نوبل وكرمان بين الربيع العربي والأسرة البشرية   
الثلاثاء 21/11/1432 هـ - الموافق 18/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 7:03 (مكة المكرمة)، 4:03 (غرينتش)
نبيل شبيب


- الجائزة ومن ينالها

- تناقضات في تاريخ جوائز نوبل
- الجائزة ومكافحة الاستبداد
- المرأة بين نوبل وشخصية كرمان

ما الذي يعنيه حصول الثائرة اليمنية والقائدة الشبابية توكل كرمان على جائزة نوبل للسلام؟ ما هي دوافع اللجنة النرويجية لاختيارها بين ثلاث نساء لهذه الجائزة عام 2011م؟ هل يمكن التهوين من شأن الشكوك المرتبطة بذلك على ضوء ربط الجائزة في الوعي المعرفي والسياسي العربي بأسماء كيسينجر والسادات وبيغن وبيريز وعرفات ورابين وأوباما؟ ما الذي يمكن أن يتحقق لموقع ربيع الثورات العربية عالميا من خلال هذه الجائزة؟

"
ينبغي التأكيد على أنّ المكانة التي وصلت إليها توكل كرمان كانت حصيلة جهودها وإنجازاتها الذاتية منذ نشأتها الشبابية إلى اليوم، وليست من صنع أي جهة خارجية، بما في ذلك اللجنة النرويجية لتوزيع جائزة نوبل السنوية للسلام
"
الجائزة ومن ينالها

في البداية ينبغي التأكيد على أنّ المكانة التي وصلت إليها توكل كرمان كانت حصيلة جهودها وإنجازاتها الذاتية منذ نشأتها الشبابية إلى اليوم، وليست من صنع أي جهة خارجية، بما في ذلك اللجنة النرويجية لتوزيع جائزة نوبل السنوية للسلام.

وفي البداية ينبغي التأكيد أيضا على أن ثورة شعب اليمن تكتسب مشروعيتها من الإرادة الشعبية اليمنية، لا من أي موقف خارجي، أيا كان من يصدر عنه، بما في ذلك اللجنة النرويجية، وأن انتصار الثورة يصنعه شعب اليمن بتضحياته وبطولاته ووعي رجاله ونسائه، وهو الذي يفرض واقعا جديدا يستدعي التأييد، وليس التأييد ما يصنع ذلك الواقع ويفرضه.

وفي البداية ينبغي التأكيد أخيرا على أنّ أهداف الثورة الشعبية في اليمن التي يقررها ويصنعها شعب اليمن، لا تسمح بتوظيف أي تحرك خارجي، بما فيه تكريم امرأة يمنية عربية ثائرة بجائزة، أو تكريم الثورة من خلالها، للتأثير على هذه الأهداف وطبيعة الشعب اليمني وتطلعاته ومكوناته العقدية والحضارية التاريخية.

أمّا جائزة نوبل للسلام فلا تصنع الحدث، بل تتفاعل معه، ومهما بلغت من التأثير عليه أو على صانعيه، فالأهم من ذلك هو تأثير "اختيارها للحدث" على مكانتها هي، تاريخيا وواقعا، فإن أحسنت الاختيار كان ذلك في رصيدها الإيجابي، وإن أساءت الاختيار كان ذلك في رصيدها السلبي، وبين هذا وذاك لا مكان لمواقف "قطعية"، سواء تلك التي تمجد الجائزة ومكانتها دون تحفظ، أو التي تندد بها دون حدود.

تناقضات في تاريخ جوائز نوبل
وجدت قرارات اللجنة النرويجية لتوزيع جائزة نوبل للسلام على الدوام تأييدا وانتقادا، تبعا لتلك القرارات، وكذلك تبعا للرؤى التي يصدر عنها التأييد أو الانتقاد، والمفروض أن يكون المعيار بين هذا وذاك هو درجة الالتزام أو درجة الانحراف بمنظور وصية ألفريد نوبل، الذي أوقف هذه الجائزة تكفيرا عن ذنبه في اختراع الديناميت، عندما شاهد بنفسه قبل وفاته نتائج الاختراع المدمرة في واقع البشرية.

ومع أن وفاة نوبل كانت يوم 10/12/1896 فإن النتائج ظهرت قبل عام من ذلك، وساهم فيها 155 امتيازا منحها هو لصناعة الديناميت في أنحاء العالم.

فقرّر تخصيص "الفوائد الربوية" لتسعين شركة أسّسها في القارات الخمس، من أجل منح الجوائز السنوية مستقبلا لأصحاب الإنجازات في عدد من الفروع العلمية، وكذلك من يحقق إنجازا في خدمة السلام العالمي، وتقررت معايير منح الجوائز بعد خمس سنوات من وفاة نوبل.

كان الالتزام بروح وصيته واضحا في البداية، كما تم في منح الجائزة لمؤسس هيئة الصليب الأحمر الدولية جان هنري دونانت من سويسرا، ومؤسس رابطة السلام فريديريك باسّي من فرنسا، ثم لاحقا -ولكن ليس بصورة دائمة- إذ مُنحت الجائزة لقاء إنجازات فعلية، لوزيري الخارجية الألماني غوستاف شتريسمان والفرنسي آستريد برياند عام 1926 لتحسين العلاقات بين الدولتين العدوين بعد الحرب العالمية الأولى.

كما منحت عام 1971 للمستشار الألماني الأسبق فيلي براندت مؤسس سياسة الانفراج بين المعسكرين الشرقي والغرب أثناء الحرب الباردة، وميخائيل غورباتشوف عام 1990 لثورته السلمية على الشيوعية وإسهامه في نهاية الحرب الباردة.

ومنحت كذلك "للحملة الدولية لمكافحة الألغام المضادة للأشخاص" عام 1997 لأنها ضمّت أكثر من ألف تنظيم في أنحاء العالم وتحرّكت بصورة مضادة للسياسة الأميركية على صعيد تحريم هذه الألغام في ميثاق دولي.

المقصود من هذه الأمثلة تثبيت المنطلق الأصلي للجائزة العالمية، مقابل أمثلة أخرى أساءت إلى سمعتها، ومن الأسباب الحرص على تكريم إنجازات السلام وفق الرؤية الغربية لا العالمية الأشمل، لنوعية السلام المطلوب.

وهذا ما يفسر مثلا منح هنري كيسينجر الجائزة عام 1973 مقابل عقده معاهدة سلام أنهت حرب فيتنام، بينما كان معروفا أن الهزيمة الأميركية هي التي أنهت الحرب، مثلما يفسر مثلا آخر منح الجائزة للسادات وبيغن عام 1978 لقاء "سلام كامب ديفد" وعرفات وبيريز ورابين عام 1994 لقاء "سلام أوسلو".

"
ترسخ مفهوم السلام لدى اللجنة النرويجية وفق التصورات الغربية والمصالح الغربية، وإن تناقض على أرض الواقع مع حقيقة سقوط عدد كبير من الضحايا غير الغربيين
"
لقد ترسخ مفهوم السلام لدى اللجنة النرويجية وفق التصورات الغربية والمصالح الغربية، وإن تناقض على أرض الواقع مع حقيقة سقوط عدد كبير من الضحايا غير الغربيين، وهذا على النقيض مما تقول به وصية نوبل، الذي أراد توظيف الجائزة من أجل "ترسيخ النظرة الإنسانية الشمولية، ورفض مختلف أشكال التمييز".

كما أساء إلى سمعة الجائزة تسييسها عبر اللجنة النرويجية، بتحويلها في كثير من الحالات من "وسيلة تكريم إنجازات" إلى "أداة تأثير" على الحدث السياسي وصناعته، وهذا ما غلب على معظم سنوات الجوائز الماضية، وأبرز الأمثلة عليها عام 2009، عندما منحت للرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما لقاء "كلامه عن السلام والتغيير" من قبل أن يحقق شيئا من ذلك على أرض الواقع، بل لم يحقق ذلك فعلا كما تشهد عليه غوانتانامو وأفغانستان والعراق وفلسطين.

الجائزة ومكافحة الاستبداد
وإذ نشهد الآن تخصيص جائزة السلام لثلاث نساء، لا يغيب عن الأذهان أن جوائز نوبل عموما لم تمنح خلال أكثر من مائة عام إلا لعدد محدود من النساء في حدود العشرات، وأبرزهن في السنوات القليلة الماضية أونغ سان سون كي السياسية المعارضة، وسجينة الإقامة الجبرية شبه الدائمة في ميانمار، وشيرين عبادي الناشطة في ميدان حقوق الإنسان من إيران.

وفي هذين المثالين ما يشير إلى رغبة اللجنة النرويجية في منح الجائزة -أحيانا على الأقل- لخدمة ما تراه تحت عنوان مكافحة الاستبداد.

ومن شأن ذلك التسويغ جزئيا للنقلة النوعية من تكريم إنجازات إلى "التشجيع" على تحقيق إنجاز في خدمة السلام، فهذا ما قد يتحقق الغرض منه عندما تكون الجائزة من نصيب "مناضلين" رغم الاستبداد المحلي أو الدولي، مقابل عدم تحقيقه بالضرورة -كما يشهد مثال أوباما- عندما يرتبط الحدث بصانع القرار السياسي في إطار معطيات من شأنها ترسيخ الاستبداد المحلي أو الدولي.

على أرضية مكافحة الاستبداد المحلي المشروعة والملائمة للهدف من الجائزة، يمكن إذن تصنيف منح الجائزة لتوكل كرمان (يختلف ذلك بالنسبة إلى المشاركتيْن الأخريين فيها إذ ارتبط القرار بحماية البيئة)، وفي هذا الإطار أيضا يمكن القول إن اللجنة النرويجية تدعم بذلك الثورة الشعبية اليمنية، وما يمثله تيار الشبيبة فيها من موقف، مقابل ما تجده الثورة من ضغوط إقليمية ودولية، للمساومة على أهدافها ونتائجها.

وربما يأتي يوم تسليم الجائزة في 10/12/2011 بعد أن تحقق الثورة هدفها الأول، رغم الجهود الإقليمية والدولية المضادة، التي استبقت الاستبداد الفاسد فترة زمنية أطول ممّا ينبغي.

إنما يبقى السؤال هل الهدف من منح الجائزة لتوكل كرمان يقتصر على دعم الثورة ممثلة في قياداتها الشبابية؟ وهنا يبرز للعيان ما تردد داخل اليمن من جانب المعادين لكرمان والثورة، بشأن وقوع الاختيار عليها تحديدا، ليس في نطاق اليمن فقط، بل في نطاق ثورات الربيع العربي عموما، إذ ظهرت أصوات تحاول توظيف اختيار توكل، لاستثارة مفعول التقاليد ضد الثورة الشعبية نفسها.

"
منح نوبل لتوكل كرمان قد يساهم في تحسين سمعة الجائزة والاقتراب بها من وصية نوبل الأولى، من خلال انطلاق اللجنة التي تمنحها من معايير الأسرة البشرية، بدلا من معايير غربية صرفة، مما يظهر للعيان أحد الجوانب البالغة الأهمية لتأثير الربيع العربي على مستقبل الأسرة البشرية
"
المرأة بين نوبل وشخصية كرمان

نظرة اللجنة النرويجية إلى "قضية المرأة" لا تختلف عن نظرتها إلى "قضية السلام" من حيث انطلاقها بطبيعة الحال من التصورات المعرفية الغربية، تاريخا وواقعا معاصرا.

بالمقابل عبرت شخصية توكل كرمان وإنجازاتها على امتداد السنوات الماضية، وليس خلال شهور الثورة الشعبية فقط، عن شخصية المرأة المسلمة الملتزمة المعاصرة الفاعلة، أي التي جمعت بين ثلاثة أمور.

أولها، الالتزام.. بمعنى الالتزام بالإسلام نفسه خارج نطاق قوالب تقليدية أصبحت تُنسب إليه بعد أن صنعتها معطيات اجتماعية وتاريخية وثقافية لا يمكن القول إنّها صدرت عن الإسلام مباشرة، وإن وجدت من يجتهد للتنظير لها وصنعها وترسيخها والحيلولة دون تطوّرها، معتمدا في ذلك على رؤية ذاتية للإسلام وتأويل نصوصه الشرعية.

ثانيها، المعاصرة.. بمعنى الوعي بمعطيات الواقع والعالم المعاصر والحاجة الكبيرة في المجتمعات الإسلامية إلى تجديد جذري، يمنع اتجاه التسيب والتمييع، مثلما يمنع اتجاه التشدّد والتنطّع والتقييد، وشاع وصف ذلك بالإسلام الوسطي أو الإسلام المعتدل، والأصل أنّ الإسلام -دون الحاجة إلى وصف إضافي له- لا ينطوي على ما يسوّغ أي تطرّف، في أي من هذين الاتجاهين.

ثالثتها، الفاعلية.. بمعنى الممارسة المباشرة التي جعلت من المرأة اليمنية -وتوكل نموذج لها- وسواها في أقطار أخرى، ناشطة تتحرك لتحقيق هدف الالتزام المعاصر، بصورة مباشرة، لتكون مع الرجل في طريق واحدة، أوصلت حديثا إلى أن يتصدر جيل الشبيبة، ذكورا وإناثا، صناعة الثورات العربية، فلم تعد قضية المرأة محشورة في نطاق "ثنائية مجتمع ذكوري وحركة نسوية" بل عادت إلى موقعها الطبيعي "قضية الإنسان" ذكرا وأنثى.

على هذه الخلفية نجد حديث توكل كرمان عن الجائزة يتركّز على أنّها تكريم للثورة وشبيبتها، وللعرب والمسلمين وربيع ثوراتهم، أو بتعبير آخر على الصورة التي تطرحها شخصية الشباب الثائر (كأسماء محفوظ من الشابات في مصر، والشهيد غياث مطر من الشباب في سوريا، وكذلك توكل كرمان في اليمن.. وغيرهم) بينما نجد من يتحدّث عن ذلك من زاوية أخرى تقول إن اللجنة النرويجية ترى في كرمان المرأة التي تفكّك المجتمع القبلي، وتلك هي النظرة الغربية السائدة عن اليمن وأقطار أخرى، فتساهم في صناعة المجتمع المدني، وهو المجتمع الغربي المثالي للبشرية جمعاء وفق رؤية اللجنة.

قد تتعرض إلى ذلك كلمة توكل كرمان يوم استلام الجائزة، فقد أكّدت أنّها تريد الاستفادة من هذه الفرصة لتعلن عن صوت الثورة العربية وصوت المرأة اليمنية على مستوى عالمي.

ومن المهم ألا يقتصر الأمر على المناسبة نفسها، فليست قيمة الحدث كامنة في "حصول أول امرأة عربية" على جائزة نوبل للسلام، بل تكمن في أن تخصيص جائزة السلام لتوكل كرمان، ومن خلالها لربيع الثورات العربية، الذي يصنعه الإنسان في هذه المنطقة، ذكرا وأنثى منطلقا من القيم الذاتية، الإسلامية عقيدة والتاريخية حضارة ومعرفة مشتركة، يعني خطوة لا يستهان بأهميتها لتقويم المسار التاريخي لهذه الجائزة عبر أكثر من قرن.

وقد يساهم ذلك في تحسين سمعة الجائزة والاقتراب بها من وصية نوبل الأولى، من خلال انطلاق اللجنة التي تمنحها من معايير الأسرة البشرية، بدلا من معايير غربية صرفة، مع ما تنطوي عليه المعايير البشرية من تنوع عقدي ومعرفي وحضاري وبشري، وآنذاك يظهر للعيان مثال واحد على أحد الجوانب البالغة الأهمية لتأثير الربيع العربي على مستقبل الأسرة البشرية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة