الانتخابات الإسرائيلية ومستقبل المفاوضات مع الفلسطينيين   
الأربعاء 1430/2/23 هـ - الموافق 18/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 12:09 (مكة المكرمة)، 9:09 (غرينتش)
نبيل السهلي


- الخارطة السياسية في إسرائيل
- الحكومة القادمة
- مستقبل المفاوضات

بداية وقبل الخوض في الحديث عن انتخابات الكنيست الـ18 وتداعياتها، لابد من الإشارة إلى أن أول انتخابات إسرائيلية عامة قد حصلت في يناير/ كانون ثاني 1949، وتم إطلاق اسم الكنيست على المجلس التأسيسي العام المذكور، وتم الاتفاق على أن يضم 120 عضوا.

وقد ساد حكم حزب العمل في إسرائيل حتى صيف عام 1977، حين تبوأ حزب ليكود السلطة لأول مرة منذ إنشاء إسرائيل عام 1948.

وتتصف الخارطة الحزبية في إسرائيل بكثرة التشظي والاندماج الحزبي وتشكيل تكتلات قبل كل انتخابات عامة، للاستحواذ على مقاعد أكثر في البرلمان (الكنيست).

وتحصل الائتلافات والتكتلات عادة بين أحزاب من طيف سياسي واحد له أهداف ومواقف متقاربة من الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

"
ليكود وإسرائيل بيتنا كلاهما ضد مبدأ إنشاء دولة فلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة، ناهيك عن مواقفهما المشتركة من إبقاء القدس عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل
"
الخارطة السياسية في إسرائيل

والثابت حتى اللحظة، أي بعد مرور أكثر من ستين عاماً على إنشاء إسرائيل، أن غالبية التكتلات تتآكل مع مرور الوقت أو تتم عملية اندماج فيما بين أحزابها المختلفة خاصة عند تشكيل قوائم لخوض الانتخابات العامة، فالعمل على سبيل المثال لا الحصر وهو الحزب الذي قاد إسرائيل سنوات عديدة كان محصلة سلسلة طويلة ومعقدة من الاندماجات بين أحزاب المعسكر اليساري.

في حين تشكل ليكود عبر ائتلاف بين أحزاب اليمين والوسط مع بعض أفراد العمل كانوا انشقوا عنه وأيدوا فكرة أرض إسرائيل الكاملة، وقد سطع نجم تجمع ليكود بعد فوزه بانتخابات صيف 1977، الأمر الذي أتاح بعد التاريخ المذكور الفرصة للأقلية العربية وأحزابها المختلفة دخول اللعبة الانتخابية.

وبعد صعود حزب إسرائيل بيتنا بقوة بعد انتخابات الكنيست الـ18 التي جرت بالعاشر من فبراير/ شباط الحالي إلى واجهة العمل السياسي، باتت الخارطة السياسية تتشكل من أطياف رئيسية هي، حزب كاديما وتكتل ليكود وإسرائيل بيتنا لليهود الروس والأحزاب الدينية الغربية والشرقية ممثلة بحركتي شاس ومفدال وتكتل الأحزاب العربية وحزب العمل الذي يرزح تحت شيخوخة زاحفة، إضافة إلى أحزاب كثيرة خارج التكتلات.

وفي هذا السياق يشار إلى وجود أكثر من خمسين حزبا سياسيا غداة انتخابات الكنيست الـ18.

الحكومة القادمة
بعد إجراء الانتخابات الأخيرة، بات السجال ملحوظا حول تشكيل حكومة، وفي هذا السياق ترى تسيبي ليفني زعيمة كاديما الذي استحوذ على 28 مقعدا بالكنيست أنها القادرة على تشكيلها، في حين يرى رئيس ليكود الذي نال 27 مقعدا بأنه الأجدر بتشكيل حكومة ورئاساتها بالوقت نفسه معتمدا في ذلك على حصاد اليمين الذي استأثر بـ65 مقعدا من مقاعد الكنيست البالغة 120.

وبين تلك السجالات يبرز إسرائيل بيتنا بأنه صانع الملوك بإسرائيل -حسب بعض المحللين هناك- نظرا لعدم القدرة على تجاوزه عند تشكيل الحكومة القادمة، فمن جهة هو أقرب في التوجهات السياسية لليكود لما بينهما من قواسم سياسية مشتركة.

"
من أهم نتائج الانتخابات الإسرلئيلية وتداعياتها المختلفة تراجع شعبية حزب العمل الذي قاد إسرائيل وصناعة السياسة فيها فترة ليست بقليلة
"
فكلا الحزبين ضد مبدأ إنشاء دولة فلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة، ناهيك عن المواقف المشتركة إزاء إبقاء القدس العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل، كما يحبذ إسرائيل بيتنا وليكود تنشيط وتسمين الاستيطان بالضفة وهضبة الجولان السورية المحتلة.

واللافت أن زعيمي الحزبين طرحا بأكثر من مناسبة ومؤتمر خاصة خلال المؤتمرات المنعقدة بمدينة هرتسيليا بالقرب من تل أبيب أفكارا حول طرد الأقلية العربية من إسرائيل (1.4 مليون فلسطيني) وذلك لإمكان إخلالها بالميزان الديموغرافي على المدى البعيد.

وفوق ذلك كله رفع إسرائيل بيتنا وليكود شعارات تتمحور حول أهمية استخدام القوة العسكرية الحاسمة ضد الفلسطينيين وبخاصة في القطاع، لكن رغم التقارب بالخطاب السياسي بين الحزبين ومحاولات نتنياهو استمالة ليبرمان إلى حكومة يرأسها زعيم ليكود، فإن هناك مشاورات مكوكية تقوم بها ليفني لإنجاح مساعيها في تشكيل حكومة قادرة على قيادة إسرائيل أربع سنوات قادمة.

ولم تستثن زعيمة كاديما ليبرمان من تلك المساعي الحثيثة، حيث بات وزناً حقيقياً بالكنيست (15 مقعدا) يمكنه من خلال التحالف مع بعض الأحزاب اليمينية الأخرى أن يوفر معارضة قوية لأية توجهات سياسية لا يرغب فيها في المستقبل ويسقطها إن شاء.

وبين هذا السجال الدائر حول أحقية تشكيل الحكومة القادمة، تبرز عدة احتمالات لصياغتها:
1- يمكن تشكيل حكومة يتناوب على قيادتها كل من كاديما وليكود، لكن ستقع خلافات حادة بين أطيافها وبخاصة عند الحديث عن مفاوضات مع الفلسطينيين أو السوريين، وبالتالي يمكن الهروب إلى الأمام عبر انتخابات مبكرة.

2- يرى بعض المحللين الإسرائيليين أن هناك إمكانية كبيرة لتشكيل حكومة وحدة وطنية تضم أغلبية الكتل الممثلة بالكنيست مثل كاديما وليكود وشاس وإسرائيل بيتنا، لكن ستواجه تلك الحكومة بعد فترة قصيرة جمودا سياسيا بفعل قدرة الأكثرية اليمينية فيها على تعطيل أية مبادرات محتملة سيقوم بها كاديما لانطلاقة عملية سلام مع الفلسطينيين أو مع إطراف عربية أخرى.

3- إضافة إلى ذلك يمكن تشكيل حكومة يمينية من ليكود وإسرائيل بيتنا وشاس والأحزاب اليمينية الأخرى (65 مقعدا في الكنيست).

ويرى المحللون الإسرائيليون أن هذه الحكومة آيلة للسقوط بسرعة لأنها ستكون ذات آفاق ضيقة من جهة الانفتاح على العالم بما فيه الولايات المتحدة الأميركية، ناهيك عن العنصرية المستفحلة بين أطيافها.

والملاحظ أنه من أهم نتائج الانتخابات وتداعياتها المختلفة تراجع شعبية حزب العمل الذي قاد إسرائيل وصناعة السياسة فيها فترة ليست بقليلة، فلم يحصل بالانتخابات الأخيرة إلا على 13 مقعدا.

وقد يكون مرد ذلك انزياح المجتمع نحو اليمين، وقدرة الأحزاب الأخرى على استمالة الآلاف من أصوات العمل لمصلحتها.

وفي الاتجاه نفسه يرى محللون أن الانتخابات أظهرت قوة كامنة لإسرائيل بيتنا في المشهد السياسي، نظرا لأن زعيمه أفيغدور ليبرمان استطاع أن يقول ما يفكر فيه الإسرائيليون.

"
من الضرورة العمل الجاد لإعادة اللحمة والوحدة الوطنية الفلسطينية لأنه بدون ذلك لا يمكن مواجهة التحديات التي ستفرضها الحكومة الإسرائيلية القادمة التي أشرنا إليها في أكثر من مكان
"
مستقبل المفاوضات

سيلقي المشهد السياسي في إسرائيل بفعل تداعيات الانتخابات وحصاد اليمين غالبية مقاعد الكنيست، بظلاله البائسة على مستقبل المفاوضات بل على العملية السلمية برمتها مع السلطة الفلسطينية.

وقد أشار أكثر من مسؤول بالسلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى مستقبل سوداوي للمفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية القادمة، نظرا لأن الخطاب السياسي للأحزاب اليمينية التي ستشكل بعض أطرافها توضح بشكل جلي أنه ضد ما يهدف إليه الفلسطينيون.

ونقصد هنا إنشاء دولة فلسطينية وتفكيك الاستيطان، وستبقى الطموحات الفلسطينية أسيرة الضغوط الأميركية المحتملة -كما يشير بعض المحللين- على الحكومة الإسرائيلية القادمة بتنشيط خارطة الطريق من جديد.

وفي ظل انقسام فلسطيني كبير ستكون الذرائع الإسرائيلية جاهزة لرفع شعار جديد قديم يتمثل في عدم وجود شريك فلسطيني حقيقي للانطلاق بمفاوضات محتملة (المفاوضات في ثلاجة). لكن ستبقى النشاطات الاستيطانية في القدس وغيرها من الأراضي الفلسطينية هي الحاضر الأكبر بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية.

وستزداد أوضاع الفلسطينيين مأساوية في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة من خلال استمرار الحصار، ناهيك عن الاجتياحات اليومية المتكررة لمدن الضفة وخاصة مدينة الخليل، وعن محاولة استكمال بناء الجدار العازل الذي يزيد طوله عند الانتهاء على 720 كلم، وسيبقي سيطرة إسرائيلية مطلقة على مصادر المياه الفلسطينية المتاحة بالضفة والتي تقدر بنحو 750 مليون متر مكعب سنويا.

ولهذا بات من الضرورة بمكان العمل الجاد لإعادة اللحمة والوحدة الوطنية الفلسطينية، لأنه بدون ذلك لا يمكن مواجهة التحديات التي ستفرضها الحكومة الإسرائيلية القادمة التي أشرنا إليها بأكثر من مكان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة