من الإصلاح الديني إلى الإفساد الديني   
الاثنين 9/8/1426 هـ - الموافق 12/9/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)

 

رفيق عبد السلام

المتابع لما يكتب وينشر عن عالم الإسلام سواء في دوائر البحث أو في الأوساط السياسية والإعلامية الغربية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول يلحظ وجهة غالبة تميل إلى اعتبار مجتمعات المسلمين فاشلة وثقافتهم مريضة ومأزومة بسبب ثقل الوطأة الدينية فيها، ومن علامات ذلك ممانعة المسلمين من قبول قيم العلمنة الثقافية وولوج بوابة الحداثة السياسية والاقتصادية حسبما يقولون.

ومن المعلوم أن هذه القراءة لعالم الإسلام ونمط اجتماعه التاريخي والراهن ليست بالأمر الجديد أو الطارئ، وإن كانت قد طفت على السطح وأصبحت أكثر حضورا وتداولا في ساحات الفكر والإعلام وفي السجالات السياسية بعد كارثة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

 

وجل ما يكتب اليوم في ما يسمى بأقسام الدراسات الشرقية والإسلامية أو ما ينتجه الخبراء المتخصصون في الشؤون الإسلامية والأوسطية ليس إلا إعادة إنتاج للمخزون الاستشراقي المديد ومحاولة تغليفه بمقولات التحليل العلمي والموضوعي.

 

أما الدواء السحري المطلوب من المجتمعات الإسلامية التداوي به فهو تحديث الثقافة والقيم عامة، وإعادة بناء مناهج التعليم على وجه الخصوص، وكلمة التحديث هنا ليست إلا تسمية مخففة لمطلب علمنة الثقافة ونظام التعليم والقيم العامة.

 

"
هناك حاجة لإصلاح الأوضاع الثقافية والدينية في العالم الإسلامي بما يستجيب للحاجيات الطارئة في ساحة الإسلام، ولكن يجب التمييز بين محاولات الإصلاح والتجديد ومحاولة النقض والهدم تحت دعاوى الإصلاح والتحديث
"
وضمن هذا الإطار يتنزل دمغ المؤسسات التعليمية الدينية بكونها مصدر إنتاج الإرهاب والإرهابيين، إلى جانب الضغوط الواسعة النطاق المسلطة على بعض الدول الإسلامية بسبب ما تعتبره الإدارة الأميركية خللا جوهريا في توجهاتها الثقافية والتعليمية، كما أنه ضمن هذا السياق تتنزل المطالبات بإدخال إصلاحات ثقافية ودينية تحت مطلب الإصلاح أو التجديد الديني.

 

وبحكم أن موضوع الإصلاح الثقافي عامة والديني خاصة بدأ يفرض نفسه على الساحة الثقافية ويثير كثيرا من اللغط والسجال في أوساط الكتاب والمثقفين العرب والغربيين على السواء، فقد رأينا من المناسب إبداء بعض الملاحظات علها تكون مساهمة في إثراء حركة الحوار العام.

 

لا شك أن هناك حاجة لإصلاح الأوضاع الثقافية والدينية في العالم العربي والإسلامي بما يستجيب للحاجيات التاريخية والمعرفية الطارئة في ساحة الإسلام وساحة العالم الواسعة، ولكن يجب التمييز هنا بين محاولات الإصلاح والتجديد ومحاولة النقض والهدم تحت دعاوى الإصلاح والتحديث.

 

ومن الإجحاف تصوير الساحة الثقافية الإسلامية وكأنها جدب لا حياة فيها سوى بعض الأقلام "المستنيرة" والمعزولة في بحر "من الجمود والتعصب" على نحو ما هو غالب في الأدبيات الغربية المهوسة بظواهر التطرف وما تسميه الإسلام الأصولي.

 

لقد بدأت الحركة الإصلاحية منذ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وبقية تلاميذهم في المشرق والمغرب العربيين منذ أواخر القرن التاسع عشر جهدا إحيائيا رائدا لوصل حركة الإسلام بالمستجدات السياسية والفكرية الهائلة التي فرضها الاحتلال الغربي لديار المسلمين.

 

وهذا التيار على اختلاف تفريعاته وألوانه راهن على التجديد ضمن منابع الإسلام وأصوله الكلية، فقد كان متشبثا بالأصول بقدر ما كان نابذا للتقليد والجمود، وكان معتصما بحبل الإسلام بقدر ما كان منفتحا على مشاغل العصر، وكان فضل هذا التيار عظيما في نقل لغة الإسلام ومختزناته من المؤسسات التعليمة التقليدية إلى قلب المؤسسات التعليمية والاجتماعية الحديثة، ومن السجالية الكلامية الجافة إلى لغة ميسرة وحديثة، علما بأن تيار الإحيائية الإسلامية هذا ما زالت تفاعلاته جارية وتأثيراته بائنة في أرض الإسلام الواسعة.

 

لكن يبدو أن قارب "الإصلاح الديني" يراد له أن يجدف هذه المرة في وجهة مغايرة تماما، يراد له أن يكون خروجا عن هذا الجهد الإحيائي لصالح نزعة دهرية جامحة كان جمال الدين الأفغاني نفسه قد انتبه إليها بحاسته الثاقبة منذ وقت مبكر فخصها برسالته الشهيرة المعنونة برسالة في الرد على الدهريين.

 

ما يعنيه هذا التيار بدرجة أولى هو محاولة نقض الأصول والكليات من القواعد تارة باسم تاريخانية النص، وأخرى باسم الاجتهاد، وأخرى باسم مطلب التجديد وتجاوز جمود المدونات الفقهية الكلاسيكية، أي إن ما يشغل هذا التيار فعلا ليس إحياء الإسلام وتجديد وضعه بل هز بنيانه من القواعد التي يراها عائقا أمام التطور وولوج بوابة الحداثة المألوفة.

 

"
القطاع الأوسع من المثقفين العرب على كثرة ما يثيرونه من ضجيج وادعاءات حداثية لم يرتقوا إلى أداء وظيفة الوساطة الفكرية الأمينة، أي استيعاب الأفكار الغربية ونقلها للقارئ العربي بطريقة أمينة
"
صحيح أن هذا التيار يختار المناورة والمخاتلة وقليلا ما يصرح بما يبطن، ولكنه في محصلته النهائية تيار هدمي عدمي، ضعيف البضاعة مدخول الولاء، معاركه هي معارك الآخرين وقضاياه وسلم أولوياته قضايا الآخرين وأولوياتهم، يغلب عليه طابع الاجترار والاستنساخ الميت لبعض المناهج التأويلية والألسنية وبعض المقولات الاجتماعية دون أن يكون له استيعاب رصين وإيفاء بشرائط البحث النزيه.

 

ولعل أسوأ ما في هذا التيار أن يتصدر المنافحة عن أطروحاته وخوض معاركه وسجالاته بعض الأشخاص المتطرفين والكارهين لكل ما هو عربي وإسلامي.

 

فقد استقر في روع لفيف من الكتاب والباحثين العرب الذين يلقون ترحابا واسعا من طرف المؤسسات الأكاديمية والسياسية الغربية، بل المؤسسات الدينية الكنسية، أنهم يسيرون على خطى رجال الإصلاحية البروتستانتية في القرن السادس عشر، بل إن بعضهم قد يرى في نفسه لوثر ألمانيا أو كالفن وزيمين سويسرا في أرض الإسلام "القاحلة".

 

وهكذا يخيل إليهم أن مصير الإسلام بين أيديهم وأنه لن يختلف كثيرا عن مصير المسيحية الإصلاحية التي فرضت عليها حركة علمنة داخلية انتهت إلى الإقرار بتاريخانية المصادر الإنجيلية وتجريدها من ادعاءاتها العلوية وهذا ما يفسر تركيز هؤلاء على ما يسمونه "الحدث التأسيسي الأول" أي النص القرآني وما يرتبط به من معارف ومناهج ابتدعها المسلمون على امتداد أجيالهم.

 

فمثلما زرع رموز الإصلاحية بذور العلمنة الداخلية في المسيحية فكذلك يراهن هؤلاء على استعادة ذات المهمة الطلائعية، ولكن مشكلة هذا التيار أنه مصاب بما أسماه الفيلسوف الألماني نيتشه ذات مرة بشقاء الوعي التاريخي نتيجة عجزه عن فهم الحدود والمسافات الفاصلة، ولذلك تراه يقفز على التاريخ ويستنجد بالقياسات الفاسدة فلا يفرق بين النص القرآني والنصوص الإنجيلية، وبين روحية الإسلام وبين المسيحية واليهودية وبين سياقات التاريخ العربي الإسلامي والتاريخ الغربي.

 

حال هؤلاء أشبه ما يكون بمن يناطح الصخر ويصارع طواحين الهواء لأن المسلمين على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم واجتهاداتهم كانوا وسيظلون مطمئني اليقين بصفاء النبع القرآني متعبدين بتلاوته كما نزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام- بلسان عربي مبين قد برئ من التحريف والتشويه والنقصان، ولا يرون التجديد إلا في إطار النبع القرآني وضمن حدوده الواسعة الوارفة.

 

صحيح أن هناك حاجة ماسة للتطوير والتجديد في عالمنا الإسلامي الفسيح ولكن بما يفتح أفق الإسلام على راهنية الزمن وبما يمكنه من تعزيز دوره وحضوره في هذا العالم بدل محاولات الالتفاف عليه وتعويق حركته، وهذا يحتاج إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه في اتجاهين وليس في اتجاه واحد، الاجتهاد في قضايا الإسلام وفيما يرد علينا من "فكر الحداثة" على السواء.

 

ثمة آفة مضاعفة ومهلكة في الساحة العربية والإسلامية، آفة الجمود على الموروث الديني دونما إعمال نظر أو تفكير، وآفة التنكب عن التفكير الحي فيما يفد إلينا من أفكار مغلفة بادعاءات كونية.

 

وليس أدل على ذلك من كون القطاع الأوسع من المثقفين العرب على كثرة ما يثيرونه من ضجيج وادعاءات حداثية لم يرتقوا حتى إلى أداء وظيفة الوساطة الفكرية الأمينة والبعيدة عن التلبيس والتشويه، أي استيعاب الأفكار الغربية ونقلها للقارئ العربي بطريقة أمينة، وبمصطلح منضبط وسليم، إذ يكتفي أغلبهم بالتحصن خلف ادعاءات عقلانية وتنويرية كاذبة دون أن يكون لهم جهد إبداعي ولا تنويري يذكر.

 

"
مهمة الإصلاح يجب أن تكون استجابة لحاجة ومصالح مجتمعاتنا وليس استجابة لمصالح ورهانات الآخرين، مهمة ينهض بها أهل الفكر والنظر ممن تتوفر فيهم خصلة النزاهة والكفاءة بدل أن يكون أجندة في أقسام الخارجية الأجنبية
"
ولعل التشخيص الأقرب إلى الواقع هو كون المنطقة العربية والإسلامية عامة تعاني من خلل ثقافي عميق ناتج بدوره عن وجود خلل مؤسسي علمي، فقد تراجع دور المؤسسة التعليمية الدينية العريقة مخلفة وراءها حالة من الفراغ المريع لم تقدر الجامعات الحديثة على ملئه.

 

كما أن ما يسمى "الإنتلجنسيا" العربية الحديثة لم تتمكن من ملء الموقع الذي كان يشغله العالم التقليدي، الأمر الذي فتح أبواب الفوضى الدينية والعلمية، أي أن المشكل متأت من ضعف المؤسسة التعليمية الدينية وضمور التكوين الديني وليس بسبب وجودهما.

 

وفي الأخير فإننا نقول بأن مهمة الإصلاح يجب أن تكون استجابة لحاجة ومصالح مجتمعاتنا وليس استجابة لمصالح ورهانات الآخرين، مهمة ينهض بها أهل الفكر والنظر ممن تتوفر فيهم خصلة النزاهة والكفاءة بدل أن يكون أجندة في أقسام الخارجية الأجنبية أو تعليمات استخبارية.

 

كما أن مصير الإسلام يجب أن يكون مفتوحا على عامة المسلمين على اختلاف مذاهبهم واجتهاداتهم وخياراتهم التأويلية حتى يكون الإسلام القاعدة الشرعية العامة وحاضنا للجميع كما كان شأنه ماضيا وسيظل حاضرا ومستقبلا.

 

وهذا يقتضي نبذ المتطرفين وعزلهم من المعسكرين، متطرفي الدين الذين يسوغون القتل باسم المقدسات ومتطرفي العلمانيين الذين يشيعون ثقافة التحارب والإقصاء، تحت دعاوى حداثية وتنويرية لا علاقة لهم بها إلا على سبيل الادعاء لا أكثر.

_______________

كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة