السلام بدون حماس   
الأربعاء 1427/2/1 هـ - الموافق 1/3/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:17 (مكة المكرمة)، 10:17 (غرينتش)

محمود أحمد

- السؤال الغائب
- الاتفاقات.. والنوايا الخفية
- لا سلام.. الآن

أثار فوز حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) في الانتخابات الأخيرة دوامة من الجدل انجرف إليها الجميع، دون استثناء تقريبا، داخل فلسطين نفسها وعلى اتساع الساحة العربية.. من الخليج إلى المحيط.

وجذب الجدل الدائر كل المهتمين من السياسيين والمسؤولين، إلى جانب المحللين والمعلقين والكتاب، وحتى رجل الشارع الذي لا يخفى أنه يتابع التطورات بتخوف وقلق.

وتفاوتت المواقف والاجتهادات بين من يشجع حماس على ضرورة الأخذ بسياسة الاعتدال والواقعية التي تفتح أمامها أبواب المجتمع الدولي المغلقة، ومن ثم تمكنها من تسلم السلطة التي أهلتها لها نتيجة الانتخابات، ومن يتوقع ألا يكون بمقدور الحركة أن تغير جلدها بهذه البساطة وتتنكر للبرنامج الذي انتخبتها على أساسه الجماهير الفلسطينية.. ما يرجح –في نظر هؤلاء– أن يواجه قادة حماس أياما صعبة في المستقبل المنظور.

على أن الحلقة المفقودة في هذا الجدل الدائر، تظل تلك المتعلقة بالحاجة إلى تفحص موقف إسرائيل الحقيقي من قضية السلام، الذي يحتجب الآن نتيجة لفوز حماس وإقدام الناخب الفلسطيني على حسم خياره على النحو الذي جرى.

"
الموقف الذي تمليه إسرائيل فعلا يتلخص في أن السلام مع الفلسطينيين غير ممكن التحقيق في المستقبل القريب.. وهي نبوءة عبر عنها أكثر من مسؤول إسرائيلي دون مواربة
"

السؤال الغائب!
يظل السؤال الغائب عن دوامة الجدل الدائر الذي أغرق الجميع أنفسهم فيه، هو ذلك المتعلق بالموقف الذي تمليه إسرائيل فعليا –حتى قبل أن يخطر فوز حماس على بال أحد- ويتلخص في أن السلام مع الفلسطينيين غير ممكن التحقيق في المستقبل القريب.. وهي "نبوءة" عبر عنها أكثر من مسؤول إسرائيلي دون مواربة.

لقد جاءت هذه النبوءة، مثلا، على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز، في وقت كان فيه فوز حماس لا يزال مجهولا في رحم الغيب، وكانت حكومة إسرائيل بزعامة أرييل شارون –قبل أن ينزلق إلى غيبوبة المرض– تمارس سياستها المعتادة في التضييق على الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

فقد كانت تسد عليه كل الطرق التي تمكنه من ممارسة مسؤولياته بينما تلقي عليه اللوم لعدم قيامه بضبط العنف في الشارع الفلسطيني، وتقطع الطريق في الوقت نفسه على أي جهود للتوصل إلى سلام حقيقي بين السلطة وإسرائيل.

وكانت البشرى التي أطلقها وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز في وقت مبكر، خلال أكتوبر/ تشرين الأول الماضي قد جاءت على شكل نبوءة مزدوجة، تقول إنه لا سبيل إلى إقامة سلام مع الجيل الحالي من الفلسطينيين، وإن الدولة الفلسطينية المأمولة لن ترى النور في المستقبل المنظور!

وقد ظلت هذه الهواجس والشكوك تتفاعل على مر السنين، بينما تتعمد الحكومات الإسرائيلية العمل على إفشال أي اتفاقات تحمل بصيص أمل للتقدم نحو السلام.. من أوسلو إلى "خريطة الطريق"، مرورا باتفاقات القاهرة وواشنطن وطابا وشرم الشيخ، ومحادثات "واي بلانتيشن" وكامب ديفد الثانية، وتفاهمات ميتشل وتينيت، وغير ذلك مما يتعذر حصره!

الاتفاقات.. والنوايا الخفية
الأمر المهم في استبعاد التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين في المستقبل المنظور هو أن ما يعبر عنه، إسرائيليا، ليس مجرد تصريح أو نبوءة عابرة تصدر عن مسؤول إسرائيلي، وإنما هو اتجاه عبر عنه –إلى جانب السياسيين– محللون وكتاب وباحثون في مراكز أبحاث تغطي مختلف مجالات الحياة في إسرائيل.

يلاحظ إيتامار رابينوفيتش، الأكاديمي الإسرائيلي والسفير السابق في واشنطن، أن الاتفاقات مع الفلسطينيين لا تنفذ لأسباب إسرائيلية، قد تكون عقائدية في جوهرها وقد تكون تكتيكية، ولكنها تؤدي – في كل الأحوال – إلى تجميد أو إفشال ما يتم الاتفاق عليه!

"
أقوال وأفعال نتنياهو لم تعكس اقتناعا بإمكان تحقيق تسوية سلمية مع الفلسطينيين، لكنه من المتعذر تبين ما إذا كان ذلك نتيجة لمقاومة ذاتية نابعة من معتقدات أيديولوجية، أم أنه لدواع تكتيكية فرضتها رغبته في إبقاء تماسك الائتلاف الحكومي في ذلك الوقت
"
وبطبيعة الحال، فإن رابينوفيتش لا يقر صراحة بهذه الحقيقة، وإنما يعترف بها ضمنا في ما أورده في كتابه شن السلام Waging Peace الذي صدرت طبعته الأولى عن دار نشر في نيويورك عام 1999، والذي يتطرق فيه إلى اتفاق "واي ريفر" الذي تم توقيعه في البيت الأبيض في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 1998.

فهذا الاتفاق الثلاثي الأميركي الإسرائيلي الفلسطيني، تضمن نقل السيطرة على أجزاء من الضفة الغربية 13% إلى السلطة الفلسطينية، مقابل موافقة السلطة على تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني لحذف الفقرات التي تدعو إلى إزالة إسرائيل، وكذلك القيام بحملة ضد الأصوليين الإسلاميين والإرهابيين الذين يعارضون عملية السلام.

ويقول رابينوفيتش إن أقوال وأفعال بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك لم تعكس اقتناعا بإمكان تحقيق تسوية سلمية مع الفلسطينيين، وإنه كان من المتعذر تبين ما إذا كان ذلك نتيجة لمقاومة ذاتية نابعة من معتقدات أيديولوجية تعتمل داخل نتنياهو أم أنها كانت لدواع تكتيكية فرضتها عليه رغبته في إبقاء تماسك الائتلاف الحكومي في ذلك الوقت.

وبالطبع، لا يفوت رابينوفيتش أن يسجل أنه كان من المتعذر بالقدر نفسه معرفة ما إذا كان الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، الذي وقَع هو أيضا على هذا الاتفاق يمكن أن يفي بالتزاماته بمعالجة قضية أعداء عملية السلام.

ولكنه يقر بأنه من الأيسر فهم وتفسير الأسباب التي حدت بعرفات إلى قبول ما جاء في الاتفاق، وهو ما لا يمكن تتبعه بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي كان معروفا عنه أنه يرفض اتفاقات أوسلو كليا، ويعارض تقديم أي تنازلات في الأراضي في الضفة الغربية.

ورغم أن رابينوفيتش لا يفصح عن مدلول ذلك صراحة، فإن سياق كلامه يوحي بأن نتنياهو لم يقبل بالاتفاق إلا لأنه كان يضمر من البداية نية عدم التقيد به أو تنفيذه أصلا!

وبغض النظر عن التفاوت الهائل في قدرات كل من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي الذي يجعل الفلسطينيين دائما تحت رحمة الإسرائيليين وقوة الاحتلال الكاسحة، ويفرغ أي التزام متبادل من معناه، فإن ما ينبغي التنبه إليه هنا هو ما يلجأ إليه الإسرائيليون من وسائل وما يختلقونه من ذرائع لإجهاض أي اتفاق يتم التوصل إليه مع الفلسطينيين.. أيا كان هذا الاتفاق. والأمثلة فى هذا الصدد أكثر من أن تحصى!

والحاصل أن الفلسطينيين في قرارة أنفسهم قد فقدوا الأمل في إمكان الاتفاق على أي شيء مع الجانب الجار الإسرائيلي، وباتوا يفتشون –مع كل تجربة – عن مكمن الخديعة في أي وعود تبذل لهم.

"
الفلسطينيون في قرارة أنفسهم فقدوا الأمل في إمكان الاتفاق على أي شيء مع الجانب الإسرائيلي، وباتوا يفتشون مع كل تجربة عن مكمن الخديعة في أي وعود تبذل لهم
"
لا سلام.. الآن!
يرى الكاتب الصحفي الإسرائيلي آري شافيت، أن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين إنما هو صراع بين شعب محتل وشعب مهدد، فالإسرائيليون يحتلون أرض الفلسطينيين، والفلسطينيون يهددونهم.

ولكن شافيت لا يتورع عن قلب الحقائق، فيقرر بكل جرأة أن "ليس الاحتلال هو الذي أوجد الخطر، وإنما الخطر هو الذي سبب الاحتلال"!

ويقول إنه دون علاج متواز للاحتلال والخطر، لن يتم العثور على حل للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين.

وإذا كان هناك من الإسرائيليين من يتمسك بأيديولوجية "أرض إسرائيل الكاملة"، فإن هؤلاء أقلية –في نظر شافيت– والأغلبية ليست شريكة في هذه الأيديولوجية، ولهذا فإن تلك الأغلبية تسلم بواقع الاحتلال "لأنها تخشى من اليوم التالي"، على حد قوله.

لذا فهو يخلص إلى أن السبب العميق لاستمرار الاحتلال هو الخطر!! وهذه الفرضية، تنتهي بالكاتب الإسرائيلي إلى أن يضعنا أمام معضلة أو حلقة مفرغة.

ففي رأيه أنه إذا كان الاحتلال قد جاء بسبب الخطر فإنه يستمر ويتواصل خشية أن يكون إلغاء الاحتلال من شأنه أن يعيد إحياء هذا الخطر.

إنها ثنائية معقدة إذن، وهي تفرض على الجميع مأزقا لا سبيل للخلاص منه ولا حل له إلا ذلك الحل الذي يصفه شافيت بأنه حل أخلاقي.. ألا وهو "السلام"!

وهو يقول إن هناك اعتقادا، ظل سائدا طوال عقد التسعينيات وحتى العام 2000، الذي اندلعت فيه الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بأن التوصل إلى وضع حد للمواجهة سيكون ممكنا، عاجلا أو آجلا.

ولكن الأمل في تحقيق مثل هذا الحل لم يلبث أن تحطم، اعتبارا من العام 2000 ليفسح مجالا لحقيقة فرضت نفسها على أرض الواقع، وهي أنه لا سبيل إلى إيجاد حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي خلال الجيل الحالي!

ولأن استمرار الاحتلال ينطوي على مخاطر جمة كما أن إنهاء هذا الاحتلال عبر تسوية نهائية غير ممكن من وجهة النظر الإسرائيلية، ونظرا لتعذر تحقيق تسوية مرحلية في الظروف الراهنة، فإنه لا يبقى من خيار سوى إيجاد "وضع انتقالي" لا ينهي الاحتلال وإنما "يقلصه" على نحو يخفف على الإسرائيليين تحمل العبء الديموغرافي والسياسي الذي يلقيه الاحتلال على كاهل إسرائيل.

من هنا انبثقت فكرة "الفصل" التي جاء الجدار العازل تجسيدا لها، والتي أقرتها حكومة أرييل شارون ونفذتها متجاهلة تماما كل الاعتراضات ضدها.

"
لأن استمرار الاحتلال ينطوي على مخاطر جمة، كما أن إنهاءه عبر تسوية نهائية غير ممكن من وجهة النظر الإسرائيلية، فإنه لا يبقى من خيار سوى إيجاد "وضع انتقالي" لا ينهي الاحتلال وإنما يخفف على الإسرائيليين تحمل أعبائه
"
ويزعم الكاتب الإسرائيلي أن فكرة الفصل جاءت لكي تقدم "الرد المفقود" على تلك الثنائية المعقدة: ثنائية الاحتلال والخطر، أما سبيلها لطرح هذا الرد، فهو التقدم خطوة محدودة نحو إنهاء الاحتلال، تكون فيها أخطار التهديد الكامنة محدودة أيضا.

والهدف بالنتيجة هو إيجاد تلك المرحلة الانتقالية التي أشار إليها والتي تمكن إسرائيل من تقليص الاحتلال والتخفيف من أعبائه الديموغرافية والسياسية.

ويذهب شافيت إلى أن فكرة الفصل هذه إنما تقوم في جوهرها على أساس تبني مشروع لتقسيم البلاد، على حد تعبيره، أي تقسيم أرض فلسطين بين الكتلتين البشريتين اللتين تعيشان عليها: الفلسطينيين والإسرائيليين.

ومع أن مشروع التقسيم هذا يظل غامضا فيما يطرحه الكاتب الإسرائيلي، فإنه يعتبره على درجة عالية من الأهمية تكاد تصل به إلى أن يصبح هو "المشروع القومى المركزى" لإسرائيل في العقد المقبل، حتى إنه يعتبره "مساويا في أهميته للمشروع القومي الذي أقامته إسرائيل في ديمونا، أي بناء القوة النووية الإسرائيلية لأنه هو الذي سيقرر مستقبل إسرائيل، ومستقبل الإسرائيليين حياة أو موتا كما يقول.

على أن شافيت يحذر، صراحة من أن أي مشروع لتقسيم أرض فلسطين في غياب السلام سيعني التلاعب بمواد تاريخية مشعة، على حد تعبيره، ومن شأن ذلك أن يطلق طاقة قومية ودينية هائلة لدى الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.

من هنا فإنه يدعو إلى أن يجري التخطيط لمشروع التقسيم بكل دقة وأن ينفذ بتعقل وطول نفس.

هذه هي حقيقة الصورة إذن، وهذا هو جوهر الموقف الإسرائيلي الذي يكاد يضيع في دوامة الجدل التي غرق فيها الجميع منذ وقوع "زلزال" حماس.

وسواء اعترفت حماس بإسرائيل أم لم تعترف، وسواء اعتدلت أم بقيت على تشددها، وأيا كان الشكل الذي سيستقر عليه قادة الحركة لإدارة الحكم في المرحلة القادمة، فإن قضية السلام تبقى شأنا آخر تماما..
__________________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة