الثورة واللاعنف   
الخميس 25/4/1434 هـ - الموافق 7/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:42 (مكة المكرمة)، 11:42 (غرينتش)
زياد منى

في خضم المعارك والصراعات الرهيبة التي نعيشها في عدد من بلاد وطننا الكبير، وإزاء بحور الدماء التي نغرق فيها، دماء ضحايا من كافة الأطراف المتصارعة، أود استرجاع ذكريات ثورة عايشتها، منذ انطلاق وميضها الأول، حتى نهاياتها، المسرة للبعض والمزعجة لآخرين، في ألمانيا الشرقية عام 1989 والتي انتهت في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول عام 1990، كما نعرف، باندماجها في الدولة الألمانية الغربية.
 
لقد عشت في ألمانيا، الشرقية أولا ثم في ألمانيا، الموحدة، لاحقا، فترة أطول مما عشتها في أي بلد آخر. كنت جزءا من المجتمع الألماني، الشرقي، إن صح القول، تفاعلت معه وقبلني كما أنا، وهو ليس بالأمر اليسير، ما يمكنني الادعاء بأن هذا الوضع، الاستثنائي، منحني فرصة تعرف الشعب هناك، ذهنيته وروحه، كيفية تفكيره وحياته. تطلعاته وآماله لم تكن مخفية، وهي تطلعات كل الشعوب في بلادها، والبشرية جمعاء. حياة حرة كريمة، أيًّا كان الحاكم أو نظام الحكم. 
الازدهار الاقتصادي الذي تمتعت به ألمانيا الشرقية في مطلع سبعينيات القرن الماضي لم يدم طويلاً بسبب عمل قوانين الاقتصاد الموضوعية

كنا منذ الطفولة متأثرين بفكرة محددة عن الألمان وقدراتهم الإبداعية وانضباطهم في العمل وما إلى ذلك من الخصال، لكنها كانت من منظورهم نعوتًا  تنفي عنهم الصفة الإنسانية وحب الحياة والتمتع بها.
 
رغم ذلك، سنحت لي فرصة اختبار هذه الأفكار المسبقة عندما اندلع الحراك فيها بتأثير من محاولات غورباتشوف إصلاح ما لا يمكن إصلاحه، فانتهى الأمر إلى ما انتهى إليه.
 
أغلبية سكان ألمانيا الشرقية، طبعًا باستثناء بعض المثقفين وقسم من النخبة، كانوا راضين، على نحو عام، عن حيواتهم في ظل نظام وفر لهم العمل المضمون والملبس والمأكل والمأوى وحتى التطور الروحي، وإن كان محدودًا إلى حد ما، بأسعار شبه مجانية. كانوا طبعًا يعانون بسبب تماهيهم مع ألمانيا الغربية.

الازدهار الاقتصادي الذي تمتعت به ألمانيا الشرقية في مطلع سبعينيات القرن الماضي لم يدم طويلاً بسبب عمل قوانين الاقتصاد الموضوعية، وبدأ الانحدار المادي ورافقه، بالضرورة، تذمر شعبي لم يتمكن ذلك النظام المتكلس ذهنيًّا من مواجهته بإصلاحات حقيقية فاكتفى باختلاق مسوغات فكرية لا تسمن ولا تغني من جوع مثل قال فلان: كذا وقال الآخر: كذا، وقصد كذا, ما أدى بالضرورة إلى ازدياد عزلته عن الشعب وبدأ يفقد ما كان لديه من شعبية خصوصًا بين الشيوعيين الذين عدُّوا ولادة ألمانية الشرقية ثمرة جهودهم، وتحقيقًا لآمالهم في إقامة المجتمع المثالي، من منظورهم.
 
مع مجيء غورباتشوف إلى أعلى هرم السلطة في موسكو، ساد جو من التفاؤل بين الناس في تحول سلمي وتطور للنظام الشيوعي بعيدًا من المقولات والتسويغات الجاهزة، لكن التجربة أخفقت لأن النظام الفاسد لا يمكنه إصلاح نفسه بنفسه، فانتهى الأمر إلى ما نعرفه.
 
رفض القيادة الألمانية الشرقية أطروحات غورباتشوف الإصلاحية شجع بعض المثقفين والنخب إلى الاندماج في العمل السياسي المباشر الذي كان محصورًا بالحزب الشيوعي وأدواته المختلفة، عبر الاستفادة من حقهم الدستوري في مراقبة انتخابات المجالس المحلية في ربيع عام 1989، وتبين التزوير الفاضح في النتائج.
 
رفض السلطة الألمانية الشيوعية التجاوب مع دعوات غورباتشوف والداخل للإصلاح، قاد، كما نعرف، إلى فرار أعداد كبيرة من السكان عبر المجر التي كانت قد فتحت حدودها مع الغرب وسمحت لكل من يريد عبورها، ثم انتقلت العدوى إلى تشيكوسلوفاكيا حيث لجأ بضع مئات من الألمان الشرقيين إلى سفارة ألمانيا الغربية.
 
وقتها، كان المجتمع الألماني الشرقي، إن صح التعبير، جريحًا ينزف بشرًا. فتبعثرت العائلات وتفرق الأصدقاء والأحبة، وأعرف كثيرا من أصدقائي الذين اغتنموا الفرصة للفرار من جنة الشيوعيين الموعودة. تمسك الأخيرين بمواقفهم العقدِيَّة المتكلسة دفع بعض (المجانين) في مدينة لايبزغ تحديدًا إلى البدء بمظاهرات قابلتها السلطة بالقمع المعهود؛ لنتذكر: إن الثورات يطلقها مجانين، ويسير بها مغامرون، ويجني ثمارها الجبناء والانتهازيون.
 
وهنا تكمن رسالة هذه المقالة: الثورة واللاعنف المسكوت عنه، لأن الكذب هو عمل عنفي أيضًا. فرغم عنف السلطة تجاه المتظاهرين، بقوا سلميين إلى درجة مذهلة، ما يعكس مستوى عاليا للغاية من الوعي والرقي الفكري. في البدء كانت أعداد المتظاهرين تعد بضعة آلاف، لكن عندما نعتت السلطة المتظاهرين بأنهم رعاع، أثار ذلك الجماهير في مدينة لايبزغ، مهد الانتفاضة، فشارك عشرات الآلاف، بل مئات الآلاف فيها، ورفعوا شعارًا واحدًا هو: لسنا رعاعا، نحن الشعب.
 
إلى الآن يبدو المشهد عاديًّا، لكن الأمر الذي أغفلته كل وسائل الإعلام، لكنه لم يغب عنا، نحن الأجانب المقيمين في تلك البلاد وأثار إعجابنا العميق، وهو أن المظاهرات كانت تنطلق بعد الساعة السادسة مساء. ويقول قائل: ما العجيب في هذا!. المتظاهرون كانوا يخرجون إلى الشوارع بعد انتهاء ساعات العمل وإغلاق المتاجر والمعامل أبوابها. لم يغيبوا عن أمكنة أعمالهم، بل حافظوا عليها لأنهم عدوها ملكهم، رغم معاداتهم الشديدة للنظام.
 
عنف الدولة، وحتى التلويح باستخدام العنف، وحتى رفع قبضة اليد في وجه الغريم، يعد عملاً من أعمال العنف، لم يواجهه الشعب بمثله، ولأن قول نصف الحقيقة يعد كذبة كاملة، نكرر تأكيد أن الكذب أحد أشكال العنف.
 
المتظاهرون حافظوا على رباطة جأش وتعقل وحكمة منقطعة النظير، حتى من دون قائد ومن دون مجموعات انضباط تحافظ على سير المظاهرات وسلميتها. لقد واجهوا العنف بالصبر والإصرار على التظاهر السلمي، واللاعنف، وهو مقارنة، سلاح أقوى بما لا يقاس كما نعرف من تجربة غاندي. أعداد المتظاهرين كانت تفوق المائة ألف ويمتلكون بالتالي قوة تدميرية هائلة إن قرروا مواجهة العنف بمثله.

كنتُ متعاطفًا مع مطالب الشعب الألماني بإصلاح النظام، لكنني كنتُ أجهر أمام أصدقائي ومعارفي الألمان، بمعارضتي الصريحة للشعارات التي كانت تنطلق بوحدة الألمانيتين

لتأكيد هذا الموقف الشعبي أو الجماهيري، غاية في الحضارة، نؤكد أنه لم تكسر واجهة محل ولم يهاجم أي من مقار الحزب الشيوعي الحاكم وأتباعه في الجبهة المزعومة. بل إن عشرات آلاف المتظاهرين تفادوا السير فوق عشب الحدائق الأخضر المنتشرة في المدينة. لم يكسر غصن شجرة، ولم يهاجم أي أجنبي، مع علم السكان أنهم جميعًا، تقريبًا، أتوا من بلاد أنظمتها متحالفة مع النظام.
 
كنتُ متعاطفًا مع مطالب الشعب بإصلاح النظام، لكنني كنتُ أجهر أمام أصدقائي ومعارفي الألمان، بمعارضتي الصريحة للشعارات التي كانت تنطلق بوحدة الألمانيتين، من منظور عد نفسي عربيا شاميا من القدس خشية تفرد الولايات المتحدة الأميركية بحكم العالم، وتأثير ذلك سلبًا في قضية العرب الأولى، قضية فلسطين.

لم يهاجمني أي من الجيران أو المعارف، أو المنتفضين أو الثوار إن أردتم، ولم يحاول أحد إلصاق التهم الجاهزة بي. لا شيء من هذا حدث. مارست حياتي العادية كما دومًا، ولم أشعر بالخوف من ملاقاة الناس والمتظاهرين ودخول المقاهي والمطاعم واستعمال المواصلات العامة حتى في ساعات متأخرة من الليل.
 
لم أشعر يومًا بأي خطر يتهددني من الناس حولي ولم يقاطعني صديق، متعاطف مع الثورة، المضادة، من منظوري الشخصي، أو زميل أو جار، عدا بعض الانتهازيين الذين رأوا في مرافقتهم أجنبيا، معاديا للغرب الاستعماري، خطرًا على أوضاعهم في مستقبل البلاد الآتي لا محالة، أي وحدة الألمانيتين.
 
كنت أشعر بمعاداة الألمان الشرقيين، الفطرية، للأجانب إبان الحكم الشيوعي، لكن هذا لم يستحل تصرفًا إبان الهبة الشعبية. أستدرك هنا لتأكيد أنني عندما أقول أنا، فإنني أعني نحن، إذ إن هذه تجربة كل الأصدقاء والمعارف العرب وغير العرب الذين كانت تربطني بهم علاقة عابرة أو حميمة.
 
دخلت مع ألمان كثر في نقاشات حامية لا نهاية لها مع مؤيدي الانتفاضة أو الهبة، أو ثورة، سموها ما شئتم، وأبلغتهم بمخاوفي أن هذا كله سينتهي ليس إلى إصلاح ألمانيا الشرقية وإنما إلى خرابها. كانوا يستمعون بصبر عجيب، لكنهم لم يقاطعوني أو يصبوا اللعنات علي.
 
في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني 1989 انطلقت في برلين المظاهرة التي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقال، وشارك فيها ما يقارب المليون شخص، كانت تظاهرة مليونية حقيقية!. شارك فيها كل الجيران، ولم أشارك أنا أو عائلتي الألمانية. الجيران عرفوا بذلك، لكنهم حافظوا على علاقاتهم معنا ولم يقطاعونا ولم يتهموا العائلة الألمانية بالخيانة، ولم ولم ولم...
 
في الوقت نفسه، من المتوقع أن يقود احتشاد هذا العدد الهائل من البشر الغاضبين والناقمين في وسط المدينة المليء بالجزر الخضراء إلى خراب في الممتلكات، خصوصًا أنهم استعملوا المواصلات العامة أو وصلوا إلى بؤرة المظاهرة مشيًا على الأقدام.

لم يكسر زجاج محل، ولم تلق النفايات في الشوارع ولم يكسر غصن ولم يُرَ أثر قدم على أي بقعة في الحدائق. لم نسمع صرخات أو هتافات تطالب بتعليق المشانق أو بالانتقام. الشعار كان واحدا: نريد حكم الشعب، وعندما كان بعض الخطباء يتفوهون بما لا يريق للمتظاهرين، كانت ردة فعلهم الصفير، لا أكثر.

مع أن القناة التلفزيونية المحلية نقلت التظاهرة مباشرة على الهواء، فقد تجاهلت وسائل الإعلام الغربية جوهر الأمر. فالحديث عنه يعني بالضرورة أن الشعب هو ابن التربية التي تلقاها في البيت والمدرسة والجامعة ومحل العمل، والحديث عن هذا الانضباط المثير حقًا للإعجاب والاحترام يعني مديح النظام التعليمي-التربوي هناك، وهذا ما لا يريق لمن يطرح نفسه نهاية التاريخ.

بعد انهيار النظام عمليًّا تسيد أتباع شعار: ألمانيا فوق الجميع، بدأت الفوضى تنتشر في البلاد، فقط عندها بدأت أشعر بالقلق حيث سمعت كلاما معاديا للأجانب وكنت وقتها أعمل مع مخرج سينمائي ألماني. للمرة الأولى سمعت أقوالاً، بصوت عال، معادية للعرب. قال لي أحد المسؤولين الغربيين: بعدما ننتهي من الشيوعيين سيأتي دوركم أيها العرب والمسلمون. لقد تطاولتم كثيرًا علينا وسنؤدبكم!

ما أود تأكيده، و لفت الانتباه إليه هو معنى سلمية الانتفاضة أو الثورة، وأنا أنظر حولي في كثير من زوايا وطننا العربي، فلا أرى سوى خراب ودمار وكراهية وتحريض

هذا الموضوع لم يكن جديدًا علي، ولم أكن في حاجة إلى من يلفت انتباهي له، وهو ليس موضوع مقالي هذا، الذي يعكس تجربة شخصية، لكنها في الوقت نفسه، عامة. كل ما أود تأكيده، من خلال سرد تجربتي هذه، لفت الانتباه إلى معنى سلمية الانتفاضة أو الثورة، وأنا أنظر حولي في كثير من زوايا وطننا العربي، فلا أرى سوى خراب ودمار وكراهية وتحريض، دومًا ضد الضعفاء وضد الآخر، المختلف، طبعًا باسم الحرية والديمقراطية وما إلى ذلك من اللغو الذي لم يجلب لأوطاننا سوى الدمار.

بهذا فإنني أدين الطليعة المزعومة المتسلقة، شعبوية الجوهر، والنخب المتعالية القاطنة في أبراجها العاجية، كما يقال، وكذلك منظومة تربية الأنظمة التي فرضتها، وهاهي، بل نحن، جميعنا، نحصد ما زُرع، في نفوسنا من أوهام وتضليل، وما زرعناه نحن في أنفسنا وأنفس أطفالنا وأبنائنا وفي منظومتنا الاجتماعية.

في بلادنا، الحرية والديمقراطية والتعددية وقبول الآخر، شعارات مجردة، تُستجلب لمحاربة الآخر ولخداع الشعب، بهدف الوصول إلى السلطة، والاستثناء يؤكد القاعدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة