حركة فتح بين الخطاب التقليدي والحلول الإبداعية   
الثلاثاء 1427/1/29 هـ - الموافق 28/2/2006 م (آخر تحديث) الساعة 10:12 (مكة المكرمة)، 7:12 (غرينتش)


تيسير نصر الله

- الخطاب السياسي للحركة
- أزمات فتح الداخلية
- تحمل فتح أعباء الفساد في السلطة
- أزمة فتح بعد الانتخابات الأخيرة
- الخيارات المتاحة للحركة

لا شك أن الخسارة المدوية التي لحقت بحركة فتح في الانتخابات التشريعية الأخيرة في الـ25 من يناير/ كانون الثاني 2006، تتطلب دراسة معمقة وجدية لمجموع العوامل التي أدت إلى هذه النتائج دون إغفال أي منها.

فالخسارة ارتبطت بمجموعة كبيرة من الأسباب المعقدة والمتشابكة، وبالتالي لا يجوز التركيز على جانب وإغفال الجوانب الأخرى.

والحقيقة الأكثر مرارة التي يجب أن يتم التأكيد عليها هي أن حالة التراجع والانهيار كانت لها مؤشرات بادية لنا جميعا منذ سنوات، دون اتخاذ أي خطوات حقيقية لوقف هذا الانهيار.

وتركت حركة فتح تواجه مصيرها وحدها دون جنود حقيقيين ينقذونها من الانهيار ويجنبونها الكوارث والنوازل ويدافعون عنها وعن تاريخها ودورها.

ولم تتبلور نوايا أو أفكار جدية للمعالجة وفقدت قيادة الحركة بوصلتها، حيث واصل كثير من كوادرها وقياداتها رحلة البحث عن الذات وعن المصالح الخاصة والابتعاد عن الجماهير، في الوقت الذي تم فيه تغييب المصلحة الحركية العليا التي كان من المفترض أن تكون فوق كل المصالح الخاصة والمشاريع الضيقة لبعض مستثمري الحركة، مستغلي النضال الوطني الفلسطيني منذ البدايات الأولى لهذه القضية.

إن الخسارة الكبيرة التي منيت بها حركة فتح في الانتخابات التشريعية لم تكن -في أي حال من الأحوال- مفاجئة لأبناء الحركة، فلقد جاءت بعد سلسلة من حلقات الفشل في انتخابات المجالس البلدية والقروية ومجالس الطلبة في الجامعات الفلسطينية التي شهدت تقدما ملحوظا لحركة حماس.

وطالما رفع كادر حركة فتح صوته عاليا في وجه قيادته للبدء في معالجة الأخطاء التي كانت ترتكب تارة بإسم الحركة وتارة أخرى باسم السلطة الوطنية الفلسطينية التي كانت تسيطر عليها حركة فتح حتى وقت قريبٍ.

إن أسباب الفشل الذي أصاب حركة فتح متعددة ومتشعبة ومتداخلة، منها الذاتي المتعلق بالوضع الداخلي والبرنامج السياسي للحركة، ومنها الموضوعي المتعلق بالوضع المحلي والإقليمي والدولي، وتأثير ذلك عليها.

"
اتسم خطاب فتح السياسي بعدم الوضوح منذ أوسلو وحتى أيامنا هذه، ولم تستطع فتح أن تميّز خطابها عن خطاب السلطة الوطنية، ونسيت شعاراتها السياسية الثورية، وفقدت قدرتها على استقطاب أعضاء جدد
"
الخطاب السياسي للحركة
كما هو معلوم لم تعقد حركة فتح مؤتمرها العام السادس منذ 17 عاما، ونتيجة لذلك بقي نظامها الداخلي على حاله رغم كل التغيرات الكبيرة التي حصلت خلال هذه المدة الطويلة، خاصة عودة قيادة حركة فتح إلى أرض الوطن على أثر اتفاقات أوسلو عام 1993، وتشكيل السلطة الوطنية.

ففي هذه الفترة انتقل الفعل والتركيز على ساحة الأرض المحتلة، وما يترتب على ذلك من تغيير في البرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية والتربوية والأمنية وفي لغة الخطاب السياسي والأهداف وكيفية تثقيف أبناء الحركة وفق الواقع الجديد.

لقد اتسم الخطاب السياسي لحركة فتح بعدم الوضوح منذ أوسلو وحتى أيامنا هذه، ولم تستطع فتح أن تميّز خطابها عن خطاب السلطة الوطنية، ونسيت شعاراتها السياسية الثورية، وفقدت قدرتها على استقطاب أعضاء جدد، وانخرط أبناؤها في أجهزة السلطة ومؤسساتها، وفشلت فشلا ذريعا في استثمار خيار المقاومة الذي تبنته كتائب شهداء الأقصى، ولم تستفد منه سياسيا كما فعلت حركة حماس في احتضانها لكتائب القسام.

بل كان هناك انفصام بين الخطاب السياسي للحركة وخطاب الكتائب، بل تم ترك الكتائب دون أي رؤية سياسية، الأمر الذي حولها في أحيان كثيرة إلى ظاهرة سلبية يمقتها الشارع الفلسطيني، وأصبحت عبئا على الحركة، تمارس على قيادة الحركة الابتزاز للحصول على الأموال والتعيينات والامتيازات.

أزمات فتح الداخلية
وعلى ما يبدو لم تكن قيادة الحركة تدرك عند اتخاذها قرارا بخوض انتخابات المجلس التشريعي أن فتح تمر بأسوأ حالاتها وأنها تتفتت من الداخل، ما يتطلب برنامجا شاملا ورؤية واضحة للنهوض بها.

بل تم الاختباء وراء مجموعة من الشعارات الفارغة من أي مضمون، مثل "فتح الفصيل الأكبر"، "فتح حامية المشروع الوطني"، "فتح تستعيد عافيتها وقوتها فقط وقت الأزمات".

وما زاد الأمر سوءا وجود مرجعيات تنظيمية متعددة، وهياكل فارغة دون أي فعل أو تأثير أو قدرة على العمل، كالمكاتب الحركية واللجنة الحركية العليا ومرجعية حركة فتح واللجنة المركزية والمجلس الثوري ولجان الأقاليم والمناطق والشعب إضافة إلى الهوة القائمة بين من هم في مصدر القرار وجماهير الحركة.

لسنوات طويلة تم إهمال جماهير الحركة وتم الانشغال عنها بالبحث عن الذوات والمصالح، ولم يتم تذكر أبناء الحركة إلا في وقت الانتخابات، وعندما حاولت حركة فتح اختيار مرشحيها لانتخابات المجلس التشريعي فشلت في عملية الاختيار.

وعقدت انتخاباتها الداخلية التمهيدية أو ما سمي "بالبرايمرز" بما فيه من تزوير وغياب للعضوية وطغيان للعشائرية، ما أدى إلى نجاح أشخاص لا يمكنهم مواجهة أي خصوم سياسيين لأنهم غير مقنعين لأبناء الحركة أنفسهم فكيف سيتم إقناع الناس العاديين بهم.

وقبل ذلك وبعده توالت حالات الفلتان الأمني التي كان يقوم بها أبناء الحركة والمحسوبون عليها من اختطاف للأجانب واحتلال لمقارّ السلطة الوطنية ومؤسسات الحركة واعتداء على المواطنين والمسؤولين، وإشاعة للخوف بين أوساط الناس.

كل هذه المظاهر المؤلمة كانت تستنزف الحركة وتحط من شعبيتها، وترك الشارع الفلسطيني مستباحا من قبل هؤلاء الذين يأخذون القانون بأيديهم والسلطة وقيادة حركة فتح تتفرج دون أي محاسبة أو مساءلة.

"
لم تستطع فتح إيجاد مسافة بينها وبين السلطة، بل كان هناك مزج دائم بين الاثنتين، مما نتج عنه تحمل الحركة كل أوزار السلطة وأخطائها
"
تحمل فتح أعباء الفساد في السلطة
لم تستطع فتح إيجاد مسافة بينها وبين السلطة، بل كان هناك مزج دائم بين الاثنتين، ما نتج عنه تحمل الحركة كل أوزار السلطة وأخطائها، حتى إن فتح فشلت في إبراز الإنجازات التي تحققت في عهد السلطة بشكل خلاق، فظل الشائع شائعا من أنها سلطة فساد.

إضافة إلى الاتهامات المتبادلة بين أبناء الحركة ومسؤولي السلطة بممارسة الفساد، كذلك فشلت فتح في اختيار مرشحين غير متورطين بشبهات فساد إداري أو مالي، أو متورطين في حالة الفلتان الأمني، بل طرحت أسماء "محروقة ومطعونا في مصداقيتها". ولم تستطع قيادة الحركة القيام بخطوات جدية لمحاسبة بعض الفاسدين والمتورطين بحالات الفساد، ولم نسمع أن مفسدا أو مخالفًا للقانون قد عوقب، أو أن قرشا تم نهبه قد أعيد إلى خزينة السلطة.

أزمة فتح بعد الانتخابات الأخيرة
كان يجب أن تشعل نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة كل الإشارات الضوئية الحمراء في حركة فتح، وأن تبدأ ورشات حقيقية للإصلاح الداخلي في جسم الحركة وهياكلها، وأن تبتدع آليات جديدة تواكب المرحلة التي تعيشها.

إنها بحاجة إلى حلول إبداعية غير تقليدية، فالنتائج أدخلتها واقعا جديدا لم تعتد عليه من قبل، ألا وهو ممارستها لدور غريب عنها منذ أكثر من 40 عاماً وهو دور المعارضة، وكيف ستلعب هذا الدور وما قدرتها على النجاح فيه لاسترداد السلطة مرة أخرى.

وإذا كانت هذه هي حال فتح فإن حماس ليست بأفضل حالا، فهي الأخرى جاءت على وضع لم تعهده من قبل، ولم تستعد له ألا وهو دور ممارسة السلطة، وبين هذين الواقعين الجديدين ستتم صياغة النظام السياسي الفلسطيني الجديد في غياب شبه كامل لكل القوى والعناوين والمسميات الكبيرة التي شهدتها الساحة الفلسطينية على امتداد السنوات الطويلة الماضية.

الخيارات المتاحة للحركة
وإذا كان هذا هو الواقع الذي أوصل الحركة إلى هذا الوضع الصعب، فإنه يبقى أمامها عدة خيارات كي تخرج منه بأقل الخسائر الممكنة، ومنها:

أولا: الاشتراك في حكومة ائتلاف وطني برئاسة حركة حماس، وهذا خيار من شأنه أن يبقي الحركة في واجهة الأحداث، ويحافظ على علاقاتها الإقليمية والدولية، رغم رفض الغالبية العظمى من أبنائها هذا الخيار لأنه من وجهة نظرهم يشكّل قارب نجاة لحركة حماس كي تنجح في امتحان قيادة السلطة، ويفقد فتح العودة إلى بيتها الداخلي وترتيب صفوفها من جديد.

ثانيا: عدم الاشتراك في الحكومة، وبالتالي إعادة ترتيب البيت الفتحاوي وما يترتب على ذلك من جهود حقيقية وإبداعية مضنية، وعلى أسس جديدة تراعي المتغيرات الحاصلة في الساحة الفلسطينية والعربية والدولية، وتحت هذا الخيار تقع عدة مهام لا بد من إنجازها:

أ- العضوية: إعادة النظر في العضوية، والإجابة عن إشكالية من هو العضو في فتح، ولا بد أن تكون هناك محددات وشروط، وألا تبقى الأمور معومة كالسابق، لأن "فتح" سابقا كانت عبارة عن حشد من البشر، وليست حركة ذات هياكل تنظيمية واضحة.

ب-‌ التحضير الجدي لعقد المؤتمر العام السادس، ولا ينبغي أن تكون دعاوى عملية التسريع في عقد المؤتمر مدعاة لغض النظر عن كثير من الأمور والإشكاليات تجب معالجته بشكل جدي، وإلا سيكرس المؤتمر مزيدا من الانقسامات والشرذمة، وبالتالي تسخير الحركة ولسنوات طويلة قادمة لفئة عملت لخدمة مصالحها الخاصة.

ج‌- إعادة تشكيل كثير من هياكل الحركة القائمة وتفعيلها، كمكتب التعبئة والتنظيم ولجنة الرقابة الحركية وحماية العضوية ولجان الأقاليم والمناطق على أسس جديدة، وإعطاؤها مزيدا من الصلاحيات لتضمن تكامل دورها.

د-‌ اعتماد ناطق إعلامي واحد باسم الحركة، لضمان توحيد الخطاب السياسي والإعلامي المعلن وعدم السماح لمن هب ودب من مسؤولي الحركة بالإفتاء في أمور الحركة ومواقفها السياسية.

هـ-‌ تفعيل البنى والأطر الاجتماعية التي كانت رائدة في الماضي، مثل لجان الشبيبة للعمل الاجتماعي ولجان المرأة للعمل الاجتماعي وحركات الشبيبة الطلابية والعمالية وغيرها، التي كان لعملها وقع وصدى ملموس بين الجماهير لما قدمته من خدمات اجتماعية وثقافية وتطوعية.

و-‌ مراجعه الخطاب السياسي والوقوف بشكل جدي أمام حالة ترهل الخطاب الذي سئم منه الشارع الفلسطيني، وأصبح لا يأخذه على محمل الجد، ووقف حالة التسيب والفلتان التي أصبحت الصفة الغالبة لأبناء الحركة.

ز‌- حل إشكالية العلاقة بين الأجنحة المسلحة والإطار الرسمي للحركة، فلا يجوز أن تبقى هذه الأجنحة كأجسام مستقلة عن الحركة وبرؤوس متعددة، واتخاذ مواقف واضحة بشأن كل من يمثل حالة خروج عن الأطر والإجماع.

"
فتح بتاريخها لا يمكن أن تغيب عن المسرح السياسي الفلسطيني ومقومات وجودها السياسية ما زالت قائمة، ما يضاعف من فرص بقائها إن هي أجادت ترتيب نفسها ووضعت مصلحة الوطن والمواطن فوق كل الاعتبارات
"
ثالثا
: التفكك والانقسام، إن لم تستطع حركة فتح لملمة صفوفها والاستفاقة من الصدمة التي واجهتها في انتخابات التشريعي فإنه ينتظرها مزيد من الضربات والانقسامات وعلى أكثر من صعيد، منها السياسي ومنها الاجتماعي، حيث إن فتح لن تكون قادرة على ضم كل هذه المتناقضات بين صفوفها.

وكثيرون هم الذين يقولون إن فتح واجهت منعطفات أخطر من تلك التي تواجهها الآن وكانت تخرج منها أكثر قوة ومتانة، ولكنني لا أرى أن هذه المقولة تنطبق على هذه المرحلة السياسية التي تتحدد معالمها في ظل غياب ياسر عرفات الذي كان اللاعب الأساسي إن لم يكن الوحيد في معادلة فتح.

إن فتح التي سجلت نجاحا ملحوظا في إجراء الانتخابات التشريعية والبلدية الفلسطينية مدعوة الآن لتسجيل هذا النجاح في انتخاباتها الداخلية إن هي أرادت أن تبقى عمودا فقريا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعليها كذلك ألا تلعب دور المعيق لحكومة حماس في تنفيذ البرامج التي انتخبت على أساسها.

ولا شك لدي في أن فتح بتاريخها لا يمكن أن تغيب عن المسرح السياسي الفلسطيني وما زال برنامجها الوطني الذي انطلقت من أجله قيد الإنجاز، أي أن مقومات وجود فتح السياسية ما زالت قائمة مما يضاعف من فرص بقائها إن هي أجادت ترتيب نفسها وبرامجها، وإن هي وضعت مصلحة الوطن والمواطن فوق كل الاعتبارات في هذه المرحلة البالغة الخطورة من تاريخ قضيتنا.
__________________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة