إذا لم تكن هذه ثورات فما هي الثورة إذاً؟   
الثلاثاء 1433/4/19 هـ - الموافق 13/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:32 (مكة المكرمة)، 11:32 (غرينتش)
ماجد كيالي

تحاول الثورات الشعبية الحاصلة في عديد من البلدان العربية تدشين حقبة جديدة في تاريخ هذه المنطقة، قوامها اكتشاف الشعب ذاته، وحضوره على مسرح السياسة، ومحاولته إمساك مصيره، وبناء دولته (دولة المؤسسات والقانون والمواطنين)، والانسجام مع التاريخ العالمي، أي التاريخ المتأسّس على الحرية والمواطنة والدولة.
 
تأكيدنا على كلمة «تحاول» يفيد بداهة بأن هذه الثورات تعاني من مركّبات نقص، وتكابد من بعض المعيقات والتعقيدات والتحدّيات، التي هي من طبيعية مجتمعها نفسه، فالثورات تشبه مجتمعاتها، وهي بمثابة مرآة لمستوى تطوّرها السياسي والاجتماعي والثقافي، حتّى وهي تحاول، أو تتوخّى، التغيير والتطوير.
 
الثورات انطلقت من البيئات الشعبية أساساً، واندلعت نتيجة تراكم حالات من الظلم والإحباط واليأس وانعدام اليقين والغضب
لكن ما يجب ملاحظته جيداً هنا هو أن هذه الثورات جاءت من نقطة الصفر تقريباً، فهي انطلقت من البيئات الشعبية أساساً، واندلعت نتيجة تراكم حالات من الظلم والإحباط واليأس وانعدام اليقين والغضب.

ولعل هذا يفسّر عفوية الثورات، فهي اندلعت فجأة من خارج التوقّعات، ومن دون ممهّدات سابقة، أو هياكل تنظيمية، أو هيئات قيادية، ومن دون برامج سياسية، وحتى إنها لم تأت وفق المسطرة "اللينينية" عن الثورات، بشأن أن «لا حركة ثورية من دون نظرية ثورية»، وضرورة توفّر الحزب الطليعي، لأن هدفها كان تأسيسياً بحتاً، أي كانت تهدف إلى تأسيس المواطن والشعب والدولة.

وتفسير ذلك يرجع إلى  أن بلداننا ومجتمعاتنا كانت تعيش خارج التاريخ، وخارج السياسة، بسبب خضوعها لنوع من الأنظمة التسلّطية والشمولية التي تتّسم بالعطالة، والتي أمّمت الزمان والمكان، وتغوّلت على الدولة والمجتمع، وجعلت البلاد والعباد بمثابة ملكية خاصّة مطلقة.

وربما ثمة حاجة إلى التذكير هنا بأن الحساب التاريخي لتأثير هذه الأنظمة إنما يتمظهر بصورة أكبر في مجالات ثلاثة: أولها، يكمن في أنها عوّقت قيام الدولة، بما هي دولة مؤسّسات وقانون ومواطنين. ثانيها، يتمثل في أنها عوّقت تحقيق الاندماج المجتمعي، بحيلولتها دون تحويل الكتل المجتمعية شعباً، بترسيخها العصبيات والهويات ما قبل الوطنية (الطائفية والمذهبية والإثنية والقبليّة).

وثالثها، يتجلّى في أنها لم تسمح بقيام الفرد الحرّ الواعي لذاته ولمواطنيّته، ما نتج عنه طمس مفهوم المواطن، وسلب إنسانيته وامتهان حريته وكرامته، وتنميط «الرعية» في هويات فرعية، متقابلة ومختلفة ومغلقة وإقصائية.

في هذه الحال قد يصحّ القول بأن تمكين المواطنة، هو المعادل البديل لواقع الاستبداد، فهو يتضمن قيام مجتمع المواطنين ودولتهم، وهو المفهوم الذي ربما غاب عن ذهن واضعي تقارير "التنمية الإنسانية العربية" التي كانت تحدثت، قبل عقد من الزمان، عن ثلاثة نواقص تعاني منها المجتمعات العربية، وهي نقص الحرية ونقص المعرفة والنقص في تمكين المرأة.

هذا هو الوضع حقاً. فالثورات اندلعت في مجتمعات كانت كابدت لعقود، وربما لقرون، من التهميش والحرمان والمحو، ولا يعرف مواطنوها شيئاً عن حقوقهم ولا عن معنى المشاركة السياسية والحياة الحزبية، وهذه ناحية جدّ مهمة، وينبغي أن تكون في مركز الإدراكات السياسية عند المعنيين والمتابعين.

لذا فمن البديهي في هكذا أوضاع الانتباه إلى ملاحظتين: أولاهما، وهي ضرورة عدم توقّع ثورة نموذجية، نظيفة وكاملة ومستقيمة وشاملة، لأن ثمة سذاجة في ذلك، ولأن من ينتظر ثورة كهذه، تأتيه من رحم الواقع القائم، لن يجدها، فحتى الثورات، مع الأسف، تتطبّع ببعض خصائص النظام الذي تعارضه، وتشوبها بعض أعراض مقاومته لها، كما إنها تحمل معها رواسب من المجتمعات التي تحاول تطويرها. وثانيتهما، وهي أن مسار التغيير الثوري في بنية النظم الرسمية العربية قد يواجه عثرات وتحديات جمّة، حتى بعد التخلّص من النظام القديم (الوضع في مصر وتونس وليبيا واليمن مثلاً)، ما يعني أن التغيير المنشود لن يحصل دفعة واحدة، وإنما قد يحتاج إلى توسّطات وتدرّجات وفترات زمنية معينة. بل ربما ينبغي الذهاب أبعد من ذلك، أي إلى حد توقّع نوع من انتكاسة في مجالات معيّنة، أو نوع من مرحلة انتقالية إجبارية، تعاكس الصورة المأمولة أو المتخيّلة للثورة.

الثورات لا تسير وفق الرغبات المرجوَة، ولا وفق الوصفات المعروفة، وإنما هي تشقّ طريقها الخاص بها، وفق تفاعلات القوى المشكّلة لها

هذا يفيد بأن الثورات لا تسير وفق الرغبات المرجوَة، ولا وفق الوصفات المعروفة، وإنما هي تشقّ طريقها الخاص بها، وفق تفاعلات القوى المشكّلة لها، والرؤى التي تتحكّم بهذه القوى، كما وفق طريقة تعامل النظام المهيمن معها.

مع ذلك فإن هذا الأمر ينبغي ألا يقلّل من أهمية التغيير الحاصل، ولا من ثوريته أو من شرعيته السياسية والأخلاقية، إذ إن هذه الثورات، على عفويتها، وعلى النواقص الكامنة فيها، والمشكلات التي تتعرّض لها، هي التي جلبت العامّة إلى السياسة وقتلت الخوف عندهم وحوّلتهم إلى شعب، أكثر مما فعلت الأحزاب السياسية وغيرها من الأشكال الناشطة سياسيا أو التعبيرات ذات المدلولات السياسية، طوال العقود الماضية.

هذا يعزّز الاعتقاد بأن أي تغيير في واقع مجتمعاتنا يتطلّب أولاً إزاحة أنظمة القهر والاستبداد باعتبار ذلك شرطاً لأي تغيير ثقافي واقتصادي واجتماعي وسياسي عندنا. وهذا الوضع، أي إدراك المواطنين لذاتهم، ووعيهم لحقوقهم، وانخراطهم في السياسة وفي تقرير مصيرهم، هو بحدّ ذاته ثورة في أوضاعنا الخاصّة.

أيضاً، فإن ظهور المواطن الذي بدوره يفضي إلى ظهور المواطنة، وتمكين مجموع المواطنين من تعيين إجماعاتهم وصوغ هويتهم كشعب، في دولة قانون ومؤسسات، هو بحدّ ذاته ثورة أيضاً.

ذلك أن الثورات هي بداهةً بمثابة ظاهرة مجتمعية مفتوحة ومشرعة على مختلف التيارات والألوان والأطياف التي يتألف منها المجتمع، والتي تتوخّى إنهاء واقع الفساد والاستبداد. في هذا الوضع تبدو الثورات بمثابة نوع من فرصة، أو مختبر، لاكتشاف المجتمع لذاته، لمجموع أفراده، لتعرّفه على خلافاته ومشتركاته، على ألوانه وأطيافه. ولا شكّ أن عملية الاكتشاف والتعرّف هذه، على مشكلاتها، وتداعياتها، هي نقيض حالة الاغتراب والانغلاق والتجاهل والتنميط السابقة، التي كان يفرضها النظام الاستبدادي لتكريس هيمنته على المنقسمين.

وربما أن حالة الاكتشاف والتعرّف قد تشكّل في المرحلة الأولى نوعاً من صدّ، أو نوعاً من صدمة وتوجّس، لكن تلك هي الأعراض الأولى لإيجاد المشتركات وصوغ التفاهمات والإجماعات وتشكيل الشخصية أو الهوية الوطنية، بتنوعها وتعدّديتها. لكن هذا الأمر لا ينبغي أن يترك للأهواء والتقلّبات السياسية وإنما ينبغي أن يسند بأفضل ما وصل إليه العقل البشري بخصوص بناء التنظيمات السياسية والاجتماعية.

وقصارى القول فإن النظام الديمقراطي هو الشكل الأنسب الذي يمكن أن ينظم الاختلافات ويقوننها، ويضمن حلها بالوسائل القانونية وعبر الأطر الشرعية، على أن يأتي محملا بالمفاهيم الليبرالية، التي تعنى بمسألة الحرية، بما فيها حرية الرأي والتعبير والفكر وحرية المرأة والاحتكام للدستور والمساواة أمام القانون.

فهكذا نظام هو الذي يكفل عدم وجود أكثريات وأقليات على أساس هويات فرعية، دينية أو إثنية، لأن الأكثريات والأقليات فيه تتعيّن بحسب المصالح الاقتصادية الطبقية والتوجهات السياسية والفكرية، وفي إطار من التداول السلمي للسلطة.

لكن ما يجب إدراكه في هذا المجال أن الديمقراطية الليبرالية تلك لا يمكن أن تتحقق قبل قيام المواطن، وقبل قيام المجتمع والدولة، وهذا ما تحاول الثورات الحاصلة التأسيس له.

الثورات هي بمثابة مسار إجباري، قد تتخلله انكسارات أو نكسات، لكنه مع ذلك يظلّ مساراً ضرورياً لقيام الشعب والدولة والمواطن الحر

بمعنى آخر، فإن هذه الثورات هي بمثابة مسار إجباري، ربما يكون طويلاً ومتعرّجاً ومؤلماً، وقد تتخلله انكسارات أو نكسات، لكنه مع ذلك يظلّ مساراً ضرورياً لقيام الشعب والدولة والمواطن الحرّ. وبعد ذلك، فقط، أي في هذا المختبر، وفي معمعانه، سيأتي تحديد شكل النظام السياسي، بعد ذلك ستأتي مسائل الحداثة والتنوير والديمقراطية، وليس قبله، وهذه نقطة في غاية الأهمية في إدراك مغزى الثورات الراهنة.

وفي كل الأحوال فقد أثبتت تجربة العقود الماضية بأنه من دون كسر هذا الانغلاق الذي تشكله أنظمة الاستبداد والفساد الشمولية، والتي حجزت مجتمعاتنا ودولنا خارج التاريخ، لا يمكن أن يحصل أي تطور سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وعلمي في بلداننا.

أما بالنسبة إلى محاولات البعض إدارة الظهر لثورات الشعوب العربية، أو التشكيك بشرعيتها ومقاصدها ومآلاتها، بدعوى تخلّف هذا الشعب أو ذاك، أو بدعوى فوضويته، أو تدنّي مستوى مداركه واضطراب شعاراته، فهذه كلها مجرّد ادعاءات تحاول تبرير واقع الطغيان وحجب الظلم والاضطهاد وإضفاء نوع من المشروعية والمعقولية عليه، باعتبار أن «ليس بالإمكان أفضل مما كان».

هذا لا يعني أن الثورات فوق النقد، بل إن النقد بالذات هو عملية ضرورية وحيوية لتصحيح مسار الثورة وترشيد وسائلها وتقويم ممارساتها: فالثورة التي تنطلق لنقد الواقع القائم تنتج نقدها أيضا.
لكن ميزّة هذا النوع من النقد، عن غيره، أنه ينطلق من مشروعية الثورة باعتبارها ممراً إجباريا، على مشكلاتها ونواقصها، للخروج من الانسداد المحكم، الذي أعاق تطوّر الدولة والمجتمع والإنسان والفكر والسياسة والاقتصاد والفن في مجتمعاتنا، والذي تتحمّل مسؤوليته نظم الاستبداد الخاوية، والتي اشتغلت على نهب ثروات البلاد والعباد وهدرها.

ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أن الثورات هي عملية صعبة ومعقّدة وطويلة، وأنها تحتاج إلى مواكبة نقدية جدية ومسؤولة، فالثورة ليست بمثابة عملية انقلابية تغيّر في أسابيع أو في أشهر واقعا له من العمر عدة عقود، وربما عدة قرون.

على ذلك فإن ما تعانيه الثورات، في بعض البلدان العربية من مشكلات وتحديات، لا يقلّل من أهميّتها ولا من شرعية قيامها، ولا من قيمتها التاريخية. بل ربّما أن هذه المشكلات والتحديات هي التي تؤكّد على الثورة كضرورة تاريخية، باعتبارها ممراً إجبارياً نحو التغيير، في واقع يسوده نوع من أنظمة شمولية مغلقة، تغوّلت على الدولة والمجتمع، طوال عقود مديدة.

الأخطار والتخوّفات والتحدّيات هي من طبيعة الثورة ذاتها، وجزء من ثمن التغيير والارتقاء، وولوج عالم الحداثة، ومحاكاة العالم، في سبيل الحرية والكرامة والعدالة

وهنا يجب إدراك حقيقة أساسية مفادها أن هذه الأخطار وتلك التخوّفات والتحدّيات إنما هي من طبيعة الثورة ذاتها، وجزء من ثمن التغيير والارتقاء، وولوج عالم الحداثة، ومحاكاة العالم، في سبيل الحرية والكرامة والعدالة، فلكل شيء ثمن.

هكذا، وبما يتعّلق بالثورات العربية، لندع السياسة والثقافة والتحفّظات والمزايدات والمواربات جانباً، ولنقلها بصراحة وبجرأة: هذه ثورات من أجل الحرية والكرامة، من أجل التحول من "رعية" إلى مواطنين أحرار، لذا فإن هذه الثورات الشعبية هي ثورات أخلاقية، وتستدعي الحساسية الأخلاقية أساساً، أما السياسة وباقي مستلزماتها فستأتي فيما بعد.

قصارى القول، فإن مجرد نزول الناس في بعض البلدان العربية إلى الشوارع تحت شعار «الشعب يريد» هو ثورة. ووعي الأفراد حقّهم في الحرية والمواطنة هو ثورة. ووعي المواطنين لذواتهم باعتبارهم شعباً على الضدّ من الانتماءات العشائرية والإثنية والمذهبية والطائفية هو ثورة. وإسقاط طبقة حاكمة مستبدة منذ عقود هو ثورة. وإذا كان هذا كله ليس ثورة، فما هي الثورة إذاً؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة