانتخابات. ففي حين كانت حماس تطرح ضرورة الالتزام بالقانون الانتخابي الذي أجريت بموجبه الانتخابات (50% للدوائر الفردية +50% للقائمة النسبية)، وهو القانون الذي أصرت عليه حركة فتح في حوار القاهرة 2005، عادت فتح لتطرح تعديله على ضوء النتائج التي ألحقها القانون نفسه بحصادها الانتخابي في الانتخابات الأخيرة.

أما بالنسبة لموعد الانتخابات فقد رأت حركة فتح إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في يوليو/تموز القادم، في حين رأت حماس إجراءها في شهر ديسمبر/كانون الأول 2010، لضمان خروج جميع نوابها في المجلس التشريعي، من معتقلات الاحتلال قبل إجراء الانتخابات. أما فيما يتعلق بموضوع الرقابة على الانتخابات، فتصر حماس على ضرورة مراقبة عربية ودولية، في حين تتحفظ حركة فتح على الرقابة الدولية.

وفي لجنة الأمن تم البحث في توحيد وإعادة بناء الأجهزة الأمنية الكثيرة، ووضع خطة أمن فلسطينية موحدة تعيد بناءها على أسس أمنية تقفز عن الإطارات الحزبية والفصائلية، والتوافق على إعادة صياغة الأجهزة الأمنية على أساس مهني.

وقد واجهت اللجنة في اجتماعات عملها تباينات عدة، فقد دفعت حركة فتح والطرف المصري باتجاه قصر هذه العملية على قطاع غزة وحده. وإزاء إصرار عدد من القوى على إعادة بناء جميع الأجهزة الأمنية، تم التوافق في نهاية المطاف على اقتراح مصري يقضي بترك وضع الأجهزة الأمنية على حاله في كل من الضفة والقطاع، في انتظار انتهاء الفترة الانتقالية.

أما في لجنة المصالحة، فقد تم سريعًا إنجاز العناوين الرئيسية على أجندتها، وحققت تقدمًا كبيرًا، وأنهت أعمالها. وقد تم الاتفاق في هذه اللجنة على: اعتبار الذين لحق بهم أذى على مختلف أنواعه وأشكاله، خلال مرحلة الانقسام، تتحمل حكومة التوافق معالجة قضاياهم كاملة، بمتابعة ومشاركة اللجنة الوطنية العليا للمصالحة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة