تداعيات صفقة تبادل الأسرى بين حزب الله وإسرائيل   
الاثنين 19/7/1429 هـ - الموافق 21/7/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:08 (مكة المكرمة)، 7:08 (غرينتش)

سلطان العجلوني

يحتفل حزب الله اللبناني هذه الأيام بإنجاز صفقة لتبادل الأسرى بينه وبين "إسرائيل" بوساطة ألمانية، الصفقة كانت ثمرة مفاوضات طويلة وشاقة.

"
الأسرى باتوا يدركون أن آمالهم في حزب الله خابت، وأن رهانهم عليه كان خاسراً، فهم يحتكمون في نهاية المطاف إلى النتائج لا إلى النوايا
"

وتتضمن تفاصيل الصفقة البنود التالية:
- يقوم حزب الله بتسليم الجنود الأسرى لديه والذين احتجزهم في عملية الوعد الصادق عام 2006.
- يقوم حزب الله بتسليم أجزاء من جثث جنود إسرائيليين قتلوا أثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006.
- يقوم حزب الله بتسليم تقرير حول مصير ملاح الطيران الإسرائيلي المفقود رون أراد.

- تقوم إسرائيل بالإفراج عن الأسرى اللبنانيين لديها، وهم:
1- سمير القنطار، المعتقل منذ 29عاماً.
2- أربعة أسرى من حزب الله أسرتهم إسرائيل في الحرب الأخيرة.

- تسلم إسرائيل جثامين عشرات الشهداء اللبنانيين والعرب، من بينهم ثمانية من شهداء حزب الله خلال الحرب الأخيرة.

- تسلم إسرائيل للأمم المتحدة خرائط الألغام ومناطق قصف القنابل العنقودية في جنوب لبنان.

- تسلم إسرائيل للأمم المتحدة تقريراً حول مصير الدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة الذين فقدوا في لبنان خلال الحرب الأهلية.

- تقوم إسرائيل بعد أسبوعين من إتمام الصفقة بإطلاق سراح أسرى فلسطينيين تحدد هي عددهم وهويتهم، على أن تقدم ذلك على هيئة بادرة حسن نية تجاه الأمين العام للأمم المتحدة والشعب الفلسطيني.

ونود في هذا المقام أن ندرس هذه الصفقة من وجهة نظر الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال الصهيوني، ومدى تأثيرها على مكانة حزب الله في نفوسهم، ودوره في القضية الفلسطينية والقضايا العربية الأخرى.

تفوق أعداد الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني 11 ألفاً، من بينهم مئات الأطفال والنساء، وآلاف المرضى والجرحى، إضافة إلى ثلث أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، وعدد من الوزراء السابقين والقادة السياسيين، وأكثر من ألف من الموقوفين الإداريين الذين لم توجه لهم أي تهمة ولم تجر لهم أي محاكمة.

الملف الأشد إيلاماً وتعقيداً يتعلق بالأسرى ذوي الأحكام العالية الذين أمضوا سنوات طويلة من أعمارهم في الأسر، إذ إن هناك عشرات من الأسرى أمضوا أكثر من ربع قرن في السجون كالأسير الفلسطيني سعيد العتبة الذي يمضي عامه الثاني والثلاثين في المعتقل، ومئات من المحكوم عليهم بالسجن مدى الحياة لمرات عديدة كالأسير الأردني عبد الله البرغوثي المحكوم عليه بالسجن المؤبد 67 مرة متتالية.

خلال سنوات النضال الفلسطيني الطويل تم الإفراج عن آلاف الأسرى والمعتقلين بالطرق التالية:

1- انتهاء فترة المحكومية.
2- قبل أوسلو كانت إسرائيل تقوم بالإفراج عن المئات من أصحاب المحكوميات المتدنية الذين قاربت أحكامهم الانتهاء في المناسبات والأعياد الدينية الإسلامية، وتعلن ذلك باعتباره بادرة حسن نية تجاه الشعب الفلسطيني، أما السبب الحقيقي فكان التخفيف من حالات الازدحام في السجون التي حصلت بعد الانتفاضة الأولى.

3- المفاوضات السياسية السلمية التي أعقبت أوسلو، حيث تم الاتفاق على الإفراج عن أعداد كبيرة من الأسرى الفلسطينيين، ولكن مرة أخرى لم يشمل ذلك الأسرى الذين شاركوا في عمليات أدت إلى إصابة أو مقتل إسرائيليين، وكادت أن تقتصر على أسرى منظمة التحرير الفلسطينية واستثنت أسرى حماس والجهاد الإسلامي.

4- عمليات تبادل الأسرى، كانت عمليات تبادل الأسرى الطريق الوحيد لتحرير أسرى من النوع الذي تصنفه إسرائيل بأنه "أصحاب الأيدي الملطخة بالدم"، وأشهر هذه الصفقات هي الصفقة التي تمت بين إسرائيل والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة، التي اشتهرت باسم صفقة جبريل (اسم الأمين العام للجبهة الشعبية القيادة العامة أحمد جبريل) عام 1985، حين تمت مبادلة ثلاثة جنود صهاينة مقابل الإفراج عن ألف و150 أسيرا غالبيتهم من المحكومين بالمؤبد.

"
خسارة حزب الله في الساحة الفلسطينية بسبب هذه الصفقة واضحة بينة، لأن قضية الأسرى هي القضية التي يجتمع حولها كل الفلسطينيين، والذي يخسر تعاطف الأسرى وتأييدهم يخسر تأييد عائلاتهم والمتعاطفين معهم والفصائل التي ينتمون إليها
"
منذ 1985 وحتى عام 2000 والمقاومة الفلسطينية، وخاصة حركة المقاومة الإسلامية حماس تحاول إجراء صفقات لتبادل الأسرى من خلال أسر جنود صهاينة، ولكن لم يكتب النجاح لهذه المحاولات رغم أسر العديد من الجنود.

في عام 2000 تمكن حزب الله من خطف ثلاثة جنود إسرائيليين على الحدود اللبنانية الفلسطينية، ثم ضابط احتياط تم استدراجه إلى لبنان وأسره.

حزب الله وعد حينها أن يُدخل الفرحة إلى كل بيت فيه أسير، في فلسطين والوطن العربي، وعندما تمت الصفقة في نهاية المطاف عام 2004 كانت الصدمة الكبرى للأسرى وعائلاتهم، إذ تبين أن الصفقة لم تشمل أي أسير فلسطيني أو عربي من المحكومين بالمؤبد، واقتصرت على الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين من أصحاب الأحكام البسيطة الذين قامت إسرائيل بتحديد أسمائهم حسب ما رأته مناسباً لمصلحتها وأمنها.

عندما عوتب حزب الله على هذه الصفقة وشعر الأسرى وذووهم بالخذلان أجاب الحزب بأنه كان يمارس المناورات التفاوضية من خلال التصريحات.

هذا الرد وضع الحزب في خانة لا ينتمي إليها وعرض نفسه كمن يعتبر أن التلاعب بمشاعر الأسرى وعائلاتهم أمر مشروع للحصول على صفقة مريحة ومربحة، وقد عهدنا الحزب على خلاف ذلك.

في عام 2006 قام مقاتلو حزب الله مرة أخرى باختطاف جنديين إسرائيليين في عملية بطولية أطلق عليها اسم "الوعد الصادق"، ووعد حزب الله على لسان أمينه العام السيد حسن نصر الله أن يكون الوعد هذه المرة "صادقاً" وأن ما حدث في الصفقة السابقة لن يتكرر، وأن الإفراج عن الجنود الأسرى لديه لن يتم دون الإفراج عن أعداد كبيرة من الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين وبقية الأسرى العرب، وخاصة الذين أمضوا سنوات طويلة في الأسر وذوي الأحكام العالية.

وكما يبدو فقد استعاد حزب الله ثقة الأسرى التي فقدها بسبب الصفقة السابقة، وبات الأسرى يعلقون الآمال عليه في الإفراج عنهم، ولم يتخيل أحد أن تتكرر مأساة عام 2004 مرة أخرى.

والآن وقد تمت هذه الصفقة، بما فيها من تنازل عن الوعود المقطوعة والعهود الوثيقة، فقد بات الأسرى يدركون أن آمالهم في حزب الله خابت، وأن رهانهم عليه كان خاسراً، فهم يحتكمون في نهاية المطاف إلى النتائج لا إلى النوايا.

هذه الصفقة هي صفقة لتبادل أشياء كثيرة، آخرها الأسرى، فنحن نتحدث عن تبادل جثث (بعد أن ثبت أن الجنود الصهاينة قتلى)، ونتحدث عن تبادل معلومات وتقارير وخرائط، أما الأسرى فهم خمسة فقط، أربعة منهم أسروا في الحرب الأخيرة التي أعقبت أسر الجنود الإسرائيليين صيف 2006.

هناك أسئلة كثيرة على حزب الله أن يجيب عنها -بعد أن ينتهي من احتفالاته- وسوف يكون أولها لماذا أغدق الوعود التي يعلم أنه لن يفي بها؟

سيحاول حزب الله من خلال الاحتفالات الكبيرة التي يجيد تنظيمها وإخراجها أن يظهر الجوانب الإيجابية من الصفقة، وأن يعرضها على أنها انتصار كبير للمقاومة، -وهي كذلك- وأنها تحقيق للوعد الذي قطعه السيد نصر الله، وهو وإن كان أوفى بوعده لسمير القنطار، فإن آلاف الأسرى العرب ينتظرون أن يحقق ما وعدهم به.

إن هذه الصفقة قد تكون مؤشراً خطيراً على انتهاء الدور الإقليمي لحزب الله وخروجه عمليا من خندق المقاومة، خاصة إذا تم حل قضية مزارع شبعا كما يشاع مؤخرا، بحيث يفقد حزب الله مبررات العمل ضد إسرائيل، إذ إن الأسرى اللبنانيين تحرروا، ومزارع شبعا عادت، فتحت أي غطاء ولأي سبب سيقوم حزب الله بعمليات مسلحة ضد إسرائيل؟

وبهذا تكون المقاومة قد خسرت مكوناً رئيساً فيها، فقد انتقل من خندق العمل الميداني الجهادي الفعلي إلى خندق "الممانعة" والدعم المعنوي، وهو دور، مع أهميته، لا يليق بحزب الله وتاريخ حزب الله المليء بالانتصارات والأمجاد.

نخشى أيضاً أن تفتح هذه الصفقة الباب واسعاً أمام المطالبين بنزع سلاح حزب الله الذي فقد قدسيته في نظر الكثيرين، بعد أن استخدم في حل الخلافات السياسية الداخلية في لبنان، ناهيك عن أنه استخدم في بيروت ضد السنة وحدهم، مما أعطى المزايدين والعازفين على الوتر الطائفي سبباً آخر في مهاجمة المقاومة وسلاحها.

"
هذه الصفقة العظيمة بمقاييس لبنانية داخلية، مؤلمة ومجحفة بمقاييس فلسطينية وعروبية وإسلامية، وكنا نأمل أن يبقى حزب الله يلعب دوراً مهماً في الساحة الإقليمية والدولية ولا يكتفي بدور لبناني تحكمه في النهاية قوانين المحاصة الطائفية
"
خسارة حزب الله في الساحة الفلسطينية بسبب هذه الصفقة واضحة بينة، لأن قضية الأسرى هي "القضية" التي يجتمع حولها كل الفلسطينيين، والذي يخسر تعاطف الأسرى وتأييدهم سيخسر تأييد عائلاتهم والمتعاطفين معهم والفصائل التي ينتمون إليها ويؤثرون في قرارها.

إن القول بأن حزب الله لم يتخل عن الأسرى الفلسطينيين، وأن الصفقة تشمل أسرى فلسطينيين بحاجة إلى إعادة نظر، خاصة أن الصفقة تتحدث عن إطلاق سراح أسرى فلسطينيين بالمعايير والمواصفات الإسرائيلية، والوعود التي قطعها حزب الله على نفسه تحدثت عن آلاف الأسرى وذوي الأحكام المؤبدة والعالية، فأين هذا الوعد من الواقع؟

إن على الفلسطينيين أن يدركوا أن رهاناتهم الخارجية خاسرة، أكانت على الشرق أو الغرب، فقد راهنوا قديماً على الأنظمة العربية فضاعت فلسطين، ثم راهنوا على الرأي العام الدولي والرعاية الأميركية لإقامة الدولة الفلسطينية فحصدوا المستوطنات والانقسام والفرقة والجدار، وقضية الأسرى -ككل القضايا الجوهرية في الصراع مع المحتل- تحتاج أولاً إلى جهود فلسطينية.

وإن عيون الأسرى الدامعة اليوم بسبب الصفقة الأخيرة لتبادل الأسرى، تتوجه نحو حركة المقاومة الإسلامية حماس، وتأمل أن تتكلل مساعيها للإفراج عنهم بالنجاح، رغم الظروف الصعبة التي تمر بها الحركة وحجم المؤامرة المحلية والعربية والدولية ضدها.

إن كلامي هذا يجب أن لا يُفهم من باب تبخيس الإنجاز الذي حققته المقاومة اللبنانية بإغلاق ملف الأسرى اللبنانيين لدى العدو الصهيوني، ولكني أحاول أن ألقي الضوء على جوانب غابت عن كثير من المراقبين خلف رايات الفرح والانتصار والتحرير.

إن هذه الصفقة العظيمة بمقاييس لبنانية داخلية، مؤلمة ومجحفة بمقاييس فلسطينية وعروبية وإسلامية، وكنا نأمل أن يبقى حزب الله يلعب دوراً مهماً في الساحة الإقليمية والدولية ولا يكتفي بدور لبناني تحكمه في النهاية قوانين المحاصة الطائفية وحدود لبنان الجغرافية المحدودة.

نعم لقد كان موت الجنود أثناء عملية الأسر عاملاً مهماً في خفض سقف مطالب حزب الله وتحجيم الصفقة التي توصل إليها في النهاية، ولكن الخطأ الذي نأخذه هنا على الحزب يتعلق بالوعود التي قطعها على نفسه أمام الأسرى الفلسطينيين والعرب، والآمال التي خلقها في نفوسهم دون أن يكون لديه القدرة في النهاية على تحقيقها.

لم أعتقد في أسوأ الكوابيس أن يأتي يوم أقف فيه من أي فصيل مقاوم هذا الموقف الناقد العاتب، ولكن الحق أحق أن يُتّبع، والقضايا أهم من أصحابها مهما كانت مكانتهم وتاريخهم، والأمانة التي حملني إياها إخواني الأسرى بإسماع صوتهم حتى لو كان نشازاً، تحتم علي أن أقول ما يريدون وأن أعكس ما يشعرون به.

وإذا كان هناك من ينتقد الصفقة وحزب الله من باب الشماتة والتشفي، فإنني أفعل ذلك من باب العتب والنصح والغيرة، فأنا ابن المقاومة قبل كل شيء.

أخيراً بقي أن أقول أنني لم أملك وأنا أشاهد الحفل العظيم الذي أقامه حزب الله لاستقبال أخي وزميل قيدي سمير القنطار، إلا أن أقارن ذلك بالشكل البائس الذي نقلنا فيه من معتقلات العدو بعد قضاء 17 عاماً فيها إلى سجون بلادي، وإذا كان هناك من عبرة يستفاد بها من ذلك فهي الإشارة للمرة المليون إلى الفرق الهائل بين عزة المقاوم وذلة المفاوض.
__________________
عميد الأسرى الأردنيين

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة