ثلاث ملاحظات بصدد حالة العراق   
الأحد 1431/10/4 هـ - الموافق 12/9/2010 م (آخر تحديث) الساعة 22:21 (مكة المكرمة)، 19:21 (غرينتش)
فاضل الربيعي


الأميركيون انسحبوا. حسنا. هذا خبر سار للغاية. ولكن هل انسحبوا بفعل ضربات المقاومة، أم لأن المهمة العسكرية انتهت بتحقق الأهداف الإستراتيجية الكبرى، وبعد أن تمّ بنجاح منقطع النظير، تفكيك الدولة الوطنية وإعادتها إلى طور ما قبل الدولة، وتمزيق المجتمع وإعادته إلى طور ما قبل المجتمع، أي إعادته إلى عناصره الأولى كجماعات متنافرة عرقية ومذهبية، وبحيث لم تعد هناك حاجة فعلية لإبقاء هذا العدد الضخم من القوات دون مهمات حقيقية؟

أغرب ما في حالة العراق الراهنة أن الانسحاب الأميركي يمكن أن يفهم في صورتين، فهو هزيمة وفشل على المستوى العسكري والأمني والسياسي لواشنطن بعد أن أخفقت طوال سنوات الاحتلال المنصرمة في إنشاء النموذج الديمقراطي الموعود، كما فشلت في ضبط الأوضاع الأمنية ووقف انهيار البلاد.

وهو في الآن ذاته نجاح استثنائي، لأن واشنطن، بعد سبع سنوات من الفوضى، تمكنت فعليا من وضع يدها على هذا البلد بصورة شاملة، سياسيا وأمنيا وعسكريا، وقد تتحكم في مقدراته لسنوات وربما لعقود طويلة قادمة، فهل الانسحاب قصة هزيمة أم نجاح؟

هذا السؤال الذي يسمع اليوم في كل مكان بقوة يرتبط بسؤال مواز آخر يطرح بالقوة نفسها، هل يخرج الأميركيون من العراق لأنهم فشلوا، وعجزوا عن "الاحتفاظ به رهينة" أم لأنهم حققوا أهدافهم في تدمير وإخراج هذا البلد من المعادلات والخرائط، وانتقلوا إلى طور جديد من الاحتلال؟ أي هل استنفدوا وظائف وأغراض السيطرة المباشرة على الأرض والسكان، وبات من المجدي أكثر اعتماد نظام السيطرة غير المباشرة كما فعل البريطانيون في المنطقة من قبل؟

الأميركيون انسحبوا. حسنا. هذا خبر سار للغاية. ولكن هل سيؤدي انسحابهم إلى اندلاع موجة جديدة من العنف الداخلي، أم أن العراق سوف يتعافى من كل أشكال العنف، ويتجه نحو مرحلة طويلة من الاستقرار؟

"
بالنسبة لكثير من العراقيين والعرب قد يبدو الانسحاب دليلا على الفشل في بناء النموذج الديمقراطي الذي تغنى به الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، ولكنه بالنسبة لآخرين كثيرين أيضا، يرتبط بنجاح مخطط واشنطن في تحقيق أهداف تدمير البلاد ونهبها وتمزيقها
"
بالنسبة لكثير من العراقيين والعرب، قد يبدو الانسحاب دليلا على الفشل في بناء النموذج الديمقراطي الذي تغنى به الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، ولكنه بالنسبة لآخرين كثيرين أيضا يرتبط بنجاح مخطط واشنطن في تحقيق أهداف تدمير البلاد ونهبها وتمزيقها.

ومن ثم -كما قال طارق عزيز لصحيفة غارديان البريطانية- فهم يتركون العراق للذئاب، ولكن كيف يمكننا تصور أن هذا الانسحاب يرتبط بالفشل والنجاح في آن واحد؟

انسحبوا. نعم، ولكنهم تركوا خلفهم خمسين ألفا من الجنود و14 قاعدة كبرى، ويخططون بالاتفاق مع الحكومة العراقية لدخول مكثف وواسع النطاق لعشرات الشركات الأمنية، وهو ما يعني التعاقد مع مئات آلاف المرتزقة الأجانب لمواصلة السيطرة على الأرض والسكان. فماذا عن العراق البلد الحر والسيد المستقل الذي يتحدث عنه الرئيس أوباما؟

ثمة ثلاث ملاحظات أساسية لفهم المضمون الحقيقي للانسحاب:

أولا، لا يمكن فهم مضمون الانسحاب الأميركي من دون وضعه في إطار الحالة العراقية الراهنة، بمعنى رؤيته كتطور متصل عضويا بتطورات أخرى متوقعة، وأنه يشكل ركيزة واحدة من ثلاث ركائز أساسية ومتلازمة، إذ طبقا لخطة نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن، المعروفة باسم "خطة التقطيع الناعم للعراق"، فإن حالة هذا البلد مؤلفة من ثلاث ركائز مترابطة، تؤدي كل واحدة منها إلى الأخرى.

أولاها الانسحاب العسكري، أي فض الاشتباك الحربي (القتالي) المباشر مع الحالة العراقية، تمهيدا لصياغة نوع من فض اشتباك سياسي، يمكن الولايات المتحدة من الانتقال السلس من وضعية العدو إلى وضعية الصديق.

وثانيها الحرب الطائفية، أي أن الانسحاب سيؤدي تلقائيا إلى نشوء أوضاع أمنية شاذة، ناجمة عن الفراغ الأمني وعجز وفشل القوات الأمنية الحكومية عن ضبط الأوضاع والسيطرة على تداعياتها. وهذا يعني تزايد احتمالات اندلاع صراع طائفي جديد، يمكن أن ينتهي بإعلان الفدراليات.

وهذه هي الركيزة الثالثة في حالة العراق. إن رؤية الانسحاب من منظور خطة بايدن هو الذي يفسر لنا معنى النجاح والفشل، والهزيمة والنصر، والاستقرار الموعود والحرب المحتملة، فبعد محو الدولة وتفكيك بناها، وإزالة المادة الصمغية اللاصقة من النسيج الاجتماعي العراقي، يصبح هدف إعادة تركيب العراق كبلد فدرالي هدفا واقعيا ومحتوما، ولكن بعد أن يخرج من تجربة صراع جديدة ورهيبة ولا سابق لها.

عندما كان بايدن عضوا في الكونغرس في عهد الإدارة الجمهورية السابقة، وضع خطته التي سوف تعرف باسمه الشخصي. الخطة لم تنشر أو تعرض علنا إلا في أعقاب احتلال العراق، وقد نشرتها صحيفة "بغداد" التي كانت تصدرتها حركة الوفاق الوطني بقيادة إياد علاوي في يونيو/حزيران 2003 تحت اسم "خطة التقسيم الإداري للعراق".

وهي تتضمن تصورا عن تقسيم البلاد إلى تسع ولايات هي، ولاية الكوفة وتضم الحلة (بابل) والنجف وكربلاء، وولاية البصرة، وولاية نينوى وتضم صلاح الدين (تكريت) والموصل وولاية السليمانية، وولاية أربيل وتضم أربيل ودهوك... إلخ..

ويبدو من سياق التطورات والأحداث أن الخطة وجدت صدى عند السياسيين العراقيين، وذلك عندما أوفد زعيم المجلس الأعلى الراحل عبد العزيز الحكيم نجله عمار الحكيم مرتين متتاليتين إلى واشنطن للقاء بايدن من أجل مواصلة النقاش حول الفدرالية.

"
الانسحاب بقدر ما هو فض اشتباك عسكري جزئي مع الحالة العراقية سيمهد لنوع من فض اشتباك سياسي جزئي مماثل، ولكن في إطار نسق ثقافي جديد، يصيح فيه التقسيم نتاج إرادة جماعية محلية وليس إرادة خارجية
"
وفي صيف 2005-2006 كما لاحظنا تصاعدت الدعوات إلى فدرالية الوسط والجنوب (الشيعية) وبات اسم الخطة يعرف باسم اتفاق الحكيم بايدن.

إن فهما أفضل وأعمق لمضمون الانسحاب يجب أن يلاحظ هذا الجانب من حالة العراق الراهنة، فالتطورات السياسية والأمنية تلازمت مع تطوير "إيديولوجيا الفدراليات" في الفكر السياسي العراقي على نحو غير مسبوق في التاريخ الوطني، إذ لم يتسن لفكرة الفدرالية في أي وقت أن حظيت بهذا القدر من "التنظير السياسي" مثلما يحدث اليوم.

ما من أحد إلا ويجادل في فضائل الفدرالية، حتى المواطنون البسطاء والمخدوعين صاروا يجادلون مثل السياسيين في منافع الفدرالية كوصفة سحرية للحل.

بكلام آخر، فإن الانسحاب بقدر ما هو فض اشتباك عسكري جزئي مع الحالة العراقية سيمهد لنوع من فض اشتباك سياسي جزئي ومماثل، ولكن في إطار نسق ثقافي جديد، يصيح فيه التقسيم نتاج إرادة جماعية محلية وليس إرادة خارجية. وهذا هو مغزى اسم الخطة "التقطيع الناعم"، أي أن العراقيين هم من سيتولى مهمة تقسيم البلاد، بأيديهم لا بأيدي الأميركيين.

في الواقع لم يكن الانسحاب قرارا جديدا أو مفاجئا اتخذته الإدارة الأميركية الديمقراطية تحت ضغط الهزيمة العسكرية، بل الحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها هي أن حالة العراق الراهنة أنتجت "لحظة فيتنامية" رائعة، لكنها -ويا للأسف- لحظة من دون فيتناميين، أي من دون قوى سياسية وعسكرية منظمة وموحدة قادرة على إرغام الأميركيين على الجلوس إلى طاولة مفاوضات علنية حول الانسحاب؟

ولهذا السبب فقط، فإن الانسحاب بدا خاليا ومفرغا من أي مسحة، تدل على أنه هزيمة سياسية وعسكرية لواشنطن كما حدث في فيتنام، ولذلك أيضا يجب أن ينظر إلى قرار الانسحاب بوصفه قرارا مدروسا بعناية منذ وقت طويل، وليس نتاج تفاهم راهن مع الحكومة ولا هو بحاجة سياسية أميركية داخلية تتعلق بالانتخابات النصفية للكونغرس كما يشاع. ففي شتاء 2004 وبعد أقل من عام على الاحتلال، نشرت صحيفة غارديان البريطانية تصورا عن إستراتيجية "الخروج من العراق".

آنذاك، بدا نشر هذا التصور نوعا من الخداع، إذ كيف يمكن الحديث عن خطوة دراماتيكية من هذا الطراز، بينما كان المحتلون يتحدثون عن البقاء الطويل لإنشاء نموذج ديمقراطي مشع في المنطقة؟

والخلاصة أن الانسحاب من المنظور الأميركي هو الخطوة الأولى والكبرى التي تمهد لوضع العراق على أعتاب حالته الثانية، أي الحرب الأهلية. وبهذا المعنى فقط تجب رؤيته كتطور يمكن أن يؤدي إلى تطور مواز هو الصراع الطائفي، وهذا الصراع لن ينتهي أو يتوقف إلا بإعلان الفدراليات.

إن أسوأ ما يُسمع اليوم من الطبقة السياسية العراقية إصرارها على الزعم بأن العراقيين بوعيهم المجرد، ورفضهم الغريزي للصراع الداخلي، تمكنوا من تجاوز مخاطر الحرب الطائفية.

ما يجب أن يقال صراحة وبوضوح هو أن الوعي المجرد للشعوب والجماعات البشرية بمخاطر الحرب الداخلية لن يكون عاملا حاسما إلا بتلازمه مع وجود قوى منظمة ووسائل وأدوات حقيقية رادعة للصراع الداخلي، وهو ما تفتقده الحالة العراقية.

"
العدو حين ينسحب حتف أنفه، فإن جنوده يشمون رائحة الهزيمة في كل مكان، ولكنه حين يترك البلد المحتل دون سبب مفهوم، فإن على أبناء البلد أن يشموا رائحة الخديعة
"
ثانيا
، إن مخطط احتلال العراق يقوم في الأصل على ترابط الانسحاب مع الحرب الطائفية، والحرب الطائفية مع نشوء الفدراليات. ولذلك سوف يكون مطلب الخروج من مأزق هذه الحرب في حال اندلاعها متلازما مع تصعيد مطلب الفدراليات وشرعنتها والدفاع عنها بوصفها الحل الوحيد لوقف الصراع أو إخماده.

إن مخاطر اندلاع حرب طائفية جديدة في العراق ينجم عنها فض الشراكات الوطنية التقليدية لم تعد مجرد احتمال عابر. والغريب أن بعض القوى التي كانت بالأمس القريب تتخذ موقفا مناهضا لفكرة الفدرالية أصبحت اليوم من أكبر طلابها.

فالتيار الصدري مثلا وهو يفاوض على حصته من الحكومة القادمة صار يشترط أن ترتبط حصته هذه بحصته في "أقاليم الوسط والجنوب"، بينما تتعالى في أوساط أهل السنة الدعوات إلى فدرالية الأنبار! فماذا يعني ذلك؟

ألا يعني أن الاحتلال خلق كل ما يلزم من ظروف وعوامل وقوى وأدوات ووسائل محلية، باتت مهيأة وجاهزة لوضع العراق في قلب طور جديد من تشكله، بحيث ينتقل من حالة التمزق الساكن (الجامد) إلى حالة الصراع المتحرك؟

ثالثا، إن الانسحاب كما يتحدث عنه الجميع اليوم في العراق والعالم العربي وفي أوروبا وحتى في واشنطن هو قرار أميركي تعهد بتحقيقه قبل سنوات الرئيس أوباما شخصيا. وإذا كان الأمر كذلك، كما يرى هؤلاء، فهو إذن ليس هزيمة عسكرية، أي ليس انتصارا عراقيا.

قد يبدو الانسحاب في أنظار كثيرين من حسني النية والمتفائلين مقدمة لبلوغ الاستقرار، ولكن هؤلاء لا يلحظون أهمية ربطه بإستراتيجية واشنطن التي رأت حالة العراق، كحالة مؤلفة من ثلاث ركائز مترابطة، ليس الانسحاب فيها سوى مقدمة لحرب طائفية، تماما كما في خطة جوزيف بايدن.

لقد خلقت المقاومة العراقية "لحظة فيتنامية"، ولكن من دون قوى قادرة على جعل الانسحاب قرارا عراقيا لا قرارا أميركيا. والحال هذه، فالانسحاب قرار أميركي يرتبط بإستراتيجية واشنطن في المنطقة، وليس ثمرة هزيمتها العسكرية.

يقال في التاريخ إن العدو حين ينسحب حتف أنفه، فإن جنوده يشمون رائحة الهزيمة في كل مكان، ولكنه حين يترك البلد المحتل دون سبب مفهوم فإن على أبناء البلد أن يشموا رائحة الخديعة. وقديما قالت العرب في معرض التحذير من الخطر القادم، "لأمر ما جدع قصير أنفه".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة