مصير السودان وحديث الدين والدولة   
الاثنين 1432/1/29 هـ - الموافق 3/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:57 (مكة المكرمة)، 13:57 (غرينتش)
منى عبد الفتاح


منظومة السودان السياسية الحالية
العلاقة بين الإسلام والسياسة

إسلاميو المؤتمر الوطني وفقه الانتماء
تقسيم السودان وترسيخ الشريعة

أعاد ما ينتظره السودانيون الآن من اقتراب لموعد الاستفتاء على حق تقرير المصير لجنوب السودان، إشكالية العلاقة بين الدين والدولة إلى واجهة الحديث السياسي. فبينما تؤمن الحركة الشعبية لتحرير السودان بعلمانية الدولة في الجنوب، يتمسك المؤتمر الوطني الحاكم بتطبيق الشريعة الإسلامية في الشمال.

كل هذا حدث ويحدث إلى هذه اللحظات الأخيرة من زمان الوحدة المنقضي، فكيف بحال السودان إذن لو أدت نتائج الاستفتاء في التاسع من يناير/كانون الثاني الحالي إلى فرضية الانفصال الوشيك؟.

منظومة السودان السياسية الحالية
"
التعايش الديني في السودان لم يكن نابعاً من مبدأ الحفاظ على حرية العقيدة كحق من حقوق الإنسان الأساسية بمعناه الحديث، وإنما هو إرث تاريخي نشأ وترعرع في المدن التاريخية القديمة
"
هناك تباين واضح حول مدى تأثير العامل الديني على العملية السياسية في الواقع السوداني، فلم يكن هناك إجماع -حتى في فترات الديمقراطية القصيرة المتفرقة التي لم يهنأ بها السودان منذ استقلاله عام 1956- على ضرورة فصل الدين عن الدولة، ولو أنه كان هناك تعايش سلمي بين نفر غير قليل من المسيحيين واليهود مع المسلمين في الشمال، صهرتهم كلهم العاصمة الوطنية أم درمان في أعتق أحيائها مثل حي "المسالمة" الشهير.

ذاك التعايش لم يكن نابعاً من مبدأ الحفاظ على حرية العقيدة كحق من حقوق الإنسان الأساسية بمعناه الحديث، وإنما هو إرث تاريخي نشأ وترعرع في المدن التاريخية القديمة رعته خصال السودانيين من تسامح وكرم وتقبل للآخر المختلف، كما رعاه الإسلام الدعوي الوسطي المعتدل، الذي ساد حقبا طويلة من حياة السودان الحديث، قبل أن يفرض الإسلام السياسي الحركي نفسه خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ويأخذ بالمجتمعات وبالحياة السياسية السودانية إجمالاً إلى مسالك شديدة الوعورة.

أما في الجنوب فالوضع مختلف، حيث إن الديانة المسيحية والديانات الأفريقية التقليدية والعقائد الروحانية هي الأصل وما عداها مجرد استثناء، وهو وجود دعمته إدارة الحكم الثنائي البريطاني/المصري منذ القرن التاسع عشر ووطدت عراه، فرحبت بالبعثات التبشيرية المسيحية وشجعت عملها في الجنوب بتأسيس المدارس ونشر التعليم.

ولكن الوجود المسيحي في السودان الشمالي بشكل عام كان سابقاً له، حيث دخلت المسيحية في القرن السادس الميلادي، إلا أنها تراجعت في الشمال لصالح الوجود الإسلامي بدخول الإسلام عام 31هـ، عام "اتفاقية البقط" الشهيرة بين النوبة والعرب المسلمين. وفيما بعد وضعت الإدارة البريطانية حاجزاً بين الشمال والجنوب، حيث أصدرت قانون المناطق المقفولة عام 1932، الذي قضى بالفصل التام بين السكان الشماليين والجنوبيين، بحيث لا يجمع بينهما جامع من اللغة أوالدين أو الزي.

وبنفس القدر الذي أسهمت به الحكومة السودانية في تسييس الدين، مثل ما جاءت به الحكومات الدكتاتورية كحكومة الفريق إبراهيم عبود (1958-1964)، فإن الأحزاب السياسية العريقة في السودان فعلت نفس الشيء.

فالفريق عبود قام بطرد القساوسة وابتكر عملية الأسلمة والتعريب في الجنوب، لاعتقاده أن ذلك هو الطريق الوحيد لتحقيق الوحدة بين الشمال والجنوب، ولكن تحولت القضية لتصبح صراعاً بين العرب والأفارقة، والمسلمين والمسيحيين، ودفعت درجة المطالبة الجنوبية بالفدرالية إلى مستويات أرفع.

وبعد أن رسخت الحركة الإسلامية أقدامها كتنظيم محدود النفوذ السياسي والاجتماعي تحت اسم "جماعة الإخوان المسلمين" خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، ولتمرير مشروعها الإسلامي، توجهت الحركة للعمل سياسياً تحت عباءة حزبيْ الأمة والاتحادي -وهما أكبر الأحزاب التقليدية في السودان- مستفيدة من مرجعيتها الإسلامية.

العلاقة بين الإسلام والسياسة
كانت عباءة القوى السياسية الحزبية التي وظفتها الحركة الإسلامية لاحتواء مشروعها الإسلامي فضفاضة، فعبّرت الحركة عن الدستور المعدّل عام 1968، متحدثة باسم الإسلام لتحقيق "الدولة الإسلامية"، مستبعدة بقية القوى السياسية، بحيث شهد مفهوم الدولة الدينية خلال تلك الفترة خللاً في النظرية والتطبيق.

بدأت فترة انتظام الحركة الإسلامية في شكل تنظيمات أخرى، ابتدأت بفترة "جبهة الميثاق الإسلامي" في النصف الثاني من الستينيات بقيادة أمينها العام د. حسن الترابي، مروراً بفترة "الاتحاد الاشتراكي السوداني" في زمن الرئيس نميري (69-1985). ثم إنشاء "الجبهة الإسلامية القومية" عام 1985 بعد سقوط النميري، وصولاً إلى قيام حزب "المؤتمر الوطني" الحاكم الآن.

صاحب مفهوم الدولة الدينية عند الترابي أطروحات براغماتية تمرحلت مع الخطاب الديني، وهي التي جعلت السودان بعدها يدفع ثمناً باهظاً بمعاناة استمرت منذ أكثر من عقدين من الزمان وإلى هذه اللحظة.

فتجربة الدولة الإسلامية السودانية لم تستخلص العبر من الدولة الإسلامية الأولى بضرورة احترام التعدد، بل إنها اختلفت معها في بنياتها الأساسية، مما أكد أن عيوب التطبيق والممارسة في الحالة السودانية كانت طاغية على قصور المفهوم نفسه في حالة من عدم اكتمال أركانه الأساسية.

وهذه الأركان الأساسية استلفها الإسلاميون مما هو موجود في مصطلحات الإسلام السياسي وتجاربه في العالم الإسلامي، خاصة الثورة الإسلامية الإيرانية، إلا أن عدم الاعتراف بقضايا الديمقراطية والحريات، وطرح بدائل مشوهة لها بعد كثير من الضغوط، زاد من الشقة بين مفهومي الدولة الإسلامية والدولة الديمقراطية.

بعد أن استولت حكومة الإنقاذ على الحكم عام 1989، انقلبت على دستور 1956م المعدل 1968 والمعيب في بعض جوانبه، وطرحت بديلاً له هو الدستور الإسلامي 1998، الذي شابهه في الاسم وتناقض مع سماته العامة.

"
تجربة الدولة الإسلامية السودانية لم تستخلص العبر من الدولة الإسلامية الأولى بضرورة احترام التعدد، بل إنها اختلفت معها في بنياتها الأساسية، مما أكد وجود عيوب في التطبيق والممارسة
"
فبينما نص دستور 68 على: "أن الإسلام عقيدة أهل السودان وهو دين ودولة يأمر بما أنزل الله، وأن الإسلام يرفض الدكتاتورية، ويحمي حرية الأفراد الشخصية من التجسس والسيطرة ويوجب حرية الرأي والحرية الدينية". إلا أن مواد رئيسة أُسقطت أو استبدلت في دستور 98 مثلت ارتداداً عن إقرار حرية التنظيم السياسي والتداول السلمي للسلطة والإصرار على النظام الشمولي، كما حذفت المادة التي تتحدث عن حق المواطنين في الأمن والطمأنينة وعدم التعرض للتعذيب وضمانات الاعتقال.

وبينما حصر دستور 68 مصادر التشريع في مصدر واحد قائلا إن: "الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي لقوانين الدولة". (المادة 113)، وتجاهل مناهج استنباط الأحكام في الشريعة الإسلامية كالإجماع والقياس والاستحسان، جاءت "الإنقاذ" في دستور 98 بمصادر أخرى للتشريع، فقد أكدت أن: "الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة استفتاء ودستوراً وعرفاً هي مصادر التشريع، ولا يجوز التشريع تجاوزاً لتلك الأصول، ولكنه يهتدي برأي الأمة العام وباجتهاد علمائها ومفكريها، ثم بقرار ولاة أمرها".

فما هو مقياس العلماء والمفكرين في الدستور، فضلاً عمن يحدد صلاح ولاة الأمر من غيره. ومن خلال استعراض الدستوريْن يتضح أن الدولة كمؤسسة سياسية لم تستطع تطبيق معيار الدين أو الاعتقاد السليم فيه، وإنما كان استغلالاً لمؤسسات الدولة المختلفة لتنفيذ السياسات باسم الدين.

إسلاميو المؤتمر الوطني وفقه الانتماء
في اعتقاد قياديي حزب المؤتمر الوطني أن في انتمائهم للأمة الإسلامية واجباً أكبر من الانتماء إلى سودانيتهم، فتنازلوا عن انتمائهم للوطن لصالح الانتماء للأمة. وكان الانتماء الديني بشكله السياسي قد لعب دوراً بارزاً في تكوين الشخصية السودانية منذ عهد الثورة المهدية في القرن التاسع عشر، أما بالشكل المنظم فقد بدأ مع دخول تنظيم الإخوان المسلمين في أربعينيات القرن الماضي.

فقد شهدت الحركة الإسلامية صحوة تغييرية ساهمت فيها أيديولوجيات متعددة، كان هدفها مقاومة الاستعمار وتغيير الواقع الاجتماعي المتخلف، إلا أن ذلك المنهج قد شابه كثير من الضبابية والتناقضات. ولا يزال المنتمون للحركة الإسلامية منذ ذلك العهد يتملكهم الشعور بالانتماء الديني بشكل أكبر من الشعور الوطني، حيث رأت (الحركة) في نفسها أنها الأحق بالخلافة الإسلامية.

وذهبت إلى أكثر من ذلك بأن ناصبت الأحزاب القومية العداء، فدبّ في تلك الأحزاب الحماس بالانتماء العربي بعد ثورة يوليو/تموز الناصرية. أما مشروع الأمة الإسلامية نسخة المؤتمر الوطني، فبمحافظتها على الصراع من أجل السلطة، قزّمت الدعوة إلى المشروع وحجّمت تأثيرها، وساهم في ذلك غياب السند المأمول من الأمة الإسلامية التي تعدد فيها متبني المشروع الإسلامي من مختلف المذاهب والفرق.

تقسيم السودان وترسيخ الشريعة
تعهد الرئيس السوداني عمر البشير بلغة مشحونة بالانفعال قبل أسابيع من الاستفتاء، بأنه إذا حدث انفصال للجنوب نتيجة الاستفتاء فإنه سيغير الدستور لتكون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع في السودان.

وفي هذا القول عبارات تأثيمية تتمثل في أبلسة الآخر، فحين يُعلن فرض الشريعة بمجرد مغادرة الجنوب، نتساءل: وهل كانت الشريعة معطلة يوماً بسبب وجود الجنوب في حضن الوطن؟ لا، فالشريعة الإسلامية تم تطبيقها منذ عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري لأغراض سياسية، كما أن دستور 1998 في عهد الإنقاذ -وما تلاه من تعديلات- صيغ كذلك ليتواءم مع ما استنته الإنقاذ من مشاريع باسم الإسلام مثل المشروع الحضاري.

هذا المشروع تميز بخطابه الأيديولوجي الذي ينادي بالشعار الإسلامي، والتركيز على مظاهر التدين دون جوهره، وضمان الجنة للمؤيدين وتكفير المعارضين، في امتداد لمبدأ "الحاكمية لله" الذي نادت به الجبهة القومية الإسلامية من قبل.

فما يحمله نظام الإنقاذ من تطلع دائم للسلطة، وعزمه الواضح على فرض شرائعه الخاصة لتصبح قانوناً عاماً، يثير تخوفاً في المجتمع السوداني، ويستثير اعتراضات قد تؤدي إلى العنف والعنف المضاد.

"
ما يحمله نظام الإنقاذ من تطلع دائم للسلطة، وعزمه الواضح على فرض شرائعه الخاصة لتصبح قانوناً عاماً، يثير تخوفاً في المجتمع السوداني، ويستثير اعتراضات قد تؤدي إلى العنف والعنف المضاد
"
وقد ذكر الصادق المهدي رئيس وزراء السودان الأسبق أن التجربة الإسلامية الإنقاذية أبعدت السودان عن الشرع، فقد جاء في كتابه الصادر مؤخراً بعنوان "ميزان المصير الوطني في السودان": "ويمكن القول إن هذا انقلاب 30/6/1989 كان برشامة للسلام، فالجبهة وضعت السلام كمقابل للإسلام، وبالتالي فإن هذه التجربة المنسوبة زوراً للإسلام هي في الحقيقة مضاد حيوي لسلام السودان في أساسها، ونتائجها المتوقعة هي ما جرى من أقوال وأفعال رفعت مظالم الجنوب للأس السيني الأعظم، وكان الإجماع على تقرير المصير، ثم هذا النفور الماثل الآن وسط الجنوبيين من الوحدة مع الشمال".

فلم تقدم حكومة الإنقاذ تنازلات جوهرية عن مشروعها الحضاري المنسوب للدين الإسلامي والشريعة، ولكن الضغوط السياسية أجبرتها على القبول بما جاء في اتفاقية السلام الشامل. أما في الدستور الانتقالي فقد ذكرت الشريعة الإسلامية في النص التالي: 5ـ(1) "تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدراً للتشريعات التي تُسن على المستوى القومي، وتُطبق على ولايات شمال السودان"، وأقرت اتفاقية السلام الشامل على ما يلي: 6-2 "حرية العقيدة والعبادة والضمير لأتباع جميع الديانات أو المعتقدات أو العادات، ولا يتم التمييز ضد أي شخص على هذه الأسس".

إن الحديث عن دستور جديد قادم لحكومة الإنقاذ لا تسنده حصانة فكرية، مثلما لم تفعل فيما سبقها من دساتير، بل إنه سيسهم أكثر في اتساع رقعة التعارض بين الإسلام والديمقراطية والحريات العامة، ففي كثير من القضايا العامة التي تستغل الإنقاذ فيها شعار الإسلام تم تدمير الوطن وتدويل قضاياه، وأصبح المواطن إما معها فهو مع الإسلام أو ضدها فهو مارق عليه.

وأصبحت الأحكام الشرعية مشددة على العامة، مخففة على الخواص من ولاة الأمر والسلطان، وهي ليست بدعة بل حقائق تشهد انتهاك الحريات المكفولة في خضوع للحاكم دون الله تعالى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة