ماذا بعد الاستفتاء البريطاني؟   
السبت 1437/9/21 هـ - الموافق 25/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:33 (مكة المكرمة)، 13:33 (غرينتش)
أماني السنوار
ماذا بعد الانسحاب مباشرة؟
ابتزاز اليمين
السلام والأمن والتسامح الدولي
المستقبل السياسي بدون بريطانيا

صوتت غالبية بلغت 52% من الناخبين البريطانيين لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في استفتاء الثالث والعشرين من يونيو/حزيران، وهي نتيجة لم يكن يأملها رئيس الوزراء ديفد كاميرون، صاحب فكرة الاستفتاء الذي استمات في إقناع الشارع البريطاني بضرورة البقاء داخل منظومة الاتحاد، إلى حدّ إطلاقه تصريحات فاقعة من قبيل أن الانسحاب قد يؤدي إلى "حرب عالمية ثالثة".

لكن كاميرون الذي كان قد وعد بتنفيذ الاستفتاء قبل نهاية عام 2017، تعمّد تقديم موعده إلى يونيو/حزيران، مؤملاً أن يقطف ثمرة الاتفاق الذي أبرمه مع الاتحاد خلال قمة بروكسل في فبراير/شباط الماضي.

ويبدو أن القادة الأوروبيين أنفسهم كانوا يشاطرون كاميرون تعليق الآمال على نجاح الاتفاق في استعادة ثقة البريطانيين بالمنظومة الأوروبية؛ إذ منحوا بريطانيا ما لم يمنح لأي دولة عضو من قبل، ضمن نقاط تمحورت حول: الهجرة والرعاية الاجتماعية، منطقة اليورو، التنافسية التجارية، وأخيرا الملف الأهم حول السيادة.

ورغم المحفّزات التي مُنحت لدولة طالما نظرت باستعلاء لفكرة القرار الأوروبي المشترك، وكبحت كثيرا من مشاريع التكامل، أو اختارت أن تبقى خارجها (لم تدخل منطقة اليورو ولا فضاء شنغن)، فقد انتصر مؤيدو الهوية البريطانية "المستقلة"، وانفتحت التكهنات حول مستقبل الاتحاد الأوروبي فيما بعد الاستفتاء.

وقد تأثرت التكهنات التي مالت نحو التشاؤم ووصلت إلى حدّ التنبؤ بتفكك الاتحاد، بالهزّات الأولية التي منيت بها الأسواق الأوروبية، وزاد منها ضخ التصريحات اليمينية التي سارعت إلى التلويح بانسحابات أوروبية أخرى، لكنه لا يبدو من الموضوعي محاكمة مستقبل الاتحاد بناء على هذه التصريحات أو التوقعات، التي لم تخرج في مجملها عن إطار التوظيف السياسي واستثمار اللحظة لخدمة أجندة سياسية مسبقة.

 

نتيجة التصويت لن تعني الخروج الفوري من الاتحاد، إذ ستبقى معاهداته وقوانينه ملزمة لبريطانيا وستبقى امتيازاته أيضا متاحة لها فيما عدا المشاركة في صناعة القرارات

ماذا بعد الانسحاب مباشرة؟
من المهم التأكيد على أن نتيجة التصويت لن تعني الخروج الفوري من الاتحاد، إذ ستبقى معاهداته وقوانينه ملزمة لبريطانيا وستبقى امتيازاته أيضا متاحة لها -فيما عدا المشاركة في صناعة القرارات- إلى حين اكتمال المسار القانوني الذي أشارت إليه المعاهدات التي حددت السقف الأدنى لمفاوضات الانسحاب بعامين قابلين للتمديد.

سيتعين على البريطانيين خوض مفاوضات قاسية مع الاتحاد الأوروبي على مستقبل العلاقة القادمة بينهما، وستصاغ تلك العلاقة ضمن "اتفاقية الانسحاب"، وستحدد في أي مشاريع التكامل الأوروبية سترجّح بريطانيا البقاء وتحت أي ظرف. وسيحكم هذه المفاوضات ثلاثة عوامل حاسمة:

الأول: أن مسار الخروج هو باتجاه واحد، فبمجرد إحراز المصادقة المتوقعة لمجلس العموم البريطاني على نتائج الاستفتاء، وتقدُّم بريطانيا بطلب خروج رسمي إلى المجلس الأوروبي، فإنه لا عودة عن هذا المسار.

الثاني: أن الاتحاد الأوروبي سيكون المسؤول عن الجدول الزمني للتفاوض، وسيكون البرلمان الأوروبي مسؤولاً عن الموافقة على اتفاقية الانسحاب وتحويلها إلى التصديق النهائي أمام المجلس الأوروبي بالأغلبية المؤهلة.

الثالث وهو الأهم: لن تكون هناك فرصة لاستفتاء بريطاني على "اتفاقية الانسحاب"، إذ سيسعى الجانب البريطاني لتحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب، لكن الكلمة الفصل ستكون للاتحاد الأوروبي.

 

لن تكون هناك فرصة لاستفتاء بريطاني على "اتفاقية الانسحاب"، إذ سيسعى الجانب البريطاني لتحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب، لكن الكلمة الفصل ستكون للاتحاد الأوروبي

ابتزاز اليمين
سنوات التفاوض التي يرى بعض المحللين والاقتصاديين أنها قد تطول لتصل إلى ما بين 7 و10 سنوات، ستفتح شهية أحزاب اليمين واليمين المتطرف الآخذة في الصعود في أوروبا لزيادة مكاسبها في الشارع، وهذا ما تكشّف منذ اللحظة الأولى لنتائج الاستفتاء في تصريحات زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا مارين لوبان، والنائب في حزب "الحرية" اليميني الهولندي غيرت فيلدز، التي ركّزت على فكرة "الاستقلال" عن بروكسل، واقترحت تنفيذ استفتاءات على مصير دولتيهما داخل الاتحاد.

هذا التوجّه عكسته أيضا تصريحات رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، الذي كان أول من كسر التوافق الأوروبي وأغلق حدود بلاده أمام المهاجرين، إذ قال إن ملف الهجرة هو السبب الرئيس وراء خروج بريطانيا، في محاولة لابتزاز القادة الأوروبيين من أجل تعديل لوائح الهجرة واللجوء.

كما عكست تصريحات أوروبية أخرى الخشية من لجوء بعض الدول إلى التلويح بإجراء استفتاءات شبيهة لابتزاز الاتحاد من أجل الحصول على "وضع خاص" داخله.

السلام والأمن والتسامح الدولي
مما لا شك فيه، أن كلًّا من بريطانيا والاتحاد الأوروبي سيشهدان بعد الاستفتاء هزات اقتصادية ملموسة إلى جانب حالة من عدم اليقين.

وعلى المدى القريب، ستطغى أسئلة الانسحاب وسيناريوهاته على دعوات الإصلاح، وستتحول الحصص المالية المخصصة لبرامج استيعاب المهاجرين إلى قضايا للنقاش الداخلي، وستضع أوروبا كثيرا من الملفات الدولية والإقليمية على الرف، مقلصة حضورها كلاعب متوازن، في ظرف شديد الحرج، لا سيما إن صدقت التنبؤات بفوز المرشح الأميركي دونالد ترامب.

 

ستطغى أسئلة الانسحاب وسيناريوهاته على دعوات الإصلاح، وستتحول الحصص المالية المخصصة لبرامج استيعاب المهاجرين إلى قنوات أخرى تقلل من ابتزاز حكومات وبرلمانيي اليمين

انشغال أوروبا بمعالجة ارتدادات الانسحاب البريطاني، سيضعف من حالة السلم والاستقرار في المنطقة والعالم. وإن كانت علامات الاستفهام لم تحسم بعد حول نجاعة دور أوروبا كلاعب دولي مؤثر.

لكن التاريخ يسجّل للقوة الناعمة المنضوية تحت إغراء التكامل الأوروبي، قدرتها على إرساء الديمقراطية في جنوب غرب أوروبا والجمهوريات السوفياتية السابقة خلال الثمانينيات والتسعينيات، ومنع وقوع مزيد من الاحتراب والتشظي في البلقان خلال النصف الثاني من التسعينيات، وإعطاء فرصة لإصلاحات جذرية تاريخية لدولة مثل تركيا قبل عقد من الزمن، ودولة مثل أوكرانيا في الماضي القريب جدا.

ولعل النظر في مواقف الدول المستفيدة من تراجع الدور الأوروبي يعزز من هذه الحجة، ففي روسيا رياح تشفٍّ واضحة وأمل في حلحلة قبضة العقوبات الأوروبية على موسكو، لعلّ الأخيرة تستعيد قواها لتصرفها على مزيد من التدخل والانتهاكات الصارخة في سوريا، وربما محاولات إشعال الملف الأوكراني من جديد.

وعلى الضفة الأخرى نجد إسرائيل، التي يُظهر محللوها بجرأة تتجاوز تحفظ السياسيين رغبة إسرائيلية قديمة متجددة في اضمحلال الدور الأوروبي في الصراع مع الفلسطينيين، لا سيما أن الاتحاد قد وجّه لإسرائيل في العام الأخير ضربات موجعة على صعيد عزل سياسة الاستيطان، وتسويقها كعلامة سيئة الصيت دوليا.

 

نظرت بريطانيا إلى أوروبا كسوق تجارية موحدة، أكثر من كونها مشروع تكامل يمتد نحو السياسي والثقافي والأمني، إذ كانت المملكة المتحدة في طليعة الدول التي قاومت نقل المزيد من الصلاحيات الوطنية إلى مؤسسات الاتحاد

المستقبل السياسي بدون بريطانيا
تناغمت تصريحات رؤوس المؤسسات الأوروبية، بضرورة الشروع الفوري في مفاوضات الانسحاب، بهدف تقليص فترة عدم اليقين إلى أدنى حد.

ويبدو أن منظومة التكامل الأوروبية لا تريد الالتفات كثيرا إلى الخلف نحو معطِّلها التقليدي وهو يدير ظهره مقررًا الرحيل، وهو الذي طالما لم يرغب في مشاطرة أقرانه الأوروبيين نظرتهم نحو فلسفة الاتحاد.

فعلى مدار العقود الأربعة الماضية، نظرت بريطانيا إلى أوروبا كسوق تجارية موحدة، أكثر من كونها مشروع تكامل يمتد نحو السياسي والثقافي والأمني، إذ كانت المملكة المتحدة في طليعة الدول التي قاومت نقل المزيد من الصلاحيات الوطنية إلى مؤسسات الاتحاد.

وقد دافعت بشراسة من أجل نقض فكرة التصويت بالإجماع مرسّخة مبدأ الأغلبية الذي فتح باب المناورة، كما دعمت موجات توسّع الاتحاد معوّلة على إنهاء فكرة تحوله يوما ما إلى فدرالية أوروبية، وقاومت حتى المصادقة على معاهدة "ماستريخت" التي كانت الجسر الذي نقل أوروبا من التكامل الاقتصادي نحو أبعاد أوسع من التعاون بمعانيه المختلفة.

هذا السلوك البريطاني الذي يوصَف بالمعطّل داخل مؤسسات الاتحاد يشكّل التحرر الأوروبي منه على المدى المتوسط والبعيد رافعة نحو مزيد من التكامل الأوروبي لا سيما على صعيد السياسة الخارجية والأمنية المشتركة، وهو مسار تدعمه كل من ألمانيا وفرنسا صاحبتي أقوى اقتصادين في الاتحاد، وأقوى كتلتين تصويتيتين في البرلمان، وأكثر دبلوماسية مسموعة الكلمة بين بقية الدول الأعضاء.

إذ إنّ أهمية تطوير سياسة خارجية وأمنية مشتركة ليست ترَفًا بالنسبة لأوروبا، لا سيما أن الأزمات الأخيرة كمشكلة أوكرانيا، والأزمة السورية، وصعود تنظيم الدولة، كشفت أنواعًا من القصور السياسي والأمني في التأثير السريع أو الفعال بأزمات وصل أثرها إلى قلب القارة وهدّد أمنها واقتصادها في العمق، مما أعاد التأكيد على عجز التكامل الاقتصادي وحده عن صيانة رفاهية وأمن أوروبا.

 

فرضية انسحاب بقية أعضاء الاتحاد كأحجار الدومينو لا تبدو مرجّحة في ظل الفاتورة الباهظة للانسحاب، التي لا تقوى عليها العديد من الدول، لا سيما دول الشرق

وفي السياق المتوسط والبعيد كذلك لا يبدو الانسحاب البريطاني مهددا حتميا لفكرة التكامل، إذ من غير المرجّح أن يقود تقدّم اليمين في فرنسا، حال حدوثه، إلى تنكر للمشروع الأوروبي، بل سيتركز أثره على تحقيق مكاسب وطنية، دون أن يمتد لضرب الاتحاد من العمق الفرنسي، وهي الدولة التي تنافس على المقعد الأول في ريادته، وتمتلك موروثا ونظرة تاريخية عريقة له على خلاف الحال في بريطانيا.

أما فرضية انسحاب بقية أعضاء الاتحاد كأحجار الدومينو فلا تبدو مرجّحة أيضا في ظل الفاتورة الباهظة للانسحاب، التي لا تقوى عليها العديد من الدول، لا سيما دول الشرق التي ما زالت بالمجمل تتلقى مساعدات مجدولة من الاتحاد الأوروبي، إذ لن تُسعف هذه الدول إرادُتها السياسية (أو الشعبية مشفوعة باستفتاء) من أجل الصمود في مفاوضات الانسحاب الصارمة مع الكتلة الأوروبية.

ختامًا، إن نجح الاتحاد في تقليص مرحلة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي، والعبور سريعًا نحو مرحلة ما بعد بريطانيا، فسيتحرر من كثير من العصي في الدواليب، وسيحظى بفرص أوفر للوصول إلى سياسات خارجية وأمنية أكثر تكاملًا واتساقًا.

سيوفر الأوروبيون مليارات الدولارات المبّددة بسبب تشتت أو عدم اتساق سياساتهم الخارجية، وسيُمكنهم تحويلها نحو قنوات الرفاهية والرعاية الاجتماعية التي يُتهم الاتحاد دومًا بإهمالها، وبذلك ستكون أوروبا قد قطعت شوطًا هامًّا في حل لغز السياسة الخارجية والأمنية الذي استعصى لسنوات، مما سيساهم في ترسيخ الاتحاد الأوروبي كلاعب دولي مؤثر وفعال، عبر تثبيت رأس سياسي ذكي ومتّسق للجسد الاقتصادي الأضخم في العالم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة