إيران والمجتمع الدولي.. نموذج لا مثيل له   
الأحد 17/9/1435 هـ - الموافق 13/7/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:25 (مكة المكرمة)، 13:25 (غرينتش)
محجوب الزويري


التراكمية الدبلوماسية
نموذج فريد
الاستثمار في التطورات

أيام تفصل عما يمكن وصفه باتفاق بين إيران ومجموعة الدول الخمس دائمة العضوية وألمانيا، اتفاق يشكك آخرون في إمكانية حصوله، الأمر الذي سيدفع -ربما- نحو ستة أشهر أخرى من الانتظار.

وبين المشكك والمتفائل تضيع الكثير من التفاصيل التي يمكن أن تساعدنا في فهم المشهد الآخذ في التطور منذ عام 2002، حيث ظهرت أولى صور مفاعل نطنز النووي الإيراني.

هذه التفاصيل تتعلق بالعوامل التي دفعت الطرفين المتفاوضين بشأن البرنامج النووي للوصول إلى هذه المرحلة. في هذا السياق، تجب الإشارة والتأكيد على أن أصل المعضلة النووية الإيرانية هو مع الولايات المتحدة الأميركية، وأن الدول الغربية الأخرى لم تكن إلا بمثابة لاعبين احتياطيين في المشهد التفاوضي تم استخدامهم طوال أكثر من عقد لتوصيل رسائل دبلوماسية بين الطرف الإيراني والأميركي عبر مستويات ومراحل مختلفة.

تسعى هذه المقالة إلى فهم النقطة التي وصل إليها مشهد التقارب بين أميركا وإيران، وتحليل مراحل تطور هذا المشهد، وما يمكن أن تؤول إليه الأمور أواخر شهر يوليو/تموز 2014.

التراكمية الدبلوماسية
من المهم التذكير بأن أزمة إيران مع ما يسمى المجتمع الدولي -ومنه جوارها العربي وغير العربي- بدأت منذ قيام الجمهورية الإسلامية، وأن جذور الأزمة تستند إلى طبيعة السلوك السياسي ولا سيما السياسة الخارجية الإيرانية طوال أكثر من ثلاثة عقود.

أزمة إيران مع ما يسمى المجتمع الدولي ومنه جوارها العربي وغير العربي بدأت منذ قيام الجمهورية الإسلامية، وتستند جذورها إلى طبيعة السلوك السياسي الإيراني خلال أكثر من ثلاثة عقود

طوال كل هذه الفترة، كان لدى الولايات المتحدة موقف واضح يتمثل في أن النظام السياسي الإيراني وسلوكه غير مقبولين، وأن الحل الفوري كان العقوبات والمزيد من تلك العقوبات خلال العقود الثلاثة الماضية.

من هنا، فإن البرنامج النووي الإيراني لم يكن إلا إضافة عنصر إلى عناصر الأزمة وعدم الثقة بين واشنطن وطهران، عدم ثقة يمكن وصفه في إطار الخصومة الشديدة ولكنها غير الواصلة إلى حجم العداء السياسي.

ما سُمي الانفراج المتسارع في العلاقة بين واشنطن وطهران منذ تولي الرئيس حسن روحاني في صيف 2013، لمن يكن من فراغ وليس مفاجئا. ذلك أن ثمة ما يمكن تسميته التراكمية في الدبلوماسية، والتي تستند إلى جهود في مستويات غير متباينة وعبر فترات زمنية متباعدة، وأحيانا تتعرض للفشل لكنها في المجمل أسست لثقافة الحوار بين البلدين.

هذه الثقافة -وبغض النظر عن الحرب الكلامية والاتهامات المتبادلة- لم تقض على ثقافة الحوار بين البلدين رغم التباين في المواقف بشأن الكثير من الملفات الإقليمية.

ثقافة الحوار هذه أسهمت في تشكيل طبقة سياسية في كلا البلدين، وهذه الطبقة احتضنت من العاملين في المؤسسة الأمنية ومن السياسيين، وهذا كله جعلها غير قابلة للإقصاء تماما، لكنها غير بعيدة تماما عن الاتهامات بالتساهل في الدفاع عن المصالح العليا لكل بلد.

آثار هذه الطبقة السياسية ظهرت في التعاون بين البلدين في ما يسمى الحرب على الإرهاب، وتبادل المعلومات عبر طرف ثالث، هذا بالطبع لم يكن يعني تطبيعا في العلاقات، وعلى العكس من ذلك بقيت الخصومة السياسية والحرب الكلامية موجودة وعبر مستويات متعددة.

وجاءت المرحلة الثانية عند الحملة العسكرية على أفغانستان، والتي كان فيها للتعاون الإيراني دور بارز في السيطرة على مزار شريف، والتي شكلت مرحلة مهمة في العمليات العسكرية التي قامت بها واشنطن في حربها على أفغانستان.

بالطبع التحليل المتداول هو أن إيران كانت تريد التخلص من طالبان، وهو مقبول في عالم السياسة، لكن إيران كانت معنية أيضا بالاستفادة من الخطة الأميركية في تغيير المعادلات السياسية، حيث لا يمكن لها أن تكون على هامش الأحداث.

وفي نفس هذه المرحلة وانطلاقا من أن إيران لا يمكن أن تكون على هامش الحدث، كان الدور الإيراني في الحرب على العراق عام 2003، لكن ما يميز الدور الإيراني في الحرب على العراق أنه فتح الباب أمام مرحلة شرسة من التنافس مع دول عربية منها المملكة العربية السعودية التي خسرت حليفا مهما كطالبان في أفغانستان.

كما أن الحرب على العراق أطلقت مرحلة إعادة الجمهورية الإسلامية إلى دائرة الدولة المذهبية أو الطائفية، التي كثيرا ما حاولت أن تبعد نفسها عنها. في هذه الفترة كانت التراكمية في الدبلوماسية تفعل فعلتها، حيث التفاوض بين البلدين بشأن أمن بغداد، وذلك في مفاوضات جمعت سفيري طهران وواشنطن في بغداد عام 2005. صحيح أن الاتفاق لم يؤد إلى الكثير، ذلك أن طهران كانت فرحة بانغماس واشنطن في وحل الأزمتين العراقية والأفغانية.

خلال هذا السياق من تراكمية الدبلوماسية، لم يكن المشهد السياسي عاملا معوقا أو مؤثرا سلبيا، فعلى الرغم من خسارة الإصلاحيين وفوز تيار المحافظين الجدد بتولي الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد الرئاسة في العامين 2005 و2009، فإن ثقافة الحوار بقيت كما هي، إذ إنها لم تكن مرتبطة بقوة سياسية بل بأركان النظام ممثلة في المؤسسة الأمنية والحرس الثوري ومؤسسة السياسة الخارجية التي ترتبط بدوائر متعددة منها بيت المرشد الأعلى للثورة ومؤسسة الرئاسة والبرلمان أو مجلس الشورى.

لقد نجت إيران من خلال توظيف مبادراتها وحضورها القوي في الملفات المشتعلة بالمنطقة، من الوصول إلى حافة المواجهة، وهو أمر إن حدث كان سيؤدي لتعامل الغرب معها مثل العراق أو ليبيا

ما حصل خلال عقد من التواصل السري والعلني في وقت الخصومة السياسية لم يكن في الحقيقة إلا نوعا من كسر النمطية لكل طرف لدى الآخر، فصورة الشيطان الأكبر كما تقول الأيديولوجيا قد لا تتطابق وحال السياسة وتقلباتها، كما أن صورة الدولة المارقة لا تتطابق ولا تنسجم مع المحافظة على مصالح الولايات المتحدة في منطقة شديدة الأهمية والحساسية مثل الشرق الأوسط.

فتعدد اللاعبين الإقليميين بالنسبة للولايات المتحدة كان ديدن سياستها منذ دخلت المنطقة الشركات البترولية الأميركية في أوائل القرن العشرين. من هنا فالتغير البطيء في الصورة النمطية عزز من التراكمية في الدبلوماسية وجعلها تصل إلى ما وصلت إليه.

نموذج فريد
خلال عقد من الدبلوماسية المعقدة ولكنها متواصلة، كانت إيران تركز على فكرة أساسية وهي ألا تسمح للغرب بأن يعاملها وفق نماذجه الجاهزة، والتي ظهرت في العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الـ21.

طهران سعت حتى لا يكون التعامل الأميركي -ومعه الغربي- معها كما تعاملوا مع العراق أو ليبيا من قبل. فالحل العسكري رغم الحديث عن الاستعداد الإيراني له كان شبه مستبعد أن تقوم به الولايات المتحدة، لكن القلق كان دائما من إسرائيل، وهو أمر تكفلت به الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية.

إن تنازل إيران عن برنامجها كما فعل الزعيم الليبي معمر القذافي كان أيضا مستبعدا، ذلك أن طهران ترى أن كل ما تم إنجازه مرتبط بالأمة الإيرانية وحالة الافتخار والعزة، وأن أي تنازل سيجعل صورة وخريطة إيران التي تشكلت خلال أكثر من خمسمائة عام في المنطقة في خطر حقيقي، قد يجر عليها تكالب الآخرين وتقسيمها عرقيا أو مذهبيا.

لقد نجت إيران من خلال توظيف حضورها ومبادراتها للحضور في الملفات المشتعلة بالمنطقة من الوصول إلى حافة المواجهة، والتي كان يمكن أن تؤدي إلى أن يتعامل معها الغرب مثل العراق أو ليبيا.

على الجانب الآخر، سعت إيران إلى ألا تكون مثل كوريا الشمالية في أن يكون منطق العقوبات هو السائد بشأنها، لذلك عمدت إلى مجموعة من المبادرات التي أحدثت تصدعا -ولو شكليا- في بعض المراحل، إلا أنه ساعد إيران في أن تتظاهر جيدا بعدم تأثرها بالعقوبات كما يروج له غربيا.

لقد عمدت إيران إلى تفكيك الجبهة الغربية عبر الانفتاح على لاعب دون الآخر، كما هو الحال في الانفتاح على واشنطن وإبقاء الدول الغربية كالمتفرج، وكانت من قبل قد عمدت إلى التعاون مع دول أوروبية، مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا حتى عام 2008، كما أنها عمدت إلى تصوير قدرتها على إعطاء ظهرها للغرب عبر علاقة وشراكة إستراتيجية مع الصين وروسيا.

لقد تجذرت فكرة "النموذج الذي ليس كمثله نموذج" في السلوك السياسي الإيراني بغض النظر عن طبيعة تحولات السياسة الداخلية الإيرانية، وسواء تفوق الإصلاحيون أو المحافظون أو المحافظون التقليديون على رئاسة الجمهورية أو البرلمان، فلقد ظهرت تلك الفكرة بوصفها رؤية تحدد مسار إيران في سياستها الخارجية مع الولايات المتحدة والغرب بشكل عام.

وقد انعكست هذه الرؤية على إيران في سياق إقليمي غير بعيد، فتطورات ما يسمى الربيع العربي والإخفاقات التي تُشاهد في مسار التغيير، جعلا إيران ترى أن نموذجها حتى في الثورة ليس كمثل نموذج آخر أو ربما غير قابل للتقليد. مثل هذا التصور ربما أعطى لإيران مزيدا من التفوق المعنوي الداخلي، لكنه لم يكن يعني الكثير في الخارج، ذلك أن ما كانت تسعى إليه شعوب الدول الثائرة لم يكن دولة دينية.

في نفس السياق، فإن النموذج في الشق المتعلق بالبعد الخارجي تأثر سلبيا وبدرجة كبيرة بسياسة إيران في ما يتعلق بسوريا أو البحرين، وهي السياسية التي لا يمكن فهمها إلا وفق البعد المذهبي بالدرجة الأولى.

الاستثمار في التطورات
إذا كانت التراكمية في الدبلوماسية والإصرار على ألا يتم التعامل مع طهران كما تم التعامل مع نماذج أخرى كالعراق وليبيا وكوريا الشمالية، معايير حددت مسار التعامل الغربي مع إيران حتى دون أن يدرك الغرب ذلك بالكامل، فإن قدرة إيران على الاستثمار في التطورات المتسارعة فرضت على الدول الغربية التعامل مع طهران بشكل مختلف، ودفعت بقوة إلى الوصول إلى اتفاق اكتوبر/تشرين الأول 2013 بشأن البرنامج النووي الإيراني، وتدفع الآن للتوصل إلى اتفاق آخر طويل الأمد.

إن احتمال أن تتفق إيران مع مجموعة 5+1 غير بعيد، لكنه في ذات الوقت قد لا يحدث، لذلك فالأطراف مستعدة لجولة من المفاوضات خلال النصف الثاني من عام 2014

فالحضور في المشهد العراقي والأفغاني، ومن قبله ملف القضية الفلسطينية وتبني مواقف أكثر صرامة نحو إسرائيل، وكذلك الموقف من الثورة السورية ودعم حكومة الرئيس بشار الأسد، كلها ملفات أتقنت إيران التنقل بينها بشكل يعزز من مصالحها حتى ولو على المدى القصير، تعزيز تمثلت نتائجه حتى الآن في تأخير الخيار العسكري أكثر من عقد، والأهم هو الابتعاد التدريجي عن هذا الخيار باتجاه حل دبلوماسي.

إن الاستثمار الذي حدث بالنسبة لإيران ليس متأثرا بتصور الآخر عنها في أنها دولة تقدم المبادئ على المصالح، فالآخر من شأنه أن يتصور ما يريد، لكن إيران انطلقت من أن تأمين المصالح يأتي كالفرص، وعليه فتضييع الفرص يعني تضييعا للمصالح التي هي وفق الأيديولوجيا تخدم المبادئ في مرحلة ما.

إن احتمال أن تتفق إيران مع مجموعة 5+1 غير بعيد، لكنه في ذات الوقت قد لا يحدث، لذلك فالأطراف مستعدة لجولة من المفاوضات خلال النصف الثاني من عام 2014، والمهم قبل تفاصيل الاتفاق فهم عناصر التغيير التي تم البناء عليها والوصول من خلالها إلى ما تم الوصول إليه.

ما هو شبه مؤكد أن الأطراف الستة المشاركة في التفاوض حريصة على التوصل إلى اتفاق حتى ولو كان لمدة ستة أشهر أخرى، وهذا بالنسبة لإيران يمثل مزيدا من التراكمية في الدبلوماسية، ومزيدا من تأكيد الشرعية، والمهم أنه مزيد من التأكيد الإيراني على أن الحالة الإيرانية مع الغرب تبدو "نموذجا ليس كمثله نموذج".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة