الفلسطينيون يستحقون أداء تفاوضيا أفضل   
الخميس 1435/10/25 هـ - الموافق 21/8/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:04 (مكة المكرمة)، 14:04 (غرينتش)
مؤمن بسيسو


آمال شعبية عارمة
إشكالية الوفد الموحد
إشكاليات الأداء التفاوضي
تصويب المسار

الأداء الضعيف للوفد الفلسطيني المفاوض في القاهرة لم يرتقِ إلى مستوى الدماء والشهداء والأشلاء والدمار الهائل على وقع الحرب الإسرائيلية المجرمة ضد قطاع غزة، ويكشف -بلا ريب أو مداراة- أن الفلسطينيين المكلومين يستحقون -بعد كل هذا العنت والألم والظلم والإجرام- أداء تفاوضيا أفضل، يقربهم من إنجاز أهدافهم الوطنية وحقوقهم المشروعة.


آمال شعبية عارمة
للمرة الأولى في التاريخ الفلسطيني منذ النكبة الأولى عام 1948 وحتى اليوم يشعر الفلسطينيون أنهم حققوا إنجازا عظيما بفعل صمودهم الأسطوري ومقاومتهم الباسلة في وجه الاحتلال، وباتوا يتغنّون بمفخرة الأداء المقاوم الذي شكل سابقة بالغة الأهمية في حياة الفلسطينيين الذين تعودوا -مكرهين- على الموت بصمت، والتألم بحسرة، واستقبال الضربات الإسرائيلية المتعاقبة بالرغم من روح البطولة والتضحية والفداء التي عبقت الفضاء الفلسطيني على مدار العقود الماضية، لكنها لم تكن كافية -آنذاك- لإذلال العدو المتجبّر والمحتل المتغطرس في عمقه الإستراتيجي وتهديده وجوديا في عقر كيانه المصطنع كما يحدث اليوم.

لا يمكن التقليل -بحال- من أهمية الأداء الفلسطيني المقاوم طيلة المراحل الماضية، إلا أن أداء المقاومة على مدار أيام الحرب الحالية يبقى حدثا بالغ التميّز سوف يسجله التاريخ الفلسطيني بأحرف خالدة من نور، وهو ما يفرض على الكل الوطني الفلسطيني، وفي مقدمته قوى المقاومة الحية، استثمار الصمود الميداني وترجمة الإنجاز المقاوم سياسيا، وعدم التفريط به مهما كانت التحديات، والارتقاء به إلى مستوى الدماء المهراقة والبيوت المدمرة والأحياء المستباحة والعائلات الثكلى والمصانع المدمرة التي بلغت -هذه المرة- حدا غير مسبوق.

الآمال الشعبية المعلّقة على الأداء الفلسطيني التفاوضي تقتضي عدم خذلان الجماهير المكلومة، والدفع باتجاه بلورة مطالب وطنية كبرى تتلاءم وحجم الفاجعة الكبرى والدمار البشع الذي أصاب البشر والحجر والشجر في كل شبر من أرض القطاع

لذا فإن الآمال الشعبية العارمة المعلّقة على الأداء الفلسطيني التفاوضي تقتضي عدم خذلان الجماهير الفلسطينية المكلومة بأي حال من الأحوال، والدفع باتجاه بلورة مطالب وطنية كبرى تتلاءم وحجم الفاجعة الكبرى والدمار البشع الذي أصاب البشر والحجر والشجر في كل شبر من أرض القطاع الصامد.

إشكالية الوفد الموحد
في الحديث عن الوفد الفلسطيني الموحد الذي شكله الرئيس محمود عباس، وضم فصائل المقاومة الأساسية إلى جانب فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، إشكاليات متعددة جعلت من وحدة الكلمة والموقف الفلسطيني إنجازا وحيدا قطع الطريق على الإنجازات الكبرى التي يُفترض السعي لتحقيقها فلسطينيا.

الإشكالية الأولى تتعلق بصلب تشكيلة الوفد المفاوض التي لم تتجاوز مجموعة من قادة الفصائل، ولم تشتمل على أي خبير في المجال العسكري أو الأمني باستثناء ماجد فرج رئيس المخابرات التابع للسلطة الفلسطينية، وهو ما كسا الوفد صبغة سياسية كاملة ونزع عنه روح البحث والنقاش العسكري والأمني المطلوب.

قد يكون صحيحا أن أعضاء الوفد الفلسطيني الذين يمثلون الفصائل الفلسطينية الأساسية يُنضجون رؤاهم ومقترحاتهم بعد الرجوع إلى مرجعياتهم القيادية السياسية والعسكرية والأمنية، إلا أن واقع الحال يؤكد أن هذه المنهجية التفاوضية تساوقت مع أسلوب المماطلة والتسويف الإسرائيلي الرامي إلى تضييع الوقت، من حيث إطالة أمد بحث القضايا وعقد الهدنة تلو الهدنة في إطار بحث المقترحات ومن ثم عرضها على المرجعيات القيادية.

الإشكالية الثانية أن تباين التلاوين والمشارب والمنطلقات، وانعكاساته التلقائية على الرؤى والمواقف الخاصة بأعضاء الوفد، شكل عنصر ضعف لا قوة، وأدخل الحالة الفلسطينية المفاوضة في وضع بيروقراطي معقد حرمها من سرعة اتخاذ القرار ردا على المماطلة والتسويف الإسرائيلي.

الإشكالية الثالثة أن الوفد تم برسم قيادة السلطة والمنظمة التي ترغب في منع حركتي حماس والجهاد الإسلامي من الانفراد بتحقيق الإنجازات وقطف ثمرة الصمود والمقاومة سياسيا، ما يعني ربط هذه القرارات حصريا بالرؤية الجمعية الصادرة عن الوفد الفلسطيني الموحد بعيدا عن مدى صوابيتها أو درجة الخلل الكامنة فيها.

لذا فإن تشكيل الوفد الفلسطيني الموحد لم يخدم آليات الإدارة السليمة للمفاوضات، بل شكل قيدا على مدى قدرة المقاومة على مواجهة الموقف الإسرائيلي بالسرعة الممكنة.

إشكاليات الأداء التفاوضي
وبالوقوف على حقيقة المفاوضات التي جرت في القاهرة، وسبر أغوار الجولات التفاوضية المتعاقبة بين الطرفين: الفلسطيني والإسرائيلي عبر الوساطة المصرية، تتبدى لنا إشكاليات جوهرية تمس عمق وتفاصيل الأداء التفاوضي الفلسطيني، ويمكن تقسيمها إلى التالي:

تتمثل أولى الإشكاليات السياسية في الهبوط المستهجن لسقف المطالب الفلسطينية التي اقتصرت على وقف العدوان وفتح المعابر ورفع الحصار وإلغاء المنطقة العازلة وتوسيع منطقة الصيد وإعادة تشغيل المطار وبناء الميناء

أولا: إشكاليات سياسية:
وتتمثل أول الإشكاليات السياسية في الهبوط المستهجن لسقف المطالب الفلسطينية التي اقتصرت على وقف العدوان، وفتح المعابر، ورفع الحصار، وإلغاء المنطقة العازلة، وتوسيع منطقة الصيد البحري، فضلا عن إعادة تشغيل المطار وبناء الميناء.

ما تناساه المفاوضون الفلسطينيون أن اتفاقية أوسلو قد نصت على إقامة مطار جوي وميناء بحري، وأن اندلاع انتفاضة الأقصى حال دون بناء الميناء وفق الخطة الموضوعة بين السلطة الفلسطينية والاحتلال، وأن المطار كان قائما أصلا ويعمل بشكل طبيعي قبل أن يتم تدميره إبان الانتفاضة، ما يعني أن هذه المطالب لم تأتِ بجديد فلسطينيا، وبقيت تراوح في إطار الرؤية الأوسلوية البحتة.

أما الإشكالية الثانية فتتعلق بقصر المطالب التفاوضية على قطاع غزة فحسب، وعدم إدراج أي مطلب يتعلق بالقدس أو الضفة الغربية، وهو ما يعني سقوطا -وإن كان غير مقصود- في فخ الهدف الإسرائيلي الدائم الذي يرمي إلى عزل وفصل قطاع غزة عن باقي أجزاء الوطن الفلسطيني.

فيما تكمن الإشكالية الثالثة في عدم تحديد سقف زمني للانتهاء من المفاوضات أيا كانت نتيجتها، لأن فتح الطريق أمام مفاوضات بلا سقف زمني أغرى الاحتلال بالتلاعب بمسار المفاوضات، وجعل من الجولات التفاوضية مستودعا لتفريغ الأفكار والمقترحات غير الواقعية التي يتم إنضاجها بالتوافق بين الاحتلال والمصريين، وهو ما أنتج حالة من العبث والإحباط واللاجدوى التفاوضية في نهاية المطاف.

ثانيا: إشكاليات إجرائية:
إجرائيا، فإن الإشكالية الأولى التي سقط فيها الوفد الفلسطيني تتمثل في الرضوخ لمطلب أو شرط الاحتلال القاضي بعدم التفاوض إلا بعد وقف إطلاق النار، إذ شكل ذلك أول تنازل تفاوضي، وإن تم على المستوى الإجرائي، في مواجهة الاحتلال.

أما الإشكالية الأخرى فتتجسد في التعاطي الرخو مع الموقف المصري الوسيط بشكل يفتقر إلى الحكمة التفاوضية المطلوبة، إذ إن المخابرات المصرية التي يفترض أن تلعب دور الوسيط مارست دور "الوكيل" بالنيابة عن الموقف التفاوضي الإسرائيلي، وتلاعبت عدة مرات بالمطالب التي قدمها الوفد الفلسطيني دون أن تعرضها على الوفد الإسرائيلي، وأعاقت بوضوح سير المفاوضات، وذلك وفق شهادات مختلفة صادرة عن محللين وسياسيين إسرائيليين ومراقبين سياسيين وإعلاميين دوليين.

ثالثا: إشكاليات إعلامية:
كان واضحا أن المخرجات الإعلامية التي كانت تصدر عن الوفد الفلسطيني بين وقت وآخر لم تكن منظمة أو متناسقة، ولم يكن مريحا في نظر الفلسطينيين أن يرصدوا تباينات أو افتراقات في المواقف، بشكل أو بآخر، على لسان بعض أعضاء الوفد الفلسطيني في بعض الأحيان، ما أدخل الساحة الفلسطينية في حالة من القلق والبلبلة والإرباك غير المبرر أو المفهوم.

تصويب المسار
وكي يتم تصحيح الحال وتصويب المسار ينبغي إنجاز الخطوات التالية دون أي تأخير:
أولا: رفع سقف المطالب التفاوضية:

إن الخطوة الأهم لتصحيح الخلل وتصويب المسار الفلسطيني تكمن في إعادة ترسيم المطالب الفلسطينية التي جرى تقزيمها بشكل خطير في القاهرة مؤخرا، وتمت بلورتها في ضوء سقف أوسلو واتفاقاته المعروفة.

إن الشعب الفلسطيني الذي دفع الكثير من دماء أبنائه وأشلاء أطفاله ونسائه وشيوخه وعوائله الكريمة ومقدراته الحياتية في ضوء المقاومة الباسلة التي أذهلت الاحتلال والعالم أجمع عبر صمودها البالغ ومفاجآتها النوعية، لن يرضى بمطالب محدودة لا ترقى إلى حجم الدم والتضحيات والدمار الذي أصاب الفلسطينيين على مختلف الأصعدة والمستويات.

إن الخطوة الأهم لتصحيح الخلل وتصويب المسار الفلسطيني تكمن في إعادة ترسيم المطالب الفلسطينية التي جرى تقزيمها بشكل خطير في القاهرة مؤخرا، وتمت بلورتها في ضوء سقف أوسلو واتفاقاته المعروفة

من غير المفهوم السبب الكامن وراء هبوط سقف المطالب الفلسطينية، فمن البديهي أن فنّ إدارة المفاوضات يقوم على أساس رفع سقف المطالب عاليا في البداية كي يتم تحقيق نصف المطالب أو جزءا كبيرا منها إبان المفاوضات، إلا أن المقاومة وسائر الفصائل أخطؤوا خطأ واضحا حين قصروا المطالب الفلسطينية على رفع الحصار البري والبحري عن قطاع غزة، وتناسوا بقية أجزاء الوطن الفلسطيني.

إن سحب وإلغاء المطالب الفلسطينية الراهنة، واستبدالها بمطلب إنهاء الاحتلال عن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 كهدف أسمى يعالج كل المشاكل والأزمات الفلسطينية، أو مطلب الإفراج عن جميع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، كان من شأنه أن يهزّ الاحتلال الإسرائيلي هزّا، وأن يهزّ العالم من قبله، ويعيد تصحيح بوصلة الصراع ومسار المفاوضات مع الاحتلال.

وبرؤية موضوعية وواقعية فإن رفع الحصار البري والبحري عن غزة -حال تبني المطلب الوطني الكبير بالانسحاب من حدود العام 1967 وإنهاء الاحتلال- سيكون حينها تحصيل حاصل، وسيكون الإفراج عن نصف أو ثلث الأسرى حينها أمرا قريب المنال، فالاحتلال لن يستطيع -في ظل استمرار المعركة تحت أي شكل كان واستنفاد أوراق الحرب لديه وتزعزع جيشه وجبهته الداخلية- مواصلة إدارة الظهر طويلا للمطالب الفلسطينية العادلة والمشروعة.

ثانيا: حلّ الوفد الفلسطيني وإعادة توزيع المسؤوليات:
ولا تعني تلك الخطوة عدم إيمان بضرورة الوحدة وصلابة الموقف الفلسطيني الداخلي بقدر ما تحاول ترتيب عناصر المشهد الفلسطيني الراهن غير المتجانس، وإعادة توزيع الأدوار والمسؤوليات بين جميع الأطراف الفلسطينية (السلطة والمقاومة) بما يضمن تكامل الأداء ودقة العمل والسعي لتحقيق الإنجازات والأهداف الوطنية على أرضية راسخة وقواعد متينة.

في مقابل ذلك ينبغي أن يتشكل وفدان تفاوضيان متوازيان، بحيث يمثل الأول قوى المقاومة الفاعلة على الأرض، ويتولى بحث ومناقشة المسائل الوطنية الكبرى ذات العلاقة بمشروع التحرر الوطني فقط، كقضايا المقاومة والأسرى، فيما يمثل الآخر السلطة الفلسطينية، ويتولى بحث ومناقشة قضايا المعابر والميناء والمطار والقضايا الأخرى، وسائر القضايا الخدمية ذات العلاقة بالأوضاع الحياتية للفلسطينيين.

من أعظم الأخطاء أن تلتبس المهام وتختلط المسؤوليات بحيث تستنزف المقاومة جهودها وراء قضايا ثانوية تعتبر من صميم عمل السلطة، ويشكل التقصير فيها خللا يستوجب مراجعة ومحاسبة السلطة عليه، فصائليا وشعبيا، تماما كما لو قصرت المقاومة في أداء واجباتها في الدفاع عن الوطن وصدّ العدوان.

ولا ريب أن قوة الموقف الفلسطيني تنبع أساسا من وحدة مطالبه الوطنية والحياتية، ما يستوجب تشكيل هيئة وطنية عليا تتولى تنسيق المواقف بين السلطة والمقاومة، بما يضمن أفضل أداء تفاوضي في مواجهة الاحتلال الغاشم وسياسته التفاوضية المفضوحة القائمة على المماطلة والتسويف.

ثالثا: إلغاء منطق الهدن التفاوضية وتفعيل المقاومة:

لا يخفى أن الاحتلال يرمي من وراء الهدن التفاوضية المتكررة إلى تضييع الوقت وإعادة بناء بنك أهدافه الاستخبارية، وهو ما ينبغي أن تفطن له المقاومة وتتحاشى السقوط في شراكه، وتعمد إلى تفعيل كافة أشكال وأوراق المقاومة

ليس من الحكمة بمكان الاستجابة مستقبلا للشرط الإسرائيلي بعدم إجراء أي مفاوضات تحت النار، فقد عبر ذلك عن إشارة ضعف فلسطينية، وكان لا بدّ من إجراء المفاوضات والاستمرار فيها على وقع الصواريخ والعمليات النوعية خلف خطوط العدو، بما يشكل أقصى أشكال الضغط الميداني على حكومة الاحتلال، لإجبارها على خلع ثوب المماطلة والتسويف والنزول القسري عند مطالب المقاومة وحقوق الشعب الفلسطيني.

ولا يخفى أن الاحتلال يرمي من وراء الهدن التفاوضية المتكررة إلى تضييع الوقت وإعادة بناء بنك أهدافه الاستخبارية، وهو ما ينبغي أن تفطن له المقاومة وتتحاشى السقوط في شراكه، وتعمد إلى تفعيل كافة أشكال وأوراق المقاومة المؤثرة لديها، بما يضمن إرغام الاحتلال على الانصياع صاغرا للمطالب الفلسطينية بعيدا عن التلاعب الذي ميّز مفاوضات القاهرة من الألف إلى الياء.

رابعا: تحديد سقف زمني لأي مفاوضات جديدة:
من أبسط البديهيات التفاوضية أن يتم تحديد سقف زمني لأي جولة تفاوضية قادمة ومحتملة، لأن ترك الباب مواربا أمام مفاوضات مفتوحة بلا سقف زمني نهائي يضر تماما بالموقف الفلسطيني، ويمنح الاحتلال الفرصة تلو الفرصة للمناورة والتهرب من المسؤولية، وهو ما رأينا فصوله الخبيثة في القاهرة مؤخرا.

وأخيرا فإن المعركة الراهنة سوف يكون لها ما بعدها، نتائج وآثارا وتداعيات، ما يقتضي من الفلسطينيين جميعا العضّ على الجراح، وتكريس صمودهم الأسطوري، ورفع سقف مطالبهم التفاوضية بما يتلاءم مع أنهار التضحيات الجارية، كي يتذوقوا -بحق- ثمار النصر المجيد، ويدقوا المسمار الأهم في نعش الاحتلال.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة