أنصار بيت المقدس.. و"دعشنة" المشهد المصري   
الأربعاء 3/2/1436 هـ - الموافق 26/11/2014 م (آخر تحديث) الساعة 18:34 (مكة المكرمة)، 15:34 (غرينتش)
مصطفى زهران


ولاية سيناء
"دعشنة" المشهد

المتأمل في المشهد المصري بعد عام ونصف العام من عمر التحول السياسي عقب أحداث الثالث من يوليو/تموز 2013، يقف على كم كبير من المتغيرات والتحولات التي شهدتها البنيتان السياسية والاجتماعية بشكل عام، والبنية الدينية بشكل خاص.

كان من بين أبرز هذه التحولات صعود التيار الجهادي بقوة أو ما تعارف عليه بتيار الإسلام الراديكالي. ولا يعني ذلك أن القوى الإسلامية التقليدية الأخرى كانت بمنأى عن هذا التغير والتحول، إنما لم تكن بتلك الحدة التي بدت عليها نظيرتها الجهادية.

تجسد هذا الظهور بشكل قوي في بروز جماعة أنصار بيت المقدس وسط فضاءات المشهدين السياسي والمجتمعي خاصة الديني منه، فيما اعتبرت بمثابة انبعاث جهادي راديكالي في أدق صوره استدعى مشاهد التسعينيات الدامية بين الدولة والجهاديين آنذاك.

الحالة الجهادية الآنية في المشهد المصري لا يمكن اعتبارها امتدادا أو استنساخا لتجربة قديمة، وإنما هي حالة استثنائية، خاصة بعد أن فقدت خصوصيتها المحلية وانتقلت إلى الإطار الإقليمي، وأضحت تابعا لتشكل ما هو أكبر من التنظيم وأشبه بالدولة

بيد أن ما يعارض تلك الفكرة التي تزاوج بين التجربتين وتجعلهما متماثلتين هو اختلاف السياق العام الملتف بهما، بدءا من تداعيات الثالث من يوليو من جهة -عبر الإطاحة بأول رئيس محسوب على قوى الإسلام السياسي فضلا عن تعثر الربيع العربي- والربيع الجهادي الذي يجتاح المنطقة مجسدا في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من جهة أخرى.

الأمر الذي يدفعنا إلى القول إن الحالة الجهادية الآنية في المشهد المصري لا يمكن اعتبارها امتدادا أو استنساخا لتجربة قديمة أو سابقة عليها، وإنما حالة استثناء في تاريخ هذه الحالة حتى وإن كانت على نطاق محدود، خاصة بعد أن فقدت خصوصيتها المحلية وانتقلت إلى الإطار الإقليمي، وأضحت تابعا لتشكل ما هو أكبر من التنظيم وأشبه بالدولة.

انطلاقا من ذلك.. يسعى المقال لتقديم قراءة لتحولات هذا التنظيم وتداعيات مبايعته لـ"داعش"، وانعكاس ذلك على السياق العام المحيط خاصة على قوى الإسلام السياسي الأخرى من جهة، والسلطة والمجتمع من جهة أخرى. وما يمكن قوله عن "دعشنة" المشهد المصري واستشراف لما ستؤول إليه الأمور في المستقبل القريب.

ولاية سيناء
ظلت جماعة أنصار بيت المقدس طيلة العام ونصف العام الفائت تعمل بشكل متقطع في الداخل المصري وتحديدا في سيناء، وتبنت أهدافا قليلة في مناطق متفرقة من محافظات مصر المختلفة، وقد ساهم اشتداد المجابهة الأمنية واعتقال الكثير من أتباعها والمتعاطفين معها في الحد من نشاطاتها وعملياتها، حتى أطلت علينا بمبايعتها الرسمية لـ"داعش" والخليفة أبي بكر البغدادي، عبر بيان صوتي منسوب إلى القيادي بالتنظيم أبي أسامة المصري.

تباينت الآراء بشأن توقيت تلك المبايعة، هل حدثت مباشرة عقب دعوة أبي بكر البغدادي منذ عدة أشهر مضت فور ظهوره في أحد مساجد الموصل مناديا الجميع بالولاء له والخضوع لدولته الجديدة؟.. أم جاءت متأخرة كنتيجة لما أثير حول وجود انقسام في التنظيم بين المنادين بالإبقاء على الولاء الفكري للقاعدة والشيخ أيمن الظواهري، والمطالبين بالانتقال نحو البغدادي ودولة الخلافة؟

إلا أن ما يمكن قوله في تفسير هذا التحول من التأثير القاعدي إلى الآخر الداعشي يكمن في الرؤية التي برزت في المقطع التسجيلي المرئي للتنظيم، أن أبا بكر البغدادي هو الأجدر بالتبعية والقيادة في هذا الوقت على وجه التحديد، لنجاحه في الانتقال بفكرة "الدولة الإسلامية" من التنظير إلى التجريب، والقفز بفكرة الخلافة من السماء إلى الأرض. وهي القضية التي مثلت محور الجذب الرئيسي لبقية التنظيمات الجهادية العالمية. في حين ساهمت بشكل كبير في سحب البساط من تحت أرجل تنظيم القاعدة الذي عجز عن تحقيق هذا الثالوث (الخليفة والخلافة والدولة) ونجاح داعش في تحقيقه.

لم تكن السلطة التي تشكلت بعد أحداث الثالث من يوليو/تموز 2013 على صواب حينما وضعت جميع القوى الإسلامية بتنويعاتها المختلفة - خاصة السياسية منها- مع الأخرى الراديكالية في سلة واحدة، وزادت على ذلك برفع شعار مكافحة الإرهاب الذي لم يؤت أكله حتى اللحظة

القضية الأبرز في هذا التحول وإعلان التبعية المباشرة لداعش هي الدعوة الصريحة والمباشرة لـ"ولاية سيناء" -التحول المصطلحي الذي صاحب الآخر التنظيمي- بقية التنظيمات الإسلامية والأفراد المتعاطفين معها إلى نبذ السلمية التي انتهجتها ولا تزال قوى الإسلام السياسي، خاصة بعد أحداث الثالث من يوليو والمظاهرات القائمة حتى اللحظة، وهى آليات لا ترى فيها "ولاية سيناء" أي مكسب يمكن تحققه.

فالدعوة إلى الجهاد في سبيل الله، التي جاء نصها في بيان البيعة الشهير: "لن تنفعكم السلمية المخزية ولا الديمقراطية الكفرية، وقد رأيتم كيف أودت بأصحابها"، تعني بشكل صريح حمل السلاح ومجاهدة النظام القائم لهدفين رئيسيين، أولهما: إزاحة مظلوميتهم كجهاديين ينافحون عما يؤمنون بأنه الخلاص والحل الأوحد، وثانيهما: هو ضم ولاية سيناء -كبداية لولايات أخرى في الداخل المصري- لدولة الخلافة الكبرى، والانضواء تحت ألوية الخليفة أبي بكر البغدادي.

ويشير ذلك إلى مستوى الاختلاف في أهداف الحالة الجهادية المصرية الجديدة عن سابقتها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي التي لم تتبلور لديها آنذاك فكرة الدولة الجامعة (الخلافة) بأطرها الحالية وصيرورتها التي أضحت عليها في دولة العراق والشام، بل ظلت مجرد أحلام تراود مخيلاتهم وحسب.

بدا البعد الإقليمي لأنصار بيت المقدس (ولاية سيناء) بشكل واضح وكبير في أخطر وأشرس العمليات المسلحة ضد الجيش المصري التي برز خلالها البعد الأيديولوجي القائم على إدارة التوحش، تلك الصيغة الأدبية التي يؤصلها التنظيم الأم "داعش" ويؤطرها عبر تابعيه فيما تسمى الولايات، وهي ما أطلق عليها "معركة كرم القواديس"، والتي كشفت عنها بأول تسجيل مرئي أطلق عليه "صليل الصوارم".. أظهرت النيل من عدد من أفراد الجيش والشرطة، فزلزلت المشهدين الأمني والمجتمعي في مصر بشكل كبير.

وقد اعتبرت تلك العملية من قبل ولاية سيناء ردة فعل وثأرا لممارسات الجيش والشرطة مع أبناء سيناء ومقتل المئات من أعضاء التنظيم وأسر العديد منهم، وللمرة الأولى يتم استدعاء الأدبيات الفقهية التي تؤصل لتلك العمليات على غرار ما كانت تفعله "القاعدة" في الماضي القريب، وهو تطور نوعي داخل بنية هذا التنظيم والحالة الداعشية بوجه عام، إذ استشهدت بفتاوى الشيخ أحمد شاكر في وجوب قتال المتعاونين مع المحتل، في إشارة إلى النظام المصري وجيشه وتعامله مع الجانب الإسرائيلي، ثم ألحقه بدعم من شيخ الإسلام ابن تيمية يؤصل ويشدد على فكرة قتال "المرتد" ومسعاه في ذلك هو غلق الباب على أي انتقادات توجه له بالأساس من نظرائه من الإسلاميين الجهاديين أو الآخرين التقليديين.

"دعشنة" المشهد
لا يمكن بأي حال من الأحوال استنساخ التجربة الداعشية في المشهدين السوري والعراقي وتطبيقها على الداخل المصري، ولا يعني ذلك في الوقت ذاته التقليل من تأثير هذا الوجود للكيان الداعشي الجديد في سيناء ومحاولة افتراش مناطق أخرى في الداخل المصري، إنما يمكن القول: إن الخطر الحقيقي يكمن في استثمار هذا التنظيم حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد نتيجة التصعيد القائم بين السلطة من جهة والمعارضة الإسلامية -من جماعة "الإخوان المسلمين" ومناصريها من القوى الحزبية والتنظيمية الأخرى- من جهة أخرى.

إذ لم تكن السلطة التي تشكلت بعد أحداث الثالث من يوليو/تموز 2013 على صواب حينما وضعت جميع القوى الإسلامية بتنويعاتها المختلفة -خاصة السياسية منها- مع الأخرى الراديكالية في سلة واحدة، وزادت عليه برفع شعار مكافحة الإرهاب الذي لم يؤت أكله حتى اللحظة.

ولعبت وسائل الإعلام دورا كبيرا في تزكية هذا المشهد، بل كان في مقدورها أن تعيد النظر في تعاملها مع ورقة الإسلام السياسي وتنتقل من التصادم إلى التواؤم والتعاطي الإيجابي، عبر فتح المجال لها لأن يكون لها دور رئيسي في تقويض الحالة الجهادية والراديكالية، كما حدث في الماضي القريب مع جماعة الإخوان المسلمين حينما كانت بمثابة رأس حربة مع الدولة في مواجهة تنظيمي الجهاد والجماعة الإسلامية في فترة الثمانينيات والتسعينيات.

إن مشهد السجال القائم بين السلطة والقوى الإسلامية التقليدية يساهم بقدر كبير في تهيئة الأجواء لاحتوائه داعشيا عبر توظيف اليائسين وأصحاب الثأر وبعض من اعتقل ذووهم واحتضانهم و"دعشنتهم" فكريا وأيديولوجيا وآليا

بيد أن ذلك لا يزيل عن جماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص عجزها حتى اللحظة عن مواكبة المتغير الحادث بعد الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي، وتفهمها لطبيعة اللحظة الراهنة ووعيها بضرورة أن تقدم نوعا من التنازلات حول شروطها التي بات من المستحيل تحقيقها في اللحظة الراهنة، وهو ما بدا في الانقسام الذي بات واضحا داخلها بشأن مسألة المبادرات التي تطرح بين الفينة والأخرى وما تلبث أن ترفض من الداخل. كان آخرها مبادرة القيادي الإخواني علي فتح الباب التي رفضتها الجماعة بقوة واعتبرتها شأنا خاصا به.

ثم جاء اعتقال القيادي الإخواني محمد علي بشر ليغلق كل الأبواب التي كان بإمكانها أن تساهم في استقرار المشهد الداخلي المصري، خاصة وأنه كان ينظر إلى بقاء الرجل خارج دائرة الاعتقال على كونه الورقة الأخيرة بين السلطة والإخوان وعدول الدولة عن المواجهة وتراجع الجماعة عن أحلامها بعودة الغائب.

لا يمكن فصل التطور السريع الذي لحق بالتنظيمات السلفية وتحديدا "الجبهة السلفية" ومناصريها من السلفية السائلة، وقراءته بعيدا عن التطورات التي تشهدها الساحة المصرية في اللحظة الراهنة، خاصة بعد دعوتها إلى النفير من أجل ثورة إسلامية مصرية، على غرار الثورة الإيرانية الإسلامية عام 1979. فهي تمثل بلا شك مجالا لحالة تثويرية قد تتقاطع مع الحالة الداعشية التي يُشق لها طريق في الداخل المصري.

وعلى الرغم من سلمية الحراك المرتقب، فإنها أخذت طابعا أيديولوجيا أيضا وهو "الثورة" في ثوبها "الديني" وهو قاسم مشترك بين الاتجاهين. ويفترقان في الهدف والآلية، ويظل حلم الخلافة هو الطموح الأسمى لكلتيهما.

موجز القول: إن مشهد السجال القائم بين السلطة والقوى الإسلامية التقليدية يساهم بقدر كبير في تهيئة الأجواء لاحتوائه داعشيا عبر توظيف اليائسين وأصحاب الثأر وبعض من اعتقل ذووهم واحتضانهم و"دعشنتهم" فكريا وأيديولوجيا وآليا. فلا مجال للشك أن هذا الوضع يعتبر حاضنة أصيلة لتلك الأفكار المتطرفة والمتشددة خاصة حينما تتعمق "المظلومية".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة