ما الجديد في "جهاد" القرضاوي؟   
الأحد 30/9/1430 هـ - الموافق 20/9/2009 م (آخر تحديث) الساعة 8:44 (مكة المكرمة)، 5:44 (غرينتش)
راشد الغنوشي


مقدمة
تأتي أهمية ندوة "تجديد التفكير في الجهاد" التي عقدها "مركز الدراسات المتقدمة للعالم العربي بجامعة أدنبرا بين 7-9 سبتمبر/أيلول:

أ- من انصبابها على أخطر مسألة في الفكر الإسلامي الحديث، مسألة "الجهاد" لما تحتله من مكانة في بنية الإسلام باعتباره "ذروة الإسلام وسنامه"، حيث تصطرع فيها داخل الإسلام وخارجه رؤى ومواقف شديدة التباين، ذات الأثر الأعظم على جملة العلاقات الدولية، بسبب الدور المتنامي للإسلام في العلاقات الدولية فضلا عن أثر هذه الرؤى على اتجاهات المسلمين في مستوى علاقاتهم فيما بينهم وفيما بينهم وبين حكوماتهم وفي علائقهم مع غير المسلمين وذلك بالنظر لما يشهده الإسلام من صحوة على امتداد الوجود الإسلامي سواء في المستوى العقدي أم في مستوى القيام بالشعائر، في اتجاه الارتباط المتزايد بين الإسلام كدين(عقائد وشعائر وأخلاقيات) وبين كونه أيديولوجيا ذات تأثير كبير على جملة أفكار ومسالك المسلم الاجتماعية والسياسية مما يسمى الإسلام السياسي حيث يحتل الجهاد القلب من هذا المفهوم.

"
الجهاد ليس وحده هو الذي يحظى اليوم بالاهتمام الأكبر من طرف الجامعات ومراكز البحث بتمويل حكومي، بل كل ما يتعلق بالإسلام، ولكن هل باعتباره خطرا داهما؟ أم باعتباره أملا واعدا؟ وارد كل ذلك
"
ب- كما تأتي من انعقادها في قلعة تاريخية من قلاع الاستشراق بجامعة أدنبرا حيث شارك أكثر من خمسين باحثا، قدموا من بلاد وديانات واهتمامات مختلفة أكاديمية وعسكرية وأمنية وإعلامية وسياسية، ما يؤكد الاهتمام الغربي المتزايد بالحضارة الإسلامية وبلغتها العربية، وبالإسلام عامة وبالجهاد خاصة، ما مكانته في بنية الإسلام حسب مختلف مدارس الإسلام قديمها وحديثها؟ هل الأصل فيه جهاد النفس؟ هل المقاطعة الاقتصادية منه؟ ما مدى استخدام جماعات الجهاد للوسائل الحديثة كالإنترنت؟ الأمر الوحيد الذي لم يحظ بما يستحق من الاهتمام هو دور السياسات الغربية في تفجير شتى ضروب الجهاد المشروع وغير المشروع من مثل احتلال بلاد إسلامية ودعم الاحتلال الصهيوني ودعم الأنظمة الدكتاتورية، والتهميش المسلط على الشباب الإسلامي في الغرب، حتى ظل السياسيون البريطانيون يصرون على استبعاد أي ربط بين غزوهم الظالم للعراق وما ارتكبه بعض الشبان من عمل إرهابي، وحده الدكتور طارق رمضان نبه إلى ذلك، كما كان إسهام د. الهلباوي متميزا، بينما اقترح باحث خليجي إحياء عقائد الإرجاء بسبب فصلها بين الاعتقاد والعمل بما يمكن للمؤمن أن يكون صالحا بصرف النظر عن عمله!.

غير أن الجهاد ليس وحده هو الذي يحظى اليوم بالاهتمام الأكبر من طرف الجامعات ومراكز البحث بتمويل حكومي، بل كل ما يتعلق بالإسلام، ولكن هل باعتباره خطرا داهما يجب البحث عن أسباب توقيه وتحييده؟ أم باعتباره أملا واعدا يمكن أن يعيد المعنى والأخلاق لسياسات ولنفوس خلت منهما؟ وارد كل ذلك.

ج- كما تأتي أهمية الندوة المذكورة من المكانة التي كانت للشيخ يوسف القرضاوي فيها بما يمثله في الإسلام المعاصر وفي عموم الحركات الإسلامية، من سلطة علمية وروحية، بإنتاجه الغزير والمتميز في مختلف حقول المعرفة الإسلامية، لا سيما وهو رأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وأبرز وجه إعلامي إسلامي (يتابع أكثر من ستين مليونا برنامجه الأسبوعي في الجزيرة الشريعة والحياة) فكان مفهوما أن تخصص هذه الندوة لعمله الأخير الضخم "فقه الجهاد"، بحثين قدم أحدهما الباحث الأميركي شارمان جاكسون، دار حول آية السيف وانتهى إلى إقرار نفس النتائج التي انتهى إليها الشيخ، كما سنعرضها. والبحث الثاني كان بعنوان "الجديد في جهاد القرضاوي" قدمه صاحب هذه المقالة. والملاحظ أنه مع حضور يهودي في الندوة، فقد مرّ دون ضجة إيراد الباحث موقف القرضاوي المدافع عن العمليات الاستشهادية والمؤكد على رفض الصلح مع إسرائيل واعتبار إسرائيل العقبة الكبرى في علاقة الإسلام بالغرب، بل عبرّ باحثون عن تعاطفهم مع المقاومة الفلسطينية.

سيتجه عرضنا لهذا العمل الضخم "فقه الجهاد: دراسة مقارنة لأحكامه وفلسفته في ضوء القرآن والسنة" إلى إبراز الصورة العامة للجهاد في الإسلام كما تجلت للشيخ القرضاوي من خلال نصوص الكتاب والسنة متفاعلة مع المنظومة التفسيرية والفقهية كما تجلت للشيخ في سياقاتها التاريخية التي ولدت فيها، ومن خلال أحوال الأمة الإسلامية الراهنة وهي تخوض صراعات كبرى داخلها مع قوى الاستبداد ومع القوى الخارجية، في ظل:

أ- موازين للقوة مختلة لصالح الأعداء، ما يستدعي إلى نفوس فئات في الأمة تعيش صحوة واسعة أصلب صور الجهاد وخصوصا فئة الشباب، مما أهدر طاقات كبيرة وخوّل المتربصين بالإسلام أسلحة ماضية للحرب على الإسلام وأمته وأقلياته.

ب- ثقافة معاصرة تمجّد قيم الحرية، مما لا يملك الإسلام إلا أن يرحب بها.

ج- قانون دولي يعترف بحدود للدول ويقصر مشروعية الحرب على ممارسة حق الدفاع.

في هذه السياقات كلها تشكلت صورة الجهاد لدى القرضاوي، وما يهمنا ليس تفاصيلها وإنما المشهد العام، وما هو جديد في هذه الصورة؟ وخصوصا ما له علاقة بالقضايا الكبرى مثل علاقة الجهاد بقضايا الحرية، وبعلاقات المسلمين مع غيرهم داخل المجتمع الإسلامي وخارجه، وأسس المنهج المتبع في هذه الدراسة، وما الجهاد؟ أنواعه ومراتبه، وما أهدافه؟ الجهاد بين الدفع والطلب، دار الإسلام ودار الكفر، ما هي أخلاقيات الجهاد في الإسلام من مثل حكم الأسير؟ واستخدام أسلحة الدمار الشامل، الجهاد داخل الأمة.

"
طور القرضاوي في الإسلام المعاصر نظرية محورية يصدر عنها في كل رؤاه ومواقفه وجدّ في الدعوة إليها والشهادة لها وتوسيع مجراها وتهميش ما يخالفها، وقد دعاها الوسطية الإسلامية 
"
مسائل تتعلق بالمنهج:
لقد طور القرضاوي في الإسلام المعاصر نظرية محورية يصدر عنها في كل رؤاه ومواقفه وجدّ في الدعوة إليها والشهادة لها وتوسيع مجراها وتهميش ما يخالفها، قد دعاها الوسطية الإسلامية، استلهمها من الآية 143 من سورة البقرة "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" فهو يعرض الإسلام باعتباره موقفا وسطا بين أطراف متصالبة متناقضة فهو الوسط الجامع والمجرى الكبير، وسط بين المادية والروحية وسط بين الفردية والجماعية وسط بين المثالية والواقعية، وسط بين الحرفية وبين التفلت من النصوص باسم الفهم المقاصدي...إلخ. ومن هذا المنظور الوسطي يعرض جملة اجتهاداته في كل جوانب الفكر الإسلامي ومنها جملة اجتهاداته في موضوع الجهاد، كما كشف عنها في مؤلفه هذا، أضخم وأهم أعماله حتى الآن -بارك الله له في عمره- دراسة وصفها صاحبها "بأنه تعب فيها مباشرة لعدة سنوات وشغلته لعقود "فعرض في مجلدين (1429 صفحة) -من منظوره للوسطية- ما توصل إليه من مواقف ونتائج في هذه القضية المحورية، شاقا وسط الأشواك والصخور لنظريته في الجهاد مجرى واسعا يأمل أن يسهم به في تشكيل الإجماع حول هذه المسالة الخطرة، كما فعل في مسائل أخرى فـ"من الخطر والخطل أن يفهم الجهاد على غير وجهه وتستباح باسمه دماء معصومة وتستحل به حرمات وأموال بغير حق ويتهم بسبب ذلك المسلمون والإسلام بالعنف والإرهاب والإسلام بريء كل البراءة من هذا الاتهام.. ولكن مشكلتنا في مثل هذه القضية الكبرى أن الحقيقة تضيع فيها بين طرفي الإفراط والتفريط".

حدد المؤلف في المقدمة الأسس التي أسس عليها بناءه الضخم، فهي:

أ- "الاعتماد أساسا على القرآن الكريم باعتباره النص القطعي في ثبوته بالتواتر اليقيني فهو الحجة على كل المصادر الأخرى بما فيها السنة النبوية ويفهم بحسب منطق لغته الأصلية العربية دون تعسف وعلى اعتبار أن كل نصوصه نزلت ليهتدى ويعمل بها، فكل ما في المصحف معمول به غير منسوخ.. ولهذا توقفنا طويلا عند قول من قال إن هناك آية في القرآن سموها آية السيف نسخت مائة وأربعين آية أو أكثر.. اختلفوا في تعيينها "ويكاد المؤلف يتفق مع علماء سابقين ومعاصرين في إبطال مسألة النسخ في القرآن، أو تضييقها إلى أبعد حد، بما يحفظ لكل آي الكتاب وقارها وقداستها والحاجة إلى إعمالها في سياقها اللائق بها، فتتكامل وتتساند، بدل أن تتعارض وتتساقط، بما يسحب من أيدي المتشددين سلاحا بتارا قطعوا به رؤوس مئات الآيات الداعية للرفق والعفو ولاعتماد الحكمة والموعظة الحسنة، مما هو الأصل في تعامل دين جاء لهداية الناس، مسلمين وغيرهم، تمييزا في صفوف هؤلاء بين قلة معتدية حاقدة ظالمة، حقها الدفع بالجهاد وبين كثرة مسالمة حقها البر والقسط.

ب- اعتماد السنة الصحيحة التي لا تعارض ما هو أقوى منها كالقرآن. فقد ضعّف القرضاوي مثلا حديث "بعثت بالسيف" وأحاديث أخرى، معتمدا نهج المحدثين في الجرح والتعديل. أما الحديث الصحيح الذي وصفه بالمظلوم، حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" فقد حمله –على غرار سلف له من العلماء- على أنه لفظ عام أريد به خصوص مشركي العرب المعتدين، وهو معتاد في منطق اللغة التي تكلم بها النبي عليه السلام ونزل بها القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم" (آل عمران/173) الناس هنا لفظ عام مراد به قوم مخصوصون من مشركي العرب المتربصين.

ج- الاغتراف من بحر الفقه كله دون تحيز لفقه مذهب دون مذهب، ودون اقتصار على المذاهب المشهورة، معتمدا منهج المقارنة والتحليل والنقد والترجيح، مميزا بين الفقه والشريعة. الشريعة وضع إلهي والفقه عمل العقل في استنباط أحكام الشريعة. والفقه الحق ليس النقل من الكتب بل اجتهاد الفقيه لزمانه ومكانه، فإن ما يصلح لعصر قد لا يصلح لغيره، لا سيما وأن التغير في زمننا صار كبيرا. (فقه الجهاد)

د- اعتماد منهج المقارنة بين الإسلام وغيره من الديانات والقوانين.

هـ- الربط بالواقع المعاصر: فعلى الفقيه المسلم إذا تحدث عن الجهاد أن يدرك الثوابت في هذه القضية من مثل سنة التدافع وفرضية إعداد القوة المستطاعة لإرهاب أعداء الله ووجوب قتال من بقاتل المسلمين وتحريم الاعتداء... ولكن هناك متغيرات مثل استنكار الحروب والرغبة في السلام وظهور قوانين دولية ومواثيق حقوقية إنسانية ونظام الأمم المتحدة واحترام سيادة الدول. وفي هذا الصدد يقول صاحب فقه الجهاد "إننا نستطيع أن نعيش في ظل إسلامنا في عالم ينادي بالسلام لا الحرب وبالأمان لا الخوف، وبالتسامح لا التعصب وبالحب لا بالكراهية... نستطيع أن نعيش مع الأمم المتحدة والقوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان وجماعات حماية البيئة. والحق أن مشكلتنا الكبرى مع إخواننا المتشددين الذين أغلقوا على أنفسهم النوافذ وأصروا على وجهة نظر واحدة. آفتهم أنهم يحيون في الماضي لا في الحاضر في الكتب لا في الواقع".

"
من معالم منهج الوسطية في الفقه تجديد الدين من داخله فنجتهد لعصرنا كما اجتهد علماؤنا السابقون لعصرهم وأن نفهم النصوص الجزئية في إطار المقاصد الكلية وأن نشدد في الأصول ونيسر في الفروع وأن نتلمس الحكمة من أي وعاء خرجت ونلائم بين متغيرات العصر وثوابت الشرع
"
و- تبني منهج الوسطية "وهو منهاجنا في الدعوة والتعليم والإفتاء والبحث والإصلاح والتجديد. ومن معالم هذا المنهج في الفقه تجديد الدين من داخله فنجتهد لعصرنا كما اجتهد علماؤنا السابقون لعصرهم وأن نفهم النصوص الجزئية في إطار المقاصد الكلية وأن نشدد في الأصول ونيسر في الفروع وأن نتلمس الحكمة من أي وعاء خرجت ونلائم بين متغيرات العصر وثوابت الشرع".

ويمكن من خلال دراسة "فقه الجهاد" الاستنتاج بيسر حرص صاحبه على ألا يبرز في الساحة لوحده ، منفردا بموقف دون بقية الفقهاء بل هو شديد الحرص أن يوقف إلى جانبه باستمرار علماء فطاحل قدامى ومعاصرين، حتى وإن كانت آراؤهم لم تلق رواجا في زمنهم، فتركت، أو ظلت مجهولة، فينفض عنها الغبار ويلقي عليها الضوء ويعيد عرضها في ثوب قشيب، باعثا فيها حياة جديدة.

كما هو حريص على تعزيز مواقفه بما يتساوق معها من قيم وخبرات الثقافة المعاصرة مستفيدا من تبحره وغوصه في أعماق وأرجاء مصادر الثقافة الإسلامية واطلاعه على الثقافة المعاصرة، صانعا من كل ذلك صورة جديدة متماسكة، أصيلة ومعاصرة للجهاد الإسلامي تتمتع بمساحة اشتراك واسعة مع السائد من ثقافة معاصرة حول الحرب والسلم.

الجديد فيها ليس الأجزاء، فمعظمها موجود في كنوز التراث إلا أنه متناثر ومجهول، وإنما الجديد الصورة، بحد ذاتها، وهو ما يجعل هذا العمل ساحة لقاء ووفاق، تجد فيه كل الأطراف أو قل معظمها بعض ما هو مألوف لديها بما يسهّل عليها قبول ما هو غير مألوف، وتلك تقاليد عريقة لدى فطاحل علماء السنة أنهم صناع الإجماع في الأمة.

ولذلك لم يكن المؤلف مبالغا في تقدير كتابه هذا أنه يمثل حاجة شديدة لفئات واسعة: الشرعيين والحقوقيين والإسلاميين والمؤرخين والمستشرقين والحواريين والسياسيين والعسكريين وجمهور المثقفين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة