حارس الأقصى إلى السجن مرفوع الرأس   
الاثنين 1431/8/15 هـ - الموافق 26/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:30 (مكة المكرمة)، 13:30 (غرينتش)
ياسر الزعاترة


وسط موكب مهيب، وبكبريائه المعهودة، توجه الشيخ رائد صلاح يوم الأحد (25/7/2010) إلى سجن الرملة ليبدأ رحلة أسر جديدة ستمتد خمسة أشهر، بعد الحكم الذي حصل عليه بتهمة الاشتباك مع جندي صهيوني عام 2007، وذلك فيما عرف بقضية باب المغاربة.

"
الشيخ رائد صلاح يحمل روحه على كفه منذ سنوات طويلة، وهو يفعل ذلك بملء إرادته، وما يتوقعه الشيخ عمليا هو الشهادة في سبيل الله، وفي سبيل القضية التي آمن بها وعمل لأجلها
"
ويأتي سجنه بعد أسابيع من نجاته من الموت الذي تربص به على متن سفينة مرمرة التركية، حيث ثبت أن الجنود الصهاينة كانوا يريدون قتله لولا أن الرصاصات جاءت من نصيب تركي يشبهه من الرجال الذين كانوا على متن السفينة، كما يأتي بعد وقت قصير من كشف أحد مجرمي اليمين الصهيوني عن طلب وجّه إليه من جهاز "الشاباك" بقتل الشيخ.

الشيخ رائد صلاح يحمل روحه على كفه منذ سنوات طويلة، وهو يفعل ذلك بملء إرادته، والسجن هو أقلّ ما يتوقعه، وقد جرّبه سنوات من قبل، ومعه ثلة من إخوانه من دون أن يفت في عضدهم، أو يحرفهم عن المسار الذي اختطوه لأنفسهم. نعم ما يتوقعه الشيخ عمليا هو الشهادة في سبيل الله، وفي سبيل القضية التي آمن بها وعمل لأجلها، وإذا كان مشروعا القتل المشار إليهما قد فشلا، فإن القوم سيواصلون التربص به من دون شك.

بكل كبرياء تلقى الشيخ نبأ الحكم عليه، وخرج يتحدى الدوائر الصهيونية، معلنا أنه سيواصل دربه في الدفاع عن الأقصى وعن القدس، بل وعن فلسطين كلها، وهو سيفعل ذلك حتى وهو داخل السجن، فالرجال الذين رباهم على حب الأقصى والقدس وفلسطين، لن يكفوا عن العمل، وقد كانوا كذلك عندما كان هو خلف القضبان قبل سنوات، بل لعلهم كانوا أكثر عطاء، فالقادة يكبرون بالأسر والشهادة، ومعهم تكبر القضايا التي يعملون لأجلها.

خلال النصف الثاني من التسعينيات، التقيت الشيخ رائد صلاح في إسطنبول، بينما كان النزاع بينه وبين الشيخ عبد الله نمر درويش محتدما حول وجهة الحركة وبرنامجها؛ بين أن تذهب مثل الآخرين نحو المشاركة في انتخابات الكنيست، وبين أن ترفض ذلك. يومها جاء خبر ولادة ابنه البكر عمر بعد عدد من البنات (حفظهم الله جميعا)، وشخصيا شجعته على الانفصال، مؤكدا له أن كوادر الحركة ستنحاز إلى رؤيته، أولا لأنها الأقرب إلى ضميرهم، وثانيا لأن صاحبها الأحب إليهم، وهو ما كان بالفعل، إذ لم يعد للطرف الآخر سوى وجود هامشي، بينما انحازت إليه غالبية عناصر الحركة وجماهيرها، لاسيما بعد أن أخذ على عاقته حماية الأقصى ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني.

"
الأكيد أن حقد الصهاينة على الشيخ إنما ينبع بشكل أساسي من حراسته للمقدسات وفي مقدمتها الأقصى، ووقوفه في وجه مخططات تهويده وهدمه وبناء الهيكل على أنقاضه
"
الشيخ رائد نموذج فريد للإنسان المخلص المؤمن بعدالة قضيته، ولذلك لم يكن غريبا أن يثير ذلك إعجاب تلك الشابة اليهودية المغربية، وصولا إلى إعلان إسلامها بعد نجاته من معركة السفينة التركية.

على خلفية مواقفه البطولية وبساطته ورجولته، تنحاز جماهير الأمة إلى الشيخ ومعه إلى قضية المسجد الأقصى التي يعمل من أجلها ليل نهار، بينما يشعر الصهاينة بالغيظ والقهر من هذا الرجل الذي يعطل مخططاتهم الشيطانية للسيطرة على الحرم ومن ثم بناء الهيكل مكانه.

الأكيد أن حقد الصهاينة على الشيخ إنما ينبع بشكل أساسي من حراسته للمقدسات وفي مقدمتها الأقصى، ووقوفه في وجه مخططات تهويده وهدمه وبناء الهيكل على أنقاضه، الأمر الذي يحظى بإجماع في الأوساط الصهيونية التي تردد في السر والعلن مقولة بن غوريون "لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل".

لكن ذلك ليس كل شيء في واقع الحال، فالشيخ لم يحرس الأقصى فقط، بل حرس الذاكرة الجمعية لفلسطينيي الأراضي المحتلة عام 48، ومن يعرف ما كان عليه الحال في السبعينيات، مقارنة بما هو عليه اليوم، يدرك أي جهد رائع بذله في مواجهة سياسة "الأسرلة" التي اتبعتها سلطات الاحتلال وكانت على وشك النجاح لولا ظهور الحركة الإسلامية وتجذر فكرها وحضورها تحت قيادته الربانية.

لقد ثبّت الشيخ وحركته إلى جانب قوىً أخرى الهوية الفلسطينية والعربية والإسلامية لمواطني الأراضي المحتلة عام 48، كما أعادهم إلى قضيتهم بعدما ضيعتهم سياسات منظمة التحرير إثر اعترافها بالقرارات الدولية.

"
كان الشيخ يقف بكل إباء إلى جانب إخوانه في حركة حماس وتيار المقاومة برمته، يمدهم بما تيسر من أسباب الدعم، الأمر الذي كان سببا من أسباب استهدافه وحركته أيضا
"
وبرفضه دخول الكنيست كان الشيخ يوجه صفعة أخرى للاحتلال، لأن الدلالة لا تخفى عليهم، فهنا دولة احتلال لا يعترف بها الشيخ وأنصاره، ولا يمكن أن يعترفوا بها، وقد ثبت عمليا أن المفاسد التي ترتبت على دخول العرب للكنيست كانت أكبر من المصالح المحدودة التي تحققت.

إلى جانب ذلك كله كان الشيخ يقف بكل إباء إلى جانب إخوانه في حركة حماس وتيار المقاومة برمته، يمدهم بما تيسر من أسباب الدعم، الأمر الذي كان سببا من أسباب استهدافه وحركته أيضا.

داخل السجن كان أم خارجه، سيظل الشيخ رائد صلاح شوكة في حلوق الغزاة، وستظل صرخاته: "الأقصى في خطر، القدس في خطر"، "إنا باقون.. ما بقي الزعتر والزيتون"، ترهق أسماعهم وتقض مضاجعهم، لاسيما أنها تجد صداها في قلوب وعقول ومن ثم سواعد مئات الآلاف من الرجال الذين لن يخذلوا شيخهم، ولن يخذلوا الراية التي رفعها مهما كانت الظروف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة