مقارنة بين نكبتين.. فلسطين والعراق   
الجمعة 1428/11/13 هـ - الموافق 23/11/2007 م (آخر تحديث) الساعة 23:45 (مكة المكرمة)، 20:45 (غرينتش)


عبد الله الحسن

الأشباه والنظائر
قرارا التقسيم
نظرة قانونية
السياقات التاريخية والمعاصرة

يصف بعض المفكرين حركة التاريخ بعموميتها بوحدة الجانبين المتكرر واللامتكرر، لكن حين تنضبط حركة التاريخ على إيقاع معين ووفق أهداف محددة، كالتي تصوغها المصالح الأميركية في ظل اكتمال أسرلة السياسة الخارجية والمحلية الأميركية، يغلب الجانب المتكرر على الجانب اللامتكرر، وإن في سياقات جديدة، ويبدو ذلك جلياً لدى المقارنة بين فلسطين الأمس والعراق اليوم، حيث نقع على الكثير من الأشباه والنظائر.

الرابط بينهما ليس رابط الجغرافيا والتاريخ والهوية فحسب، بل هو رابط أكده البرنامج الصهيوني الذي ولد في فندق بلتيمور بنيويورك عام 1942، ونشهد محاولات استكمال ترجمة مقرراته واقعاً، وهي كما أماط اللثام عنها الجنرال باتريك هارلي الممثل الشخصي للرئيس الأميركي روزفلت (1933-1945) في الشرق الأوسط:

1- إنشاء دولة يهودية ذات سيادة تضم فلسطين وربما شرق الأردن أيضاً.
2- احتمال نقل السكان العرب من فلسطين إلى العراق.
3- قيادة يهودية للشرق الأوسط كله في مجال التطور الاقتصادي.

وقد كثف الأمر المفكر الأميركي مايكل كولينز باير في عبارة واضحة خلال محاضرته يوم 23-11-2003 في مركز زايد للتنسيق والمتابعة في أبو ظبي "إن حرب أميركا على العراق هي ضمن مخطط إقامة إسرائيل الكبرى".

الأشباه والنظائر
تستعيد تجربة الاحتلال الأميركي للعراق الكثير من تفاصيل تجربة الاحتلال البريطاني لفلسطين، حيث نقع على الكثير من النظائر، فوعد بلفور مثلاً أطاح بهوية الشعب الفلسطيني الوطنية والقومية، واستخدم بديلاً منها عبارة "الطوائف غير اليهودية" مثلما أطاح دستور اليهودي الأميركي نوح فيلدمان بهوية العراق الوطنية والقومية لصالح الهويات المذهبية والإثنية، واستبدل بالدولة الوطنية المركزية الدولة الفاشلة القائمة على أسس كونفدرالية.

"
تجربة الاحتلال الأميركي للعراق تستعيد الكثير من تفاصيل تجربة الاحتلال البريطاني لفلسطين، حيث نقع على الكثير من النظائر، لكن التناظر الأبرز بين الاحتلالين هو اتباع سياسة تهجير المواطنين العرب السكان الأصليين من البلدين واستبدال قوى بشرية مستوردة بهم
"
ومقابل هربرت صموئيل -أول مندوب سام بريطاني في فلسطين المعروف بميوله الصهيونية- كان الأميركي بول بريمر الحاكم الأميركي المدني للعراق، والموالي لعصابة إسرائيل في الإدارة الأميركية (المحافظون الجدد) ومقابل العصابات الإجرامية الصهيونية التي ارتكبت المجازر بحق الشعب الفلسطيني الهاغاناه، والأرغون، وإيتسل، يغص العراق بالشركات الأمنية المتخصصة بقتل وترويع المدنيين من أضراب بلاك ووتر وأخواتها، وفرق الموت.

حيث تشير المعطيات المتوافرة إلى أن لجهاز الموساد الصهيوني اليد الطولى في تشكيلها وتغذيتها وتنميتها للقضاء على الرأس المال البشري العراقي من العلماء وكبار الإداريين، ونخبة ضباط الجيش السابق.

لكن التناظر الأبرز بين الاحتلالين هو في اتباع سياسة تهجير المواطنين العرب السكان الأصليين من فلسطين والعراق، واستبدال قوى بشرية مستوردة بهم.

الصهيونية انتهجت أسلوب المجازر والطرد لتهجير العرب الفلسطينيين بحيث لم يبق منهم عام 1948 سوى (150) ألفاً، وبمثل ذلك قادت المجازر الأميركية -بلغ عدد ضحاياها منذ الاحتلال 1.5 مليون عراقي- إلى تهجير نحو ستة ملايين عراقي من ديارهم، وجلب أربعة ملايين من غير العراقيين من الأكراد، من تركيا وإيران.

قرارا التقسيم
كلا القطرين كانا عرضة لقرارات التقسيم، ففي فلسطين نبعت فكرة التقسيم من الرأي الاستعماري القائل  "ما دام العرب يعتبرون المستوطنين غزاة ودخلاء، وما دام اليهود يرمون إلى التوسع على حساب العرب، فالحل الوحيد هو الفصل بين الشعبين، بقيام دولتين: دولة يهودية في الأراضي التي يكون اليهود أكثرية سكانها، ودولة عربية في المناطق الأخرى على أن تبقى القدس وبيت لحم تحت الانتداب ولا يسري عليها وعد بلفور.

بينما نبعت فكرة تقسيم العراق من فكرة تكريس "الديمقراطية" وضرورة منع عودة الديكتاتورية والاستبداد، ومنع احتكار الحكم من قبل "الأقلية السنية" وتمكين "الأكثرية الشيعية" من حقها في الحكم، وتوفير المناخ الملائم للأكراد للتعبير عن شخصيتهم وممارسة حقوقهم القومية.

قرار تقسيم فلسطين وضعته لجنة بيل الملكية عام 1937 وتبنته الحكومة البريطانية حيث بقيت تدافع عنه، وتعمل على تحقيقه، رغم تراجعها الظاهري بسبب ثورة العرب عليه ومقاومتهم له، وقد نجحت بريطانيا بعد عشر سنوات من تحويله إلى قرار أممي صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم 181 لعام 1947، والذي شكل الأساس في نكبة فلسطين عام 1948 ولا نزال نعيش فصولها الدامية إلى اليوم، رغم مرور ستين عاماً على قرار التقسيم المذكور سيئ الصيت.

أما قرار تقسيم العراق فقرار رسمت معالمه في مراكز الأبحاث الصهيونية، منذ عام 1982 وذلك في الوثيقة المعروفة باسم "إستراتيجية إسرائيل في الثمانينيات التي أشرف على صياغتها عوديد بنيون مستشار مناحيم بيغن لشؤون الأمن القومي، لكن بقيت هذه الخطط حبيسة الأدراج أو في نطاق تداول وسائل الإعلام، إلى أن نجحت خطط تثليم الوحدة الوطنية العراقية بالصدوعات والانشقاقات ثم بالتقاتل المذهبي، وإخراج الأكراد العراقيين من دورة الحياة الوطنية منذ عام 1991، عندها بادر الكونغرس يوم 26/9/2007 إلى إصدار القرار 1535 القاضي بتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات: شيعية، وسنية، وكردية.

نظرة قانونية
يمتلك القراران -قرار تقسيم فلسطين، وقرار تقسيم العراق- صفة القرار الكاشف وليس المنشئ، بحكم اندراجهما في الفكر الإستراتيجي الاستعماري، كما يتقاسمان صفة اللاشرعية فقرار تقسيم فلسطين شكل خروجاً من قبل الأمم المتحدة على حدود اختصاصها.

وتمثل الخروج الأول في أن الجمعية العامة لا تملك سلطة إصدار القرار، وإنما سلطة اتخاذ التوصيات بينما الذي يملك سلطة القرار الملائم لطبيعة هذا المشروع، ومقتضيات تنفيذه هو مجلس الأمن.

"
قرارا تقسيم فلسطين وتقسيم العراق يمتلكان صفة القرار الكاشف وليس المنشئ، كما يتقاسمان صفة اللاشرعية فقرار تقسيم فلسطين شكل خروجاً من قبل الأمم المتحدة على حدود اختصاصها, وتقسيم العراق مخالف للأعراف والمبادئ الدولية
"
أما التجاوز الثاني فيأتي من ما تضمنه قرار التقسيم من عبارة عن أوضاع ومراكز قانونية جديدة في كيان فلسطين، لا يمكن إنشاؤها من وجهة نظر القانون الدولي إلا بمقتضى اتفاقات ومعاهدات بين الأطراف الدولية.

لهذا الغرض، فتجزئة بلد إلى دولتين أو شعب إلى شعبين عمل لا تملك اتخاذه أي سلطة من سلطات الأمم المتحدة، لأن التسويات التي يجوز لهذه السلطات وضعها ينبغي أن تكون تسويات تكشف عن حقوق ومراكز قانوينة، وليس تسويات منشئة لها.

كما كان قرار تقسيم فلسطين خرقاً لواحد من أهم مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وهو مبدأ تقرير المصير الوارد في المادة الأولى، الفقرة الثانية التي نصت "أن مقاصد الأمم المتحدة إنماء العلاقات الودية بين الأمم المتحدة على أساس احترام المبدأ الذي يقضي المساواة في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتقرير السلم العالمي".

هذا المبدأ يملي على أي سلطة دولية قبل التصرف بكيان أو مصير أي شعب ووطن استشارة هذا الشعب ومعرفة رأيه في هذا التصرف، فإن أعرب بإرادة أكثريته عن قبوله له أجيز وأصبح نافذاً في القانون الدولي، وإلا جاء باطلاً لا وزن له في ظل المبادئ الدولية المعاصرة.

أما قرار تقسيم العراق فهو مخالف للأعراف والمبادئ الدولية المعاصرة, فالعراق ليس ولاية أميركية حتى يترك تقرير مصيرها لمجلس الشيوخ، كما أنه قرار مضاد للشرعية الدولية لأن الولايات المتحدة -وفق قواعد القانون الدولي-هي دولة احتلت العراق، والقانون الدولي يرتب على الدول المحتلة واجبات ومسؤوليات ليس من بينها بالطبع حقوق تقسيم الدولة الخاضعة للاحتلال.

فهو قانون صدر بحق القوة فقط، والذي أعطت الولايات المتحدة بموجبه لنفسها حق إصدار تشريعات يوافق عليها الكونغرس كي تطبق على مختلف الدول وكأنها الحاكم المطلق للعالم، وفي تقديرنا أنه لم يحدث في التاريخ الحديث أن قوة عظمى، أعطت لنفسها الحق في إصدار تشريعات ملزمة للدول كافة.

السياقات التاريخية والمعاصرة
قبل أن تنطلق شرارة الحرب العالمية الأولى، كانت خطة بريطانيا لفلسطين محددة وموضع مباحثات مع الحركة الصهيونية، التي كتب زعيمها آنذاك حاييم وايزمان في 10/10/1914, وقبل أن تدخل تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا: "إن خططي تقوم على أساس افتراض أن الحلفاء سوف يكسبون الحرب، وهذا ما لا أوده مخلصاً، ولا شك أن فلسطين سوف تقع في نطاق نفوذ بريطانيا، فإن فلسطين هي امتداد طبيعي لمصر، وإذا أتيحت لنا الفرصة فإننا نستطيع أن ننقل مليون يهودي إلى فلسطين خلال الخمسين أو الستين عاماً القادمة، وبذلك يتوفر لبريطانيا حاجز ويتوفر لنا وطن".

أما نكبة العراق فقد ولدت في خضم السعي الأميركي إلى خلق أمر واقع جديد يخدم المصالح الأميركية الجديدة في طبعتها الإمبراطورية، بدعوى أن العراق كدولة مركزية موحدة هي كيان حديث النشأة خلقته المصالح البريطانية.

عقب الحرب العالمية الأولى، تعبيراً عن أمر واقع يخدم المصالح الإمبراطورية البريطانية وبما أن بريطانيا الإمبراطورية تراجعت في الشرق الأوسط منذ وقت طويل، وتقدمت الإمبراطورية الأميركية لوراثة هذه المنطقة، لذلك، من اللازم والطبيعي أن تبادر أميركا إلى تغيير الأمر الواقع البريطاني وتنتج واقعاً مختلفاً.

"
قرار تقسيم فلسطين ولد بعد ما يزيد عن عشرين عاماً من أولى ممهداته وعد بلفور المشؤوم، بينما قرار تقسيم العراق لا تفصله عن ممهداته سوى فترة زمنية قصيرة لم تستغرق الأعوام الأربعة، وهو لم يحتج إلى كثير عناء
"
ويندرج ضمن هذا السياق مقتضيات ومتطلبات المصلحة الصهيونية، ونقصد أمن الكيان الصهيوني، فالحركة الصهيونية أدركت مبكراً أو ربما منذ سنوات البداية أهمية وضرورة تحطيم العراق وتفكيكه إلى شظايا، باعتبار أن العراق هو محطم دولتي اليهود في "أورشليم وشكيم" قبل الميلاد، كما أنه نقطة انطلاق المقاومة ضد الحملات الصليبية، وانطلاقاً منه تم تحطيم أول إمارة صليبية "إمارة الرها".

مما لا شك فيه أن قراري تقسيم فلسطين والعراق، شكلا ذروة ما يسمى التكتيك التعاقبي وهو نمط من تكتيكات يمتلك مقدمات وممهدات في صورة ووعود، ومشاريع تتغير صيغتها تبعاً للمراحل الزمنية، ويجري تسويقها بالخداع والمخاتلة المعهودة في الدول الاستعمارية.

تجدر الإشارة إلى أن قرار تقسيم فلسطين ولد بعد ما يزيد عن عشرين عاماً من أولى ممهداته وعد بلفور المشؤوم، بينما قرار تقسيم العراق لا تفصله عن ممهداته سوى فترة زمنية قصيرة لم تستغرق الأعوام الأربعة، وهو لم يحتج إلى كثير عناء، فقط أخرج من أدراج مراكز الأبحاث والدراسات، ليوضع في يد واحد من مراكز القرار الأميركي، ويصدر في صيغة قرار.

استاذ التاريخ الحديث د. سيار الجميل، يرى أن القرار هو أبعد من تقسيم العراق إنه تدميره، ويقول بالحرف "ليس هناك مشروع لتقسيم العرق، بل هناك مشروع لتمزيقه".

وبموجب نظريتي الدومينو والأواني المستطرقة سيفعل مشروع تمزيق العراق فعله، ولن يكون أحد بمنأى عنه، إذا ما قيض له التحقق لا سمح الله، وعندها سنكون أمام قدر من الإحباطات والتوترات والنتائج ما يفوق نكبة فلسطين عام 1948 وعندئذ لن ينفعنا بكاء أبي عبد الله الصغير على الملك الضائع الذي لم يحافظ عليه كالرجال.
ــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة