الاستفتاء على فلسطين   
الثلاثاء 1427/5/3 هـ - الموافق 30/5/2006 م (آخر تحديث) الساعة 12:02 (مكة المكرمة)، 9:02 (غرينتش)

إبراهيم حمّامي

- لعبة الاستفتاء
- طرق اتخاذ القرار وحق الاستفتاء
- أنواع الاستفتاء
- قانونية الاستفتاء في فلسطين
- أسئلة مشروعة
- النتيجة

رمى عباس ورقته الأخيرة وكشف ما لديه في خطوة يائسة أمام مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني الذي بدأت أعماله في رام الله وغزة يوم الخميس 25/5/2006، فقرر مسبقاً مسار الحوار كما يراه.

فهو إما القبول بوثيقة الوفاق الوطني التي وقع عليها بعض قيادات الأسرى ورفضها أسرى آخرون في السجون خلال 10 أيام، أو إجراء استفتاء على الوثيقة خلال 40 يوما، ضارباً عرض الحائط بأبسط أسس الحوار وفارضاً نظرته ورؤيته الأحادية، في محاولة ربما تكون الأخيرة للالتفاف على نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة التي أطاحت ببرنامجه.

"
الحكومات تلجأ في مشروع الاستفتاء إلى أخذ رأي شعوبها لتمرير قرارات معينة، وهذا النوع من العرض رغم حسناته هو في الواقع لعبة سياسية تحاول الحكومات الالتفاف بها على شعوبها
"
التلويح بإجراء استفتاء على الوثيقة المذكورة يستغل الوضع الفلسطيني أسوأ استغلال، وزيادة على الحصار التجويعي والعزلة ومحاولات التركيع وإسقاط الحكومة، يحاول محمود عباس لملمة سلطة باتت أقرب ما تكون إلى الانهيار والاندثار كنتيجة حتمية لاتفاقات مجحفة ربطت الجانب الفلسطيني تماماً بالاحتلال وإرادته، لتصبح في موقع المتلقي الذي يضرب السلام بالإملاءات تماماً كما عبر عباس في كلمته لفظاً وفعلاً.

لكن تطرح عدة أسئلة نفسها وبقوة، هل يحق لعباس إجراء استفتاء على وثيقة بعينها؟ وهل له صلاحيات دستورية؟ وما هو مصير الحكومة والانتخابات التي جرت قبل أشهر معدودة؟ وهل ضمن عباس النتيجة؟

ترى ما معنى الاستفتاء وما مدى أهميته؟ وهل الاستفتاء عملية دستورية وقانونية مقبولة؟ وما هي المبررات السياسية والقانونية التي تستوجب قيام السلطات بعملية الاستفتاء الشعبي العام؟ وما هي آليات الاستفتاء والجهات التي يشملها؟ وكيف يتم التعامل مع النتائج التي تفرزها العملية الاستفتائية؟

لعبة الاستفتاء
الاستفتاء وإن كان ديمقراطياً ومقبولاً، فإن الحكومات تلجأ في مشروع الاستفتاء إلى أخذ رأي شعوبها لتمرير قرارات معينة. وهذا النوع من العرض -رغم حسناته- هو في الواقع لعبة سياسية تحاول الحكومات الالتفاف بها على شعوبها، لأنها في العادة هي التي تطرح مشروع التصويت وترغب فيه، وكل ما في الأمر أنها لا تريد أن تتحمل التبعات السياسية والتاريخية التي تترتب على قرارها الخطير.

لذا تحاول تمريره على الرأي العام وتقوم بالوسائل الإعلامية التي تسيطر عليها بشرح أهمية الموضوع وخطورته بالنسبة للشعب، كما أن الكثير من الحكومات الدكتاتورية تلجأ لتجميل صورتها وصورة نظامها وقائدها بالاستفتاء على نظام الحكم أو على شكل الحكومة أو القائد.

ومواضيع الاستفتاء مختلفة وإن جمعت في شكل وقالب واحد، فمثلاً مشروع وثيقة الوفاق الوطني تحوي نقاطا قد يتفق عليها الجميع وفي طياتها تحمل بنودا معينة يتم تمريرها من خلال التصويت عليها كوحدة واحدة بنعم أو لا.

ويذكر محمد الريفي في هذا الشأن أن دعوة عباس للاستفتاء على الوثيقة المذكورة تنم عن تناقضات كبيرة! إذ بينما لا يكف عباس عن الدعوة إلى نبذ المقاومة واحتقار المجاهدين ووصفهم بالجبن واعتماد التفاوض سبيلاً وحيداً وخياراً إستراتيجياً، نجده يقبل الوثيقة التي تتضمن بنوداً تدعو إلى التمسك بالمقاومة ومحاذاتها بخط تفاوضي على أساس الثوابت الفلسطينية!

فهل يقبل عباس تلك البنود بحق أم أنه سيكتفي منها بما ينسجم مع الرؤية الأميركية الصهيونية لعملية التفاوض وما يتفق مع قناعاته وتوجهاته التفاوضية؟

"
الخطر في استخدام مثل هذا النوع من الاستفتاءات هو ما يحمله من مخاطر بعيدة المدى على الاستقرار والنظام داخل السلطة، ومن مخاطر أخرى قد تمس بشرعية البرلمان حتى لو كان له دور خاص في إجراء الاستفتاء
"
طرق اتخاذ القرار وحق الاستفتاء
يمارس المواطنون في الدول المتحضرة حقوقهم الطبيعية في المساهمة في صياغة قوانين بلادهم عبر طريقين أساسين:

1- طريق غير مباشر، ويتم عن طريق منح المواطنين حق انتخاب ممثلين شرعيين لهم، وهم بالتالي يختارون أغلبية برلمانية معينة ويصوتون لبرنامج بعينه، ليقرر النواب أو الممثلون بعدها ما يتفق مع برنامجهم والمصلحة العامة.

2- طريق مباشر، ويتم عبر عملية الاستفتاء المباشر للمواطنين حيث يُطرح القانون مثلا للاستفتاء ويصوت عليه الناخبون بـ"نعم" أو "لا"، وبالتالي فإنهم يقررون إن كانوا يريدون القانون أو يرفضونه.

ولما كان الاستفتاء يعبر عن رأي المواطنين بشكل مباشر تزداد المطالبة بتوسيع تطبيقه لمعرفة رأي المواطنين بشكل مستمر. لذلك ومن حيث المبدأ يكون الاستفتاء الشعبي العام نوعا من أنواع ممارسة الشعب للسلطة بطريقة ديمقراطية، خاصة في ظل وجود خلاف بين السلطات، وهو تأكيد لحق سيادة الشعب في تقرير المسائل السياسية خاصة الضرورية التي يُراد اتخاذ قرار خطير بشأنها.

وحق الشعب في الاستفتاء إما أن يكون منصوصاً عليه في الدستور وهو القانون الأساسي بالنص الصريح حول موضوعات بعينها، أو أخرى يلزم الدستور السلطات بالرجوع فيها إلى الشعب.

وتترك مسألة تشخيص ما هو ضروري وغير ضروري للقائمين على السلطة ليقرروا أهمية وخطورة الموضوع لعرضه على الشعب أو اتخاذ القرار من خلال المؤسسات القائمة.

وقد يكون الاستفتاء شأنا يقرره ممثلو الشعب في السلطة التشريعية والتنفيذية دون أن يأتي به نص دستوري، خاصة إذا ما حصل في الموضوع المطروح للنقاش خلاف حاد ولم يمكن التوفيق بين وجهات النظر المختلفة، فيصار إلى عرض مسودة المشروع على الاستفتاء العام لأنه طريق قانوني في تشخيص آراء المواطنين.

أنواع الاستفتاء
حسب المحامي جميل عودة تذكر مصادر القانون الدستوري أن هناك نوعين من الاستفتاء:

1- الاستفتاء الدستوري، ويُعنى بشؤون الدستور من حيث الاستفتاء على كتابة دستور جديد، أو على إلغاء دستور قديم، أو تعديل مواد دستور بحذف بعض فقراته، أو بإضافة فقرات جديدة.

ومن الدساتير التي انتهجت أسلوب الاستفتاء الشعبي الدستور التركي 1982 والدستور الإيطالي 1945 والدستور المغربي لعام 1971 والدستور الجزائري لعام 1976.

2- الاستفتاء القانوني، ويُعنى بتدوين قانون ما يتعلق بموضوع حساس على درجة عالية من الخطورة، حيث تقوم الجهة الحكومية المخولة بعرض مسودة مشروع القانون الجديد على الشعب لمعرفة رأيه فيه، إما بالإيجاب فيكون المشروع مقبولا وملزما للجميع، أو بالسلب فيكون باطلا ليس له أثر.

وهناك نوع ثالث وهو نوع نادر يُعرف "بالاستفتاء الشخصي" وهو الاستفتاء الذي يتعلق بشخص معين يراد تنصيبه كما حدث في حملة الاستفتاء التي جرت في العراق عام 1921 حول اختيار الأمير فيصل ملكا على العراق.

"
لا يملك عباس الغطاء القانوني أو الشرعي لإجراء استفتاء يتجاوز فيه المؤسسات القائمة، وحتى وإن توفر هذا الغطاء لا يحق له أن يقرر مصير الشعب الفلسطيني برمته وحقوقه من خلال استفتاء ثلث الشعب وتجاهل اللاجئين
"
قانونية الاستفتاء في فلسطين
يقول المدير التنفيذي للجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية عمار الدويك "إنه لا يوجد في القانون الفلسطيني ما ينظم إجراء الاستفتاءات،، وأشار إلى أن الوضع الأمثل هو "سن قانون ينظم الاستفتاء الشعبي الفلسطيني حول وثيقة الوفاق الوطني".

وذكّر الدويك بأنه لم يثر رسميا مع لجنة الانتخابات إمكانية إجرائه، وتساءل "من هي الجهة التي تدعو إلى إجراء الاستفتاء والجهة المفوضة له، وتلك المسؤولة عن صياغته، والأشخاص الذين يحق لهم المشاركة فيه؟".

يقول الطرف الآخر وعلى لسان البروفيسور آشر أريان من كبار الباحثين في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية إنه "بشكل عام الخطر في استخدام مثل هذا النوع من الاستفتاءات هو ما يحمله من مخاطر بعيدة المدى على الاستقرار والنظام داخل السلطة، مخاطر أخرى قد تمس بشرعية البرلمان حتى لو كان له دور خاص في إجراء الاستفتاء.

إذ يستطيع الشعب اتخاذ قرار عكسي تماما لقرارات البرلمان ومؤسساته الديمقراطية وفي ذلك تنازل واضح عن لب الديمقراطية البرلمانية، وقدرة هذه المؤسسات المنتخبة بطريقة ديمقراطية على التوصل إلى تسويات سياسية معقولة.

وفي حال الاتفاق على إجراء الاستفتاء لا يكون هناك أي مجال للمناورة أو التسوية بالنسبة للنتائج المتوقعة، وفي هذه الحال فإن الخاسر ينتهي تماما والمنتصر يحصل على كل شيء ويتم اتخاذ قرار لا تراجع عنه".

إن الاستفتاء الشعبي أداة قابلة للإصابة والاستغلال من جهات متعددة وحتى لو تم إجراؤه من طرف محايد، ولذلك أبعاد كثيرة على النظام الديمقراطي، ومس بطريقة الانتخابات كوسيلة ديمقراطية ولا يوجد أي طريقة من أجل ضمان أن الاستفتاء يستطيع التعبير عن مواقف الجماهير تجاه القضايا المطروحة.

أسئلة مشروعة
1. هل يشترك الفلسطينيون في الشتات في عملية الاستفتاء؟ خاصة أن موضوع الاستفتاء يهمهم ويمسهم لأن فلسطين لهم كما هي لأهل الداخل، وهم يشكلون أكثر من ثلثي الشعب الفلسطيني ولا يمكن لأي استفتاء أن يكون قانونياً ونافذاً دون مشاركتهم.

2. أين هو القانون الذي ينظم مثل هذا الاستفتاء؟

3. في ظل الأزمة المالية الخانقة كيف يمكن تمويل حملة بهذا الحجم؟

4. من هي الجهة العليا التي ستشرف وتصادق على صحة أو عدم صحة الاستفتاء؟

5. هل سيكون الاستفتاء على جميع بنود وثيقة الوفاق الوطني أو على كل بند من بنودها؟

6. هل يحق لأي جهة كانت أن تستفتي على الحقوق والثوابت وتحت أي غطاء شرعي؟

7. ما مصير النظام البرلماني بعد تجاوزه تماماً؟

8. لماذا لم ينظم أي استفتاء على قرارات أكثر خطورة كالتنازل عن 78% من فلسطين ووثيقة الاعتراف التي وقعها عرفات واتفاقية أوسلو وشرعية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية بشكلها الحالي؟

9. ما الضمانات المعروضة لالتزام الطرف الآخر بأي نتيجة للاستفتاء؟ وهل من الحكمة التنازل عن كل شيء وبالمجان ومقابل لا شيء؟

"
وثيقة الوفاق الوطني ليست بالضرورة مرفوضة، لكنها ليست الخيار الوحيد، وهي تصلح لأن تكون أساسا للحوار بدل أن تكون نتيجة حتمية له كما يريدها عباس
"
النتيجة

لا يصح أن تسمى هذه الوثيقة بوثيقة الأسرى كما يحاول البعض تسميتها لدغدغة العواطف، لأن أسرى حماس والجهاد في سجون مجدو والنقب ومعتقل عوفر رفضوها وأكدوا التزامهم بالثوابت الفلسطينية ورفضهم المساومة على الأرض أو السعي للمصالحة مع الاحتلال على أسس ظالمة.

وما التلويح بها إلا محاولة أخرى للضغط على الحكومة الفلسطينية وتمرير ما ترفضه من تنازل واعتراف.

إن محاولة محمود عباس فرض رؤيته على المتحاورين وتحديد سقف زمني لهم، سيكون له بالتأكيد نتائج سلبية تفشل الحوار قبل أن يبدأ، خاصة أنه شخصياً فشل في تفعيل عملية إصلاح منظمة التحرير التي انطلقت في مارس/آذار 2005.

لا يملك عباس الغطاء القانوني أو الشرعي لإجراء استفتاء يتجاوز فيه المؤسسات القائمة، وحتى وإن توفر هذا الغطاء لا يحق له أن يقرر مصير الشعب الفلسطيني برمته وحقوقه من خلال استفتاء ثلث الشعب الفلسطيني وتجاهل اللاجئين.

من الأفضل لعباس أن يتصرف كرئيس للسلطة الفلسطينية لا كزعيم لفصيل بعينه، وعليه أن يقر أن الشعب رفض برنامجه، وأن يكف عن محاولات الالتفاف على الحكومة تارة من خلال منظمة التحرير ووثيقة الاستقلال، وأخرى من خلال استغلال معاناة الشعب والتلويح بالاستفتاء.

هذا لا يعني بأي حال أن وثيقة الوفاق الوطني مرفوضة، لكنها ليست الخيار الوحيد، وهي تصلح لأن تكون أساسا للحوار بدل أن تكون نتيجة حتمية له كما يريدها محمود عباس.
____________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة