الخليج العربي ومواسم إيران الأميركية   
الأربعاء 1432/12/21 هـ - الموافق 16/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 21:29 (مكة المكرمة)، 18:29 (غرينتش)
مهنا الحبيل

بالنسبة لنا في تيار الاستقلال العربي الذي يرى مصالح الأمة في رؤيتها الإستراتيجية المستقلة عن واشنطن وطهران، لم يكن تصنيفي للجمهورية الإيرانية كخصم باشر تنفيذيا مهام معادية للأمة العربية وتحالفات إستراتيجية على الواقع، وليس إعلاميا يخضع في يومٍ من الأيام للموقف الأميركي أو حفلات الردح الإسرائيلية وتقاطعاتها الخليجية التي لطالما صعدت على السطح الإعلامي والسياسي عن الملف النووي دون أي مواجهة حقيقية، وهي الدورات التي يُستنزف بها العرب لتغطية جرائم تل أبيب أو تصعيد ملفات التفاوض الأميركية مع إيران التي شكا من عزلهم عنها وزراء الخارجية لدول الخليج العربي!!
 
مثقفو الدفاع عن إيران
ولذلك كان من الطبيعي أن نتوقف كواجب عربي وإسلامي أمام ما تطرحه واشنطن من اتهامات أو سيناريوهات محددة لحصد مواقف ودعم مادي وإستراتيجي لمشروعها مع إيران، الذي لم ينطلق أساساً إلا لمصالحها القومية فقط وليس لأي اعتبارات أمنية أو دبلوماسية جرت على أرضها أو خارجها، وفي المقابل قدّمت لنا دورات الربيع العربي ووصولها لسوريا بالذات صورة مهمة في مركزية الأزمة لدى تيار الدفاع عن إيران، بعد شراكتها المباشرة في قمع الثورة السورية من الطيف القومي واليساري، وليس المقصود ما أطلق عليه ثوّار سوريا فريق (التشبيح) السياسي في لبنان فهذا الفريق أضحى جزءًا من التركيبة الأمنية لنظام دمشق.
 
"
قدّمت لنا دورات الربيع العربي ووصولها لسوريا بالذات صورة مهمة لمركزية الأزمة لدى تيار الدفاع عن إيران، بعد شراكتها المباشرة في قمع الثورة السورية من قبل الطيف القومي واليساري
"
لكن المأزق انفجر في تلك المواقف من رهط يساري أو قومي ساهم إعلاميا في الدفاع عن مجازر النظام عبر حلقة التشكيك في الثورة والخشية من توجهها الإسلامي ومناوأتها لإيران، واستدعوا مخاوفهم من التدخل العسكري منذ المذابح الأولى، ولم يكن هناك عليهم من حرج لو أصروا على تحذيرهم من التدخل العسكري مع دعم الشعب السوري وثورته، لكن ما جرى هو اندفاعهم التشكيكي المنظم في الثورة والذي نمثّل له في نموذجين عرضتهما لنا شاشة الجزيرة، الأول مفكر إعلامي من العهد الناصري لخّص لنا الثورة السورية بأنها  مشروع للمخابرات الأردنية والإسرائيلية في درعا وأزمة انتقام نفسية في حماة ومشروع سلخ تقسيمي للاذقية ..هكذا قال، ولا ندري بماذا كان سيصف مذابح العيد في حمص.
 
أما النموذج الثاني فهو شخصية يسارية شرسة اللفظ اندفعت ضد محمد العلمي مراسل الجزيرة في واشنطن في إحدى حلقات برنامج من واشنطن لمجرد أنه نطق اسم الثورة السورية دون ذكر لأي دولة أخرى، فاندفع الرجل في حلقة شتائم لدول الخليج العربي وتقريع للمذيع لماذا لا تذكر أيضاً ثورة البحرين، دون أي دافع منطقي لذلك الهجوم إلا ما أظهره المثقف اليساري المقيم في الولايات المتحدة من طعن وتشكيك سابق في الثورة السورية. وإنما ذكرنا هذين النموذجين -وهما من المدافعين عن إيران- لنقدم دليلاً عملياً على أزمة هذا التيار ودوره السلبي في إضعاف الاستقلال العربي.
 
اختراق أميركي وإيراني أيضا
من المؤكد أن التقاطعات المصلحية التي تحكم الرؤى والتخطيط للدول ذات النفوذ والطموح قد تتغير كما هو لدى واشنطن وطهران، لكن حسابات هذه الرؤى تُحدّد بمنظور انتهاء المصالح وضمان تغيّرها للمستفيد الجديد مع أحدهما، لكن سيبقى هذا الضمان غير مكتمل ولا مطمئن ما دام الطرف المندفع للاستفادة من صراع مزعوم أو حقيقي لا يملك التعاطي والقدرة لتحقيق تفوق لتوازنه بأدوات ومصالح يمتلكها، ولو كان ذا علاقة تاريخية حميمة مع أميركا، وهي موازين ذات تأثير كبير في سياق لعبة الأمم الجديدة في الخليج العربي.
 
ولقد حكمت علاقات الولايات المتحدة الأميركية بإيران إستراتيجية منهجية في قضايا رئيسة للمنطقة لم تنته حتى الآن، ولم تحقق استقرارا كاملا يضمن للولايات المتحدة أنّ هذا التقاطع قد انتهى بالفعل، ومع أن الأميركيين لم يخوضوا أي عمل عسكري أو مواجهة مباشرة مع إيران رغم كل الصراع الإعلامي والسياسي الشرس إلا أنّ الجمهورية الإيرانية أفادت كثيراً من بعدين، البعد الأول إعلامي ومعنوي مهم جداً لتغطية المشروع التوسعي للجمهورية الإيرانية واستثمار تضخيم وحقن الحالة الطائفية لتمريره، فوجدت طهران في ذلك الهجوم الأميركي المنظّم عليها فرصة تاريخية لاختراق البناء العربي والإسلامي وأفادت من الحملة الإعلامية ضدها لتغطية المشروع التوسعي، بل جنّدت لها بعض المستأجرين وتطوع بعض الصادقين المخدوعين في ذلك التعاطف، وخاصة حين وُجد كُتّاب وإعلاميون حمقى أو متواطئون مع الغرب يدافعون أو يقللون من عداوة إسرائيل أمام إيران، فخدموا طهران خدمة كبيرة مجاناً .
 
"
وجدت طهران في ذلك الهجوم الأميركي المنظّم عليها فرصة تاريخية لاختراق البناء العربي والإسلامي، وأفادت من الحملة الإعلامية ضدها لتغطية المشروع التوسعي
"
ومع تأزم الحالة الوطنية الحقوقية وهو تأزم حقيقي في كثير من الدول ومسؤولية إصلاحه ذاتية، فإن القذف بالملف الإيراني في وجهه لتعطيل ضروريات الإصلاح المطلوبة فوراً عزّز هذا الاختراق والتشكك في دوافع إثارة المخاوف من إيران، رغم بروزه في أحداث كبرى مرت بها المنطقة لكنّ غياب المعالجة الذاتية للقضايا الوطنية إصلاحياً جعل شريحة من ذلك التيار المُشكّك على الدوام بقضية التوسع الإيراني يعتبرها مجرد تضخيم، ولا يجد أولئك غضاضة من نجاح المشاريع الطائفية التي تدعمها إيران وقد سُوّقت وطُرحت تحت أفق مدني لبِسَتهُ بعد اكتمال صناعتها طائفياً.
 
وما يعنينا هنا هو مسبب هذا الاضطراب الذي يراه البعض في مواجهة إيران بأنه يُستخدم لحرمانه من الحقوق الأساسية، فينطلق رافضاً أي اتهام لطموح إيران التوسعي لأنه فقد الرؤية المتوازنة بين العين الحقوقية والعين الإستراتيجية السياسية التي تُفصّل القضية. وحديثنا هنا عن الجماعة المخلصة وطنيا وليست الجماعات أو الشخصيات الدائرة في الفلك الإيراني تبعيةً أو شراءً .
 
التقاطع الأميركي الإيراني
أمّا البعد الثاني الذي أفادت منه طهران إستراتيجياً فهو حاجة الولايات المتحدة إلى شريك قوي في المنطقة في مواجهات وحروب كبرى اعتمدت على أموال دول الخليج وعمقه الجيوستراتيجي كتطوع مجاني، في حين كانت إيران تدفع شراكتها مقابل أثمان مقدّمة تحصل عليها بتكريس قوى تابعة أو موالية لها في قلب حركة التغيير التي تتبناها الولايات المتحدة، كما جرى في العراق وأفغانستان.
 
وما يهمنا هنا ليس إعادة تلك الأدلة والصور في الشراكة السياسية والإعلامية والبشرية والحشد من التصريحات الإيرانية والمشاريع التنفيذية التي شاركت بها إيران عمليا الأميركيين، إنما المهم الآن أن نسأل هل انتهى ذلك التقاطع، ومع الجزم بقلق واشنطن من تزايد النفوذ الإيراني فوق حصة الكعكة فهل بالفعل الولايات المتحدة ضمنت خطة أمنية لها في العراق تستغني عن إيران فيها؟
 
وهل كرزاي الذي يهتز كرسيه في كابل، وبدأت طالبان المناورات الأخيرة التي تهدف إلى مرحلة دخول كابل وبسط سيطرتها السياسية عليها مرة أخرى، وقد اعتمد الأميركيون على دعم مخابراتي وسياسي إيراني ودفع من طهران لشراكة الهزارة في كل مؤسسات الدولة لتحجيم أي اختراق لطالبان أو القوى الرافضة للاحتلال، فالسؤال الكبير هل بالفعل قررت واشنطن أن تستغني عن إيران في كابل؟ هكذا بكل بساطة!
 
ورقة البحرين
من الصعب هنا أن يَفي هذا المقال بعرض مُفصّل لفلسفة واشنطن وطهران وتقاطعهما في استثمار الأزمة الطائفية للخليج، لكنني سأعرض لتساؤلات من ذات الاتهام الأميركي لإيران في قضية العميل الإيراني واستهداف السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير، وتهمني هنا هذه النقطة المفصلية، الاتهام يقول إن حسن مشيمع زعيم مشروع حركة فبراير في البحرين كان شريكاً وأداة.
 
فلنستعرض هنا مجمل الموقف الأميركي من المشروع طوال الأزمة العاصفة وحتى كتابة هذه السطور، إذ لم يتغير ذلك الموقف، فواشنطن كانت أقرب لدعم مشروع حركة مشيمع وخلال الزيارة والتصريح التاريخي لروبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي السابق قبيل دخول قوات درع الجزيرة، حمّل فيه غيتس المسؤولية للمنامة ونفى تدخل إيران وأوضح أنه إذا تدخلت فهذه مسؤولية البحرين؟
 
"
ثمة احتمالان قائمان الأول: أن يقف التصعيد بين واشنطن وطهران عند توافق معين، والثاني: أن واشنطن قد تُقدم على عمل جاد يخلط كل المنطقة أمام إيران
 "
ثم أعلنت واشنطن رسمياً رفضها دخول قوات درع الجزيرة وأصدر الكونغرس الأميركي إدانة تشريعية مؤخراً لحكومة البحرين وتأكيدا لتأييد الكونغرس مشروع حسن مشيمع إضافة إلى تصريحات الإدارة الأميركية ومؤخراً تصريح هيلاري كلنتون الذي اقترب كثيراً من موقف المعارضة الشيعية، التي تصب في الاتجاه ذاته والتبني الشامل للإعلام الأميركي لثورة حسن مشيمع. ولا يوجد عقل سياسي يعزل كل هذه المعطيات ويتجه في طريق واحد لفهم القضية التي تثور فجأة دون التأمل في دوافعها، وسيبقى طرحان محتملان: الأول أن يقف هذا التصعيد عند توافق معين بين واشنطن وطهران، وهنا كيف سيضمن الخليج العربي نصيبه؟
 
والثاني: هو أن واشنطن قد خَدعت الجميع لكنها بالفعل قد تُقدم على عمل جاد يخلط كل المنطقة أمام إيران.. نعم هذا محتمل، لكن أيضاً سيثور أمام المنطقة كلها ونسيجها الاجتماعي وخارطتها السياسية.. فمن الخاسر هنا ومن الكاسب ومن يملك الضمانة لموقعه؟ وهل يملك الخليج العربي قدرات ذاتية على مواجهة المشروع الإيراني دون مواسم واشنطن؟
 
قد يملك في إصلاحه الداخلي الحقيقي وفي قدراته مواجهة المشروع الإيراني في العراق وسوريا وأفغانستان عبر ممثليهم الوطنيين، واحترام إرادتهم ودعم قوى وفكر التشيع العربي الوحدوي المناوئ للطائفية الإيرانية إعلاميا وسياسيا، لكنّ السؤال هل يملك أم هل يُريد..؟ هنا بيت القصيد.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة