الانتخابات البلدية في السعودية: قراءة في النتائج والدلالات   
الخميس 1426/3/27 هـ - الموافق 5/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:59 (مكة المكرمة)، 10:59 (غرينتش)

 

جعفر الشايب

سير الانتخابات
مشاركة القوي الجماعية

قراءة في النتائج
الدلالات والآفاق

أسدل الستار قبل أيام قليلة على المرحلة الثالثة للانتخابات البلدية في المملكة العربية السعودية لتكون أحدث عملية انتخابات شعبية واسعة لمؤسسات وهيئات تنظيمية ورقابية على أجهزة البلديات وذلك بعد توقفها عقودا عدة.

وعلى الرغم من كونها انتخابات نصفية شارك فيها الرجال ممن هم فوق سن الحادية والعشرين فقط، فإن هنالك اعتقادا سائدا بأنها قد تكون بداية تدشين عهد جديد يعتمد على الانتخابات العامة كوسيلة لاختيار المسؤولين في مختلف المواقع.

لقد حققت هذه الانتخابات معظم أغراضها المرسومة لها بصورة جيدة كتجربة تهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة الشعبية بصورة تدريجية، إلا أنها أثارت ردود فعل متباينة من قبل القوى الاجتماعية الفاعلة مردها الاختلاف في تفسير وفهم بعض بنود النظام الانتخابي، وكذلك بسبب النتائج التي لم تأت منسجمة مع توقعات البعض.

ومن المؤكد أنها خلقت أجواء جديدة في المجتمع السعودي انعكست على حالة التنافس بين المرشحين، وبروز تكتلات اجتماعية قامت على أسس مناطقية وقبلية ومذهبية أحيانا، إلا أنها بقيت في حجم معقول ولم تؤثر على مجمل مشروع العملية الانتخابية ونتائجها الإيجابية العديدة.

كما أنه من المؤمل أن تؤسس هذه التجربة الانتخابية لأرضية مناسبة أمام الدولة والمجتمع السعودي لمزيد من الخطوات والبرامج الإصلاحية التي تساهم في تعزيز المشاركة الشعبية وتوسيع فرصها، حيث تم الإعلان عن إجراء تقييم شامل وعلمي لهذه التجربة من قبل لجان متخصصة لتحديد مكامن الضعف فيها من أجل تجاوزها مستقبلا.

سير الانتخابات
"
حققت الانتخابات البلدية معظم أغراضها المرسومة لها، إلا أنها أثارت ردود فعل متباينة من قبل القوى الاجتماعية الفاعلة مردها الاختلاف في تفسير وفهم بعض بنود النظام الانتخابي
"

جرت الانتخابات البلدية بصورة مرضية بشكل عام في مختلف أنحاء المملكة حيث قسمت إلى ثلاث مراحل لأغراض إدارية وتنظيمية.

وجاءت نسب المشاركة في التسجيل لها متفاوتة من منطقة إلى أخرى نتيجة لعوامل ديموغرافية وثقافية ولأسباب تتعلق بكثافة الجهود الأهلية في بعض هذه الناطق، حيث أسهمت في زيادة عدد المسجلين في مراكز الاقتراع بصورة ملحوظة، كما أن إقبال هؤلاء المسجلين على انتخاب ممثليهم في المجالس البلدية كان كبيرا وبلغ نسبة فاقت 70% في بعض المناطق.

ويمكن الإشارة إلى أن هنالك إجماعا من قبل المرشحين والمراقبين على نزاهة العملية الانتخابية بشكل عام بصورة تعزز من شرعيتها ومن عدم التأثير في نتائجها من قبل الجهات المختصة، حيث فسح المجال أمام جهات رقابية أهلية عديدة وكذلك مندوبين من قبل المرشحين أنفسهم إضافة إلى مندوبي الصحافة المحلية والأجنبية لمراقبة تفاصيل العملية الانتخابية.

ومن ناحية أخرى فقد تميزت معظم الحملات الانتخابية في مختلف المناطق بحالة من التنافس المتزن ولم تسجل فيها مهاترات أو إساءات مباشرة بين المرشحين، وقد يكون مرد ذلك إلى صرامة قوانين وتعليمات النظام الانتخابي في هذا المجال، وتحديدا في موضوع إثارة النعرات القبلية والمذهبية والمناطقية وعدم المساس بالثوابت الدينية والوحدة الوطنية.

وأتاحت فترة الحملات الانتخابية الفرصة أمام المواطنين للتعبير عن قضاياهم ومطالبهم وآمالهم بصورة كبيرة مما رفع سقف الصلاحيات المحدودة المعطاة للمجلس البلدي، مطالبين المرشحين بتوسيع مجال اهتمامهم لتشمل قضايا متعلقة بشؤون الصحة والتعليم والعناية بالبيئة وضبط الأراضي وصيانة المال العام ومشاكل المرأة والشباب.

مشاركة القوي الجماعية
"
هنالك إجماع من قبل المرشحين والمراقبين على نزاهة العملية الانتخابية بشكل عام بصورة تعزز من شرعيتها ومن عدم التأثير في نتائجها من قبل الجهات المختصة "

بدا أن هنالك تشكيكا في جدوى الانتخابات وجديتها في المراحل الأولى من قبل العديد من القوى الاجتماعية الفاعلة، حيث لوحظ بروز إشكالات وتحفظات من قبل البعض منها سواء كانت إسلامية أو ليبرالية.

وشملت هذه التحفظات محدودية صلاحيات المجالس البلدية والانتخاب الجزئي لأعضائها - حيث أن للدولة الحق في تعيين نصف الأعضاء - وكذلك استبعاد مشاركة المرأة، إضافة إلى بروز رأي محافظ له موقف مخالف لأصل العملية الانتخابية ومشروعيتها لكونها نتاج فكر غربي.

لكن مع دخول الانتخابات في مراحلها العملية وبروز مرشحين من مختلف الاتجاهات، بدأت هذه القوى في التفاعل مع العملية الانتخابية ولو متأخرا وخلقت حالة من التنافس القوي بين مرشحي كل اتجاه.

ومع استثناء الاتجاه الإسلامي المحافظ الذي لم يبد تجاوبا ملحوظا مع هذه الأطروحة، فإن بقية القوى والاتجاهات دخلت المعركة الانتخابية وشاركت فيها بفاعلية وحضور كبيرين، كما وظفت هذه القوى جميع ما لديها من إمكانيات لدعم مرشحيها طوال فترة الحملات الانتخابية عبر الاستعانة برموزها وشخصياتها المعروفة والتأكيد على أطروحاتها الفكرية والسياسية.

ومع أن قوانين النظام الانتخابي تمنع بوضوح وصرامة قيام أي تكتل أو عقد تحالفات بين المرشحين في مختلف الدوائر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن النظام ذاته كان يلزم الناخب باختيار مرشحين من عدة دوائر إضافة إلى الدائرة التي يقيم فيها مما يتطلب بطبيعة الحال تنسيقا بين المرشحين أنفسهم بهدف الترويج لبعضهم بعضا خارج دوائرهم.

وقد دفع ذلك إلى بروز ظاهرة ما اصطلح عليه بـ"القوائم المزكاة" التي كانت تعبر في بعض الأحيان عن توجهات وتكتلات فكرية واجتماعية محددة، ولم تخل أي منطقة من مناطق المملكة من ظهور قوائم للمرشحين بصور وصيغ مختلفة تم العمل على ترويجها بصورة شعبية عبر وسائل التقنية الحديثة كشبكة الإنترنت ورسائل الهاتف النقال وغيرها.

كما أن النظام الانتخابي منع أيضا الترويج والدعاية للمرشحين في أماكن العبادة والدوائر الرسمية والأماكن العامة وحصرها فقط في المواقع الانتخابية لهؤلاء المرشحين، ولهذا تقلص تأثير الخطاب الديني المباشر في توجيه الناخبين عبر هذه المراكز العامة.

ومع أنه من الصعب تصنيف كل المرشحين في الانتخابات البلدية إلى اتجاهات فكرية أو سياسية محددة بسبب غياب أي أطر تنظيمية معلنة لمثل هذه الاتجاهات في المملكة، إلا أنه يمكن القول إن التيارين البارزين المشاركين في العملية الانتخابية يشكلان أطيافا متنوعة من ذوي الاتجاهات الإسلامية المعتدلة وكذلك مجاميع ليبرالية مختلفة وبينهما مرشحون مستقلون لا يعبرون عن اتجاه فكري محدد.

قراءة في النتائج
"
النظام الانتخابي منع الترويج والدعاية للمرشحين في أماكن العبادة والدوائر الرسمية والأماكن العامة وحصرها فقط في المواقع الانتخابية لهؤلاء المرشحين ولهذا تقلص تأثير الخطاب الديني المباشر
"

جاءت نتائج الانتخابات البلدية كما كان متوقعا في معظم المناطق، ولم تبد فيها أي مفاجئات كبيرة، حيث حصد التيار الإسلامي المعتدل الغالبية الكبرى من أصوات الناخبين وبصورة واضحة للعيان، بينما جاءت النتائج مخيبة للآمال بالنسبة إلى الاتجاهات الليبرالية، وحتى لبعض كبار رجال الأعمال المستقلين على الرغم من بذلهم السخي لتنظيم حملاتهم الدعائية في فترة الانتخابات.

وتأتي هذه النتائج استنادا إلى ما يتمتع به التيار الإسلامي من أرضية واسعة في المجتمع السعودي، ولما لديه من إمكانيات كبيرة تسهل عليه عملية توظيفها واستثمارها في الاستحقاقات الانتخابية وغيرها.

وبنظرة موضوعية، فإن القوى ذات الاتجاه الإسلامي في المملكة لديها من الفاعلية والحيوية والنشاط الشيء الكبير الذي يؤهلها لتحقيق مكاسب على الأرض، نظرا لقربها من قضايا المجتمع وهمومه وتمتعها بشبكة علاقات واسعة عبر المؤسسات الدينية والتطوعية والخدمية، وهذه الميزات جميعها غير متوفرة لدى الليبراليين الذين تقتصر نشاطاتهم في وسط النخب المثقفة، وضمن أطر محدودة.

ومن الملاحظ أيضا أنه حتى داخل الوسط الإسلامي كانت هنالك منافسة بين مختلف الاتجاهات والقوى برزت في "القوائم المزكاة" لكل اتجاه، ولكن جاء صوت الناخب حاسما لصالح المرشحين المعروفين بخدماتهم الاجتماعية والخيرية التي ساعدتهم في تشكيل قاعدة اجتماعية واسعة لهم.

كما أن دلائل الانتخابات تشير أيضا إلى غلبة حالة الاعتدال في المجتمع السعودي بصورة عامة في مقابل الصورة النمطية المأخوذة عنه بميوله إلى حالة التشدد والتطرف، فصوت المتشددين كان خافتا في العملية الانتخابية سواء في الموقف منها أو في المشاركة فيها، ولذا لم يبرز أي مرشح يمكن أن يكون محسوبا على الاتجاه المتشدد.

وعلى أثر إعلان النتائج في كل منطقة من المناطق كان هنالك شعور عام بالارتياح لسير عملية الانتخابات ونتائجها، إلا أن بعض المرشحين الخاسرين قدموا طعونا واعتراضات على النتائج حسبما يتيح لهم النظام الانتخابي، وذلك ضمن نسق طبيعي بعد كل عملية انتخابية.

وتركزت هذه الطعون في معظمها على أهلية بعض المرشحين الفائزين وتحالفهم مع بعضهم البعض ضمن "قوائم مزكاة". وتدرس لجان قانونية وشرعية مختصة في كل منطقة كل الطعون المقدمة وحقيقتها وتعلن عن النتائج النهائية بعد ذلك، إلا أنه لحد الآن لم تحقق هذه الطعون أي نتيجة تذكر.

الدلالات والآفاق
"
تشير الانتخابات إلى غلبة حالة الاعتدال في المجتمع السعودي بصورة عامة في مقابل الصورة النمطية المأخوذة عنه بميوله إلى التشدد والتطرف، ولم يبرز أي مرشح يمكن أن يكون محسوبا على الاتجاه المتشدد
"

لقد حققت الدولة والمجتمع في السعودية من خلال هذه التجربة عدة أهداف إيجابية محلية وإقليمية ودولية، فعلى الصعيد المحلي أثبت المجتمع السعودي أنه قادر ومؤهل للدخول في مشروع إصلاح سياسي يستند على أسلوب الانتخاب المباشر.

كما أثبتت الحكومة أيضا جدية في مشروع الإصلاح عبر إتاحة الفرصة لمواطنيها لممارسة حقهم الانتخابي -مع محدوديته- دون أي تدخل أو وصاية.

وقد يقود ذلك إلى طمأنة الجميع بصحة هذا الاتجاه وخاصة عندما يتم اختيار الأعضاء المعينين ممن هم من ذوي الكفاءة والجدارة من أجل إنجاح مشروع المجالس البلدية.

وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، جاءت ردود الفعل إيجابية ومشيدة بهذه التجربة التي تتزامن مع تطورات إقليمية ودولية مهمة جدا تدفع باتجاه المزيد من توجهات وخطط الإصلاح في مختلف جوانبه.

لكن العديد من الجهات الدولية -وخاصة الحقوقية منها- لا ترى أن هذه الخطوة وحدها كافية لاستيعاب التحديات والضغوط المختلفة وخاصة فيما يتعلق بمواجهة الإرهاب ومشروع الإصلاح السياسي الشامل الذي يستلزم مشاركة شعبية واسعة.

ويرى هؤلاء أن إشراك القوى الاجتماعية الفاعلة بمختلف اتجاهاتها -حتى المتشددة- في العملية السياسية سيساهم بشكل طبيعي في امتصاص حالة التوتر الاجتماعي والسياسي، وتحميل هذه القوى دورا رئيسا في المساهمة في إدارة القضايا والشؤون العامة مما يجعلها أكثر موضوعية وعملية.

ومن هنا فإنه يمكن اعتبار الانتخابات البلدية الجزئية في السعودية أول تجربة حقيقية للمشاركة الشعبية الفعلية في إدارة ورقابة الأجهزة التنفيذية للدولة، من خلالها يمكن للمجلس البلدي -المنتخب جزئيا- أن يمارس صلاحياته في الإشراف والرقابة على أعمال البلدية التابع لها، وذلك يتطلب بطبيعة الحال مشاركة في تحمل المسؤولية الملقاة على هذه الأجهزة من أجل تطويرها وتنمية مواردها وتفعيل برامجها وتقديم خدمات أفضل للمجتمع.

"
يمكن اعتبار الانتخابات البلدية الجزئية في السعودية أول تجربة حقيقية للمشاركة الشعبية الفعلية في إدارة ورقابة الأجهزة التنفيذية للدولة
"

إن المشاركة الشعبية -من أجل إنجاحها- تستلزم تعاونا وثيقا بين مختلف الأطراف الفاعلة فيها، وتفاهما واضحا على توزيع الأدوار والمهام والمسؤوليات بحيث تتكامل وتتضافر الجهود الجماعية لتحقيق مكاسب حقيقية من هذه المشاركة تنعكس على أداء أفضل للأجهزة التنفيذية المعينة.

ومع العزم على إنجاح هذه التجربة فينبغي أيضا العمل على توسيع صلاحيات المجالس البلدية بحيث تتلاقى آمال ومطالب الناخبين مع حاجات المواطنين وقضاياهم المتعددة.

إن مثل هذا الإنجاز فيما إذا تم وجاء بصورة صحيحة وحقيقية، فإنه بالتأكيد سيؤسس لإيجاد أرضية شعبية مناسبة لخطوات أوسع وأشمل باتجاه المشاركة السياسية في مختلف قضايا وشؤون المجتمع وعليه فإن آمالا كبيرة معلقة بنجاح هذه التجربة الأولية.


ــــــــــــــــــ
كاتب سعودي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة