نعم قد يكون الثمن باهظا.. ولكن   
الثلاثاء 1432/9/11 هـ - الموافق 9/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:28 (مكة المكرمة)، 13:28 (غرينتش)
ياسر الزعاترة


يطرح كثير من الناس أسئلة محقة عما يجري في مصر المحروسة، وهل نجحت الثورة بالفعل في تغيير الوضع نحو الأفضل أم أن الأمور ماضية في اتجاه مزيد من التدهور؟ مما يدفع البعض للحنين إلى الوضع القديم، مثلما حصل بالنسبة لفئة من الناس في العراق بعد صدام حسين.

 

يتكرر السؤال بخصوص تونس، ومن ثم اليمن وليبيا وسوريا والبحرين وسواها من الدول العربية التي تشهد حراكا شعبيا، سواءً تعلق السؤال بحالة الاستعصاء التي طالت كما هي الحال في اليمن، أم بقضية الثوار ومواقفهم والتدخل الغربي كما في الحالة الليبية، فضلا عن الحالة البحرينية، والأهم الحالة السورية التي يتجاوز النظام فيها كل القيم في قمعه للناس، إلى جانب بقاء الحراك الشعبي ضمن قدرته على الاستيعاب كما يرى البعض.

 

"
التغيير لن يمر بسهولة أبدا، وهذه النخب الحاكمة التي تحكمت في السلطة والثروة لن تفرط في مكاسبها بسهولة، وحين ترى ما جرى ويجري في مصر لمبارك وعائلته ومن حوله فلن تتردد في استخدام كل الأسلحة المتاحة للحيلولة دون التغيير
"
يتساءل الناس أيضا عن الثمن الذي دُفع ويدفع، وهل كانت الأوضاع ستتحسن في المدى القريب، أم أن الناس سيندمون على ما جرى؟ ويصدق بالتالي كلام بعض الجهلة أو قصار النظر -وربما الموتورين- عن دور أميركي في إشعال الثورات من أجل إحداث "الفوضى الخلاقة" وتفتيت الدول العربية.. إلى غير ذلك من الكلام الذي يردده البعض بحسن نية، بينما يردده آخرون بسوء نية من أجل تبرير الانحياز إلى هذا النظام أو ذاك، وبالنسبة للبعض من أجل تبرير مواقف بائسة ترتدي لباس الدين والتقوى والكتاب والسنة، خلاصتها عدم جواز الخروج -المسلح أو السلمي- على الحاكم الظالم، ولا حتى انتقاده في العلن ما دام يأذن بالصلاة.

 

هي من دون شك أسئلة محقة، وربما شائكة في الآن نفسه، لكن وضع الأمور في نصابها الصحيح قد يجعل الجواب سهلا، وإن لم يكن مريحا كما يتمنى البعض أن يكون.

 

ما ينبغي التذكير به هنا هو أننا إزاء منطقة بالغة الأهمية بالنسبة للعالم أجمع من حيث الموقع والثروات، ولا تسأل بعد ذلك عن وجود دولة العدو، تلك القادرة على تجييش العالم في أي اتجاه تريد من خلال سيطرة مؤيديها على مفاصل السياسة في الولايات المتحدة والغرب.

 

كما أن وجود قواسم مشتركة بين شعوب هذه المنطقة يجعلها في حال توحدها -ولو في الحد الأدنى- قوة دولية يُحسب لها ألف حساب، الأمر الذي لن يكون مريحا لكل القوى الاستعمارية في العالم.

 

والنتيجة هي أن الأخيرة لا ولن تقف متفرجة حيال ما يجري، بل ستلقي بثقلها من أجل السيطرة عليه والحيلولة دون تحوله إلى محطة لتهديد مصالحها ومصالح الدولة العبرية.

 

الجانب الثاني الذي يجب أن لا ينساه السائل، هو أننا إزاء تحولات تاريخية بكل ما في الكلمة من معنى، وليست مجرد أحداث عابرة أو حروب صغيرة.. إنها تحولات تعني أن يستعيد الشارع العربي قراره السياسي المسروق من قبل أنظمة رهنته للخارج من أجل الحفاظ على مصالح نخبها الحاكمة.

 

ولنتذكر ما دفعه حسني مبارك للخارج من أجل التوريث كمجرد مثال على ذلك، ولنتذكر أيضا كيف جرى تبذير ثروات الأمة ورهنها للغرب بطرق شتى من أجل إرضائه، ومن أجل الحصول على الدعم الكافي لتثبيت أنظمة الحكم في عدد من الدول.

 

من هنا، فإن التغيير لن يمر بسهولة أبدا، وهذه النخب الحاكمة التي تحكمت في السلطة والثروة لن تفرط في مكاسبها بسهولة، وحين ترى ما جرى ويجري في مصر لحسني مبارك وعائلته ومن حوله فلن تتردد في استخدام سائر الأسلحة المتاحة من أجل الحيلولة دون التغيير، والأمثلة أمامنا شاهدة لا تحتاج تفصيلا.

 

ستستخدم تلك النخب المال والأسلحة والقمع وبيع المواقف للخارج، بما في ذلك التلويح بمصالح الدولة الصهيونية من أجل البقاء (زيارات المسؤولين الليبيين للدولة العبرية، وتصريحات رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري دليل على ذلك).

 

وستعمل بكل ما أوتيت من قوة، ليس في داخل بلادها، وإنما داخل الدول التي نجحت فيها الثورات من أجل أن تثبت أن الثورة فعل خاطئ وتدميري، ولنا أن نتابع كيف تضخ بعض الدول الأموال هنا وهناك من أجل تحقيق هذا الهدف.

 

"
قد يكون الثمن كبيرا في عرف البعض، لكنه ضروري لا بد أن ندفعه، وهو أفضل بكثير من أن نبقى أسرى العفن القائم. ويبقى أن دور شرفاء الأمة تقليل حجم المعاناة عبر التفاهم على القواسم المشتركة "
في المقابل كان من الطبيعي أن يستخدم الغرب كل إمكاناته من أجل تحقيق نفس الهدف، سواء أكان إجهاض الثورات التي نجحت والحيلولة دون تهديدها لمصالحه، أم وقف مسلسلها المخيف، أم التدخل من أجل حرف مسيرة ما اندلع منها كما هو الحال في ليبيا اليوم، أم دعم أنظمة أخرى للحيلولة دون سقوطها كما هو حال اليمن، وإن يكن دور بعض العرب في تثبيت النظام أكبر من دور الغرب والولايات المتحدة.

 

في ضوء ذلك كله نرى أن الشعوب تخوض معركة بالغة التعقيد والشراسة من أجل تثبيت نجاح الثورات التي نجحت، إلى جانب إنجاح الثورات التي اندلعت، مع استمرار الحراك الشعبي في الدول التي لم تبدأ فيها الثورة، أو في الدول التي تشهد حراكا سياسيا لا يرتقي إلى المستوى الذي يمكن أن يفضي إلى تغيير سريع.

 

في هذه المعركة الطويلة والشرسة سنخسر كأمة الكثير من الشهداء، وسندفع الكثير من التضحيات، وسنخسر الكثير على الصعيد الاقتصادي من حيث ارتباك الأوضاع المالية، وقد تشتبك القوى السياسية والشعبية في الشارع، وبالطبع من أجل اقتسام كعكة السلطة التالية، وسنرى الكثير من الصراعات والتهديدات.

 

لكن ما ينبغي التذكير به من جديد، أننا إزاء تحولات تاريخية ستنقل هذه المنطقة من مستوى العبودية للحكام وغياب الحرية وهيمنة الفساد والفاسدين والتبعية للخارج وبيع قضايا الأمة.. إلى مستوى الحرية والتعددية والأنظمة والحكومات التي تعبر عن ضمير الناس وهويتهم وخياراتهم السياسية.

 

في الغرب، وفي أقل من قرنين خسر الأوروبيون عشرات الملايين من القتلى (أكثر من 70 مليون قتيل) في حروبهم البينية والحروب الأهلية (عدد قتلى الحرب الأهلية الأميركية 1861-1865 التي يسميها البعض حرب توحيد أميركا، زاد عن 600 ألف قتيل)، وخاضوا مساومات لا أول لها ولا آخر حتى توصلوا إلى صيغة التعددية والحرية والسيادة التي يعيشون في ظلالها اليوم.

 

لا يعني ذلك أن علينا أن ندفع نفس الثمن، ففي زمن ثورة الإعلام لن نحتاج إلى ذلك الثمن الهائل، لكن ما ينبغي أن نوطن عليه أنفسنا أن هذه التحولات التاريخية لن تمر بسلاسة، وستستغرق الرحلة سنوات وسنوات حتى تنضج التجربة وتخرج الأمة من عنق الزجاجة.

 

قد يكون الثمن كبيرا في عرف البعض، لكنه ضروري لا بد أن ندفعه، وهو أفضل بكثير من أن نبقى أسرى العفن القائم.

 

ويبقى أن دور شرفاء الأمة تقليل حجم المعاناة عبر التفاهم على القواسم المشتركة بين القوى الحية، وصولا إلى إجماع على التعددية والحرية التي لا تعني إلغاء الأغلبية للأقلية، ولا تعني أيضا استهتار الأقلية بخيارات الأغلبية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة