في تحولات ومآلات حركة فتح   
الأحد 21/6/1435 هـ - الموافق 20/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:34 (مكة المكرمة)، 13:34 (غرينتش)
ماجد كيالي


لم يعرف التاريخ أحزابا سياسية أو حركات تحرّر استمرت إلى الأبد، فلا شيء أصلا إلى الأبد، ذلك أن هذه الإطارات، أو الظواهر، هي بمثابة أجسام، أو كيانات سياسية، واجتماعية وثقافية، تنمو وتزدهر وتكبر وتشيخ ثم تذهب نحو الأفول، هذه هي قوانين الطبيعة.

طبعا ثمة استثناء من هذه الحالات لكن الأشكال أو الكيانات التي تستمر لا تبقى هي ذاتها إلا من ناحية الشكل، إذ إنها تتحول وتتغيّر وتتكيف، سلبا أو إيجابا، مع واقعها وعصرها ومع العالم الذي تعيش فيه.

كانت هذه بمثابة مقدمة لابد منها للحديث عن حال الكيانات السياسية الفلسطينية، التي صار لها ردح طويل من الزمن، يناهز نصف قرن، وهي ما زالت تصر على المواصلة على النحو الذي كانت عليه، رغم أن ذلك لم يوصلها إلى الهدف المنشود، ورغم أن مظاهر الشيخوخة والتكلّس والفوات باتت تنخر فيها، ورغم أنها لا تقوم بأي شيء لتغيير واقعها وتجديد شبابها.

هكذا نحن إزاء فصائل، يقدر عددها بحوالي 15 فصيلا بين حركة وجبهة وحزب، بات معظمها اليوم لا يحظى بأية مكانة تمثيلية في مجتمعات الفلسطينيين لا في الداخل ولا في الخارج، ولا تقوم بأي دور في مواجهة عدوها، ناهيك أن أكثرها فقد ملامحه الأولى أو هويته الفكرية أو السياسية التي تميّزه عن غيره.

تبدو فتح وكأنها وصلت نهاية طريقها، أو أنها وصلت إلى مرحلة تفرض عليها الحسم في خياراتها، أي بمضامين خطاباتها السياسية وطرق عملها، وتحديد مكانتها في إطار العملية الوطنية الفلسطينية
عموما، ما يهمّنا في هذا الإطار الحديث عن واقع "فتح"، أي الحركة التي أطلقت الكفاح المسلح الفلسطيني في أواسط الستينيات، والتي قادت الحركة الوطنية الفلسطينية، وتحكّمت بخياراتها السياسية والعسكرية طوال العقود الماضية.

فمن أوجه عديدة تبدو هذه الحركة كأنها وصلت إلى نهاية طريقها، أو أنها وصلت إلى مرحلة تفرض عليها الحسم بخياراتها، أي بمضامين خطاباتها السياسية وطرق عملها، وتحديد مكانتها في إطار العملية الوطنية الفلسطينية، لا سيما بين مكانتها كسلطة أو كحركة تحرر وطني.

أقصد أن مشكلة هذه الحركة لا تتعلق بالخلاف بين هذه الشخصية أو تلك، ولا بمجرد الصراع بين الأجيال، ولا في الصراع على القيادة، كما بدا في التجاذبات التي طفت مؤخرا، لاسيما على خلفية تصريحات الرئيس الفلسطيني أبو مازن والتصريحات المقابلة من القيادي المفصول من الحركة محمد دحلان، فالمسألة أكبر وأعقد وأشمل من كل ذلك.

على ذلك أعتقد أن أزمة "فتح" ناجمة عن عوامل متعددة، أولها إخفاق الخيارات التي أخذتها على عاتقها وأهمها الارتهان لعمليتي المفاوضة والتسوية منذ عقدين، فها هي العملية التفاوضية تبدو بمثابة لعبة أو "أنشوطة" تستغلها إسرائيل لفرض إملاءاتها، وتحسين صورتها، وتغيير الواقع في الأراضي المحتلة لصالحها، بالجدار والاستيطان والطرق الالتفافية، مقابل إقامة كيان سياسي هزيل وتابع، تحت هيمنتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، في خلطة من نظام الاستعمار والحكم الذاتي والأبارتايد.

ثانيا، تكمن أزمة حركة "فتح"، أيضا، في تحولها من الناحية العملية إلى سلطة على حساب طابعها كحركة تحرر وطني، رغم أنها ما زالت تبدو كأنها تستخدم خطابات حركة التحرر الوطني.

ثالثا، انطفاء روح هذه الحركة التي تأسست على التعددية والتنوع، باعتبارها بمثابة جبهة تضم مختلف التيارات الموجودة عند الشعب الفلسطيني، مما جعلها في مرحلة ما أكثر حركة تشبه شعبها.

فقد باتت الحركة اليوم بمثابة كيان جامد يعبر عن لون واحد، أما الاختلافات الظاهرة فيها فهي تتعلق بالمواقع والمناصب، في أغلب الأحوال، مما حرمها من الحيوية السياسية التي كانت لها في مراحل سابقة قبل قيام السلطة.

رابعا، هذه الحركة ظلت تفتقد للجهود اللازمة لتطوير بناها التنظيمية والسياسية، وتطوير الديمقراطية الداخلية فيها، أي بتحويلها من حركة عفوية من دون ملامح تنظيمية إلى حركة ذات طابع مؤسسي وديمقراطي.

ومعلوم أن الديمقراطية في هذه الحركة تقتصر على حق التعبير عن الرأي، في حين أن القواعد والكوادر، وضمنهم حتى قيادات، لا يشاركون في عملية صنع القرار، بمعنى أن إدارة هذه الحركة، وإدارة مواردها وسياساتها، والتقرير في الخيارات والقضايا المصيرية منوط بالزعيم أو الرئيس، وبعض المعاونين أو المقربين منه.

وكي نكون منصفين ينبغي القول إن هذه الحركة فقدت من قيادييها الأوائل أكثر من أي فصيل آخر، من مثل: عبد الفتاح حمود وأبو صبري وأبو علي إياد وماجد أبو شرار وأبو الهول وأبو إياد وخالد الحسن وأبو الوليد وأبو صالح، وصولا إلى زعيمها ومهندسها وقائدها أبو عمار.

كما أن هذه الحركة واجهت تحديات كبيرة وخطيرة حدت من قدرتها على العمل في الخروج من الأردن (1970) وفي معمعان الحرب الأهلية في لبنان (أواسط السبعينيات) والتداخلات السورية المضرّة في شؤونها، وفي الغزو الإسرائيلي للبنان، والحالة الانشقاقية فيها (1983)، وصولا إلى المتغيرات الدولية والإقليمية التي دفعتها نحو عملية التسوية وإقامة السلطة (1994)، بحيث وصلت إلى هذا المآل.

ويمكن التأريخ لبداية التصدعات والتحولات والتغيرات السياسية في "فتح" بالهزّة التي نجمت عن الخروج من الأردن (1970)، وحرمانها من العمل وسط أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين، والتي تم تجاوزها، أو التغطية عليها، بسبب صعود مكانتها في لبنان.

طبيعة "فتح" التي تقبل الاختلاف والتعددية، ومكانة عرفات وفكرة الوطنية المستقلة التي اتسمت بها فتح، وتشتت المجتمع الفلسطيني، كلها ضمن العوامل التي مكنتها من الصمود إزاء كل محاولات التصدع التي تعرّضت لها
أما الهزّة الثانية، فهي تتمثل في تحول خطاب "فتح" (1974) من التحرير، وهدف "الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية" إلى البرنامج المرحلي المتمثل في إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع المحتلين (1974)، والذي بات بمثابة الحدث المؤسّس للانشقاق السياسي في "فتح"، وفي الساحة الفلسطينية عموما.

وكانت قيادة هذه الحركة اتخذت هذا الخيار منفردة من دون سابق نقاش في الإطارات الحركية، ومن دون إقراره في مؤتمر عام.

وعلى أية حال فقد استمرت وحدة هذه الحركة، رغم التصدع السياسي الحاصل فيها، بسبب برغماتية قيادتها وطابعها الذي يقبل التعددية والتنوع وبزخم الكفاح المسلح والتحديات التي واجهتها.

ولعل الانشقاق الأبرز الذي ضرب هذه الحركة، والعمل الفلسطيني عموما، حدث في 1983، على خلفية الهزّة الناجمة عن انتهاء الظاهرة المسلحة في لبنان، وخروج منظمة التحرير منه، بعد الغزو الإسرائيلي (1982). وفي حينه فقد حظيت الظاهرة الانشقاقية بدعم نظامي حافظ الأسد في سوريا، الذي مكّنها من التحكم في الوضع الفلسطيني في سوريا ولبنان، والقذافي في ليبيا الذي أمّن التغطية المالية، لكن هذه الظاهرة لم تنجح ولم تستطع أن تثبت ذاتها في مواجهة "فتح" الأم لأسباب متعددة.

بعد ذلك جاءت الانتفاضة الشعبية الأولى (1987-1993) التي كانت بمثابة طريق فلسطيني جديد لجهة الإطارات التي حملت هذه التجربة، ولجهة الأشكال النضالية التي تم اعتمادها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، إذ إنها اختلفت عن التجربة الفصائلية التي انبنت على الكفاح المسلح.

وكما لاحظنا وقتها فإن "فتح"، وهي ذاتها قيادة المنظمة، راودتها المخاوف من إمكان تشكّل مركز قيادي بديل أو مواز، الأمر الذي لم يحصل بسبب التحولات الدولية والإقليمية في مطلع التسعينيات التي سهّلت عقد مؤتمر مدريد للسلام (1991)، ثم عقد اتفاق أوسلو بين قيادة منظمة التحرير وإسرائيل (1993).

بدوره فإن اتفاق أوسلو كان بمثابة هزة كبيرة في العمل الفلسطيني، وقد أحدث تصدّعا في "فتح"، تم استيعابه بالزخم الذي نجم عن قيام كيان السلطة في الضفة والقطاع، وانتقال معظم قيادات فتح والمنظمة إلى الأراضي المحتلة، لخوض تجربة مغايرة كليا.

في 2006، ومع انتخابات المجلس التشريعي الثاني، تعرّضت "فتح" لهزيمة كبيرة بسبب فوز "حماس"، وصعودها إلى مكانة القيادة والسلطة، كبديل وكندّ لها، بعد أن كانت اعتادت على تفردها في قيادة الشعب الفلسطيني وتقرير خياراته المصيرية. المشكلة أن الأمور تفاقمت عام 2007 نتيجة انقسام النظام الفلسطيني، وهيمنة "حماس" على غزة.

هكذا بدت هاتان الهزتان بمثابة إنذار يؤكد أن "فتح" دخلت في طور الشيخوخة وأن مكانتها باتت إلى انحسار، وقد عزز ذلك انهيار خيارها السياسي القائم على المفاوضات وإقامة دولة مستقلة في الضفة والقطاع.

هكذا تبدو حركة "فتح" في هذه المرحلة في مواجهة تحديات كبيرة، فهي تقف إزاء لحظة الحقيقة بالنسبة لتقرير مصير خيارها التفاوضي، أو البحث عن خيارات بديلة، وأيضا إزاء استحقاق إنهاء الانقسام في الكيان الفلسطيني، لا سيما مع وصول "حماس" إلى عتبة لا تستطيع معها الاستمرار في حكم غزة لوحدها، وكما حدث في السابق.

ويمكن -من كل ما تقدم- ملاحظة أن التحديات الخارجية والمحاولات الانشقاقية لم تضعف فتح بقدر ما أضعفتها العوامل الذاتية والداخلية التي ذكرناها. وبالمحصلة، فإن ما سبق يفيد بأن "فتح" استطاعت في كل مرة التغلب على محاولات التصدع، أو التشقق فيها، لأنها لم تتشكّل كحزب أصلا، ولا كحزب ببنية هرمية.

ويذكر أن "التنظيم" في هذه الحركة، الذي يضم الأعضاء غير المتفرغين في الأجهزة العسكرية والخدمية، هو مجرد "جهاز" فيها، وحتى إن حصّته في المؤتمر العام قليلة (قبل تغيير النظام الداخلي في المؤتمر السادس كان للعسكر 51% من أعضاء المؤتمر).

والناحية الأخرى، أن كل مسؤولي القوات العسكرية والأجهزة الأمنية والخدمية وغيرها يتم تسميتهم بالتعيين من قبل القيادة (اللجنة المركزية)، وهؤلاء يشكلون النصاب الأكبر في المؤتمر، لذا بديهي أن يكونوا من المقربين أو الموالين تماما لهذه القيادة، التي تكون في ذلك كأنها تنتخب ناخبيها، أو تنتخب نفسها.

ليست فتح اليوم بحاجة إلى زعيم بقدر ما هي بحاجة إلى مؤسسة قيادية تستطيع استننهاضها وتجديد شبابها، وضمن ذلك تجديد خطاباتها وبناها وخياراتها السياسية، وأيضا نمط تفكيرها وطرق عملها
أيضا، لا ينبغي أن نغفل علاقة الاعتمادية المالية، التي تلعب دورا كبيرا في الحفاظ على التماسك، وهذه حال معظم الحركات أو الأحزاب ذات الطابع العسكري.

وفوق كل ذلك، وللإنصاف، فإن طبيعة "فتح" التي تقبل الاختلاف والتعددية، ومكانة ياسر عرفات كزعيم للشعب الفلسطيني، وفكرة الوطنية المستقلة التي اتسمت بها هذه الحركة، وتشتت المجتمع الفلسطيني، كانت كلها ضمن العوامل التي مكنتها من الصمود إزاء كل محاولات التصدع التي تعرّضت لها.

لكن مشكلة "فتح، في وضعها الحالي، أنها باتت أضعف من السابق، إذ هي تفتقد لزعيم تاريخي بوزن ياسر عرفات، كما أنها باتت في آخر طريقها، بعد أن خسرت رهاناتها وخياراتها السياسية، وبعد أن لم يعد لديها مزيد لتعطيه، مع أعراض التكلس السياسي والتنظيمي، الذي يعتريها، مما يضعها في مواجهة طريقين، إما تجديد شبابها، وإما الأفول بطريقة أو بأخرى.

على ذلك قد يمكن حلّ مشكلة القيادة في "فتح" في تصعيد الأسير مروان البرغوتي، مثلا، الذي يحظى بإجماع داخل حركته، وبشعبية عند الفلسطينيين أكثر من غيره، لكن هذه الحركة، على الأرجح، ليست بحاجة إلى زعيم بقدر ما هي بحاجة إلى مؤسسة قيادية تستطيع استننهاضها، وتجديد شبابها، وضمن ذلك تجديد خطاباتها وبناها وخياراتها السياسية، وأيضا نمط تفكيرها وطرق عملها.

قصارى القول، حركة "فتح" في مفترق طرق، فإما أن تتحول إلى مجرد سلطة حكم ذاتي تتعايش مع الاحتلال، وتتخلى نهائيا عن طابعها كحركة تحرر وطني، وإما أن تبحث عن خيارات أخرى، تؤكد طابعها كحركة تحرر وطني في مواجهة للنظام الاستعماري والعنصري والهيمني الذي تمثله إسرائيل في هذه المنطقة.

هكذا على قيادة "فتح"، أو الطبقة السياسية المسيطرة فيها، تحديد أي من هذين الخيارين، أما الشعب الفلسطيني فسيواصل طريقه مع "فتح"، وإما من دونها.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة