فلسطين تشرعن انتفاضاتنا   
الخميس 1433/1/27 هـ - الموافق 22/12/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:53 (مكة المكرمة)، 11:53 (غرينتش)
زياد منى

كتبنا من قبل، أكثر من مرة، إن طبيعة أي تحرك شعبي وجوهره ومساره المستقبلي، مهما كان شكل التعبير عنه، يطالب بالتغيير في بلاد ما، وهمّي هنا وطننا العربي الكبير، يتجلى في الشعارات التي يرفعها. وقلنا من قبل، إن أي تحول في مسار أوطاننا ومصير أمتنا العربية، يجب أن يكون جوهريًا وليس استبدال شخص بآخر.
 
فالمطلوب تحقيق الحرية، ليس بمعناها الشعبي أو السطحي الذي يسجنها بين دفتي بضع مطالب سياسية تجعل الفرد منا أقرب إلى وهم الحرية منه إلى معناها العميق.
 
حرية الإنسان الحقيقية تعني أمورا أبعد بما لا يقاس من المطالب السياسية العامة مثل "حرية التشكل الحزبي" و"حرية التعبير". حرية الإنسان الحقيقية تكمن في تحرره، فرديًا وجماعيًا، من كل ما يمنع تطوره المادي والروحي.
 
"
إذا لم تتبن أي من الحركات الاحتجاجية برامج واضحة، خصوصًا ما يتعلق بالقضايا القومية المصيرية، وفلسطين في المقدمة، فإن تحركاتها لا تعنينا لأنها تهدف إلى استبدال طاغية بآخر
"
لذلك لم نقبل شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" وطالبنا ببرامج حقيقية تنقل شعوب أمتنا من حال الإملاق والإذلال التي تعيشها إلى الحرية الحقيقية، بعيدًا عن مقولات "حكم الأغلبية" وما إلى ذلك من تعبيرات تجزئة المجتمعات وتأليب بعضها على بعض، لكن نيل الحرية الحقيقية يتطلب توافر حامل هذه الحرية، أي الشعب الواعي لمصالحه بعيدًا عن الولاءات القبيلية والعشيرية التي تحكمنا، وعلى نحو منفصل من الأفكار النمطية والهلوسات والوساوس التي تتحكم في آليات تفكيرنا.
 
وإذا لم تتبن أي من الحركات الاحتجاجية برامج واضحة، خصوصًا ما يتعلق بالقضايا القومية المصيرية، وفلسطين في المقدمة، فإن تحركاتها لا تعنينا لأنها تهدف إلى استبدال طاغية بآخر "طبعًا منتخب بحرية كاملة" ومن دون أي تدخل خارجي.
 
لنكن واضحين هنا: إن مشروع اغتصاب فلسطين لم يكن مشروعًا يهوديًا، بل إن يهود أوروبا الغربيين عارضوه بشدة، بعضهم من منطلقات سياسية وآخرون من منظور ديني وفكري.
 
المرة الأولى التي طرح فيها مشروع اغتصاب فلسطين سمّاه أصحابه "إعادة اليهود Restoration" وظهر إبان الثورة الفرنسية (في فرنسا الكاثوليكية) في نهايات القرن الثامن عشر والتي بشرت بولادة عالم جديد خال من الملكيات والطغيان، والتي أحدثت زلزالاً فكريًا هائلاً ترددت أصداؤه في كل بقاع غربي أوروبا، وهدد وجود ملكياتها وعلى رأسها الملكية البريطانية (البروتستانتية) مما استدعى ردًا رجعيًا تجلى في إطلاق الفكر الألفي، أي "قرب نهاية العالم"، والذي تؤوله البروتستانتية ليعني مجيء المسيح "الثاني" وذلك لن يكون، كما ترى، إلا بين شعبه وفي أرضه، أي "بين اليهود في فلسطين".
 
وقد استدعى إرغام قيادات يهودية على تبني مشروع "الإعادة" جهودًا مضنية من مختلف مكونات المؤسسات الأوروبية المسيحية الحاكمة، السياسية والفكرية والاقتصادية والدينية، وانتهى الأمر بها إلى إعلان ذلك رسميًا في ما يعرف في تاريخنا باسم "وعد بلفور"، وهو إعلان نوايا أوروبي بخصوص مستقبل "الأرض الموعودة"، أي ما يعرف في تراث تلك الحركات باسم "أرض الكتاب المقدس"، والتي تضم معظم بلاد الشام وأرض العراق ومصر (من النيل إلى الفرات) [الخطان الأزرقان في علم الكيان الصهيوني].
 
نقول، بكلمات صريحة، إن قضية ديمومة بقاء فلسطين مغتصبة، حيوية ورئيسة في سياسات الغرب الاستعماري، وستبقى كذلك إلى أن يكمل هيمنته على العالم، أو يفقد الأمل في الوصول إلى ذلك الهدف التوسعي الشرير.
 
وكنا حذرنا كثيرًا في الماضي من أن الغرب الاستعماري ينظر إلى العرب (مسلمين ومسيحيين) على أنهم دخلاء على "أرض الكتاب المقدس" ويجب تحريرها منهم وإعادتهم إلى صحاريهم [كذا!]. بل إننا على قناعة بأنه في حال استمرار تراخي العرب إزاء قضية تحرير فلسطين فسيأتي اليوم الذي سيطالب فيه الغرب الاستعماري -والكيان الصهيوني جزء منه- العرب بإعادة خيبر بل وحتى نجران.
 
على أي حال، إن البعد القومي العربي للقضية الفلسطينية، والبعدين الديني، الإسلامي والمسيحي [المشرقي]، واضح وتجلى في صور عديدة في التطورات والأحداث الكبار التي عصفت بأوطاننا منذ اغتصاب بلادنا في منتصف القرن الماضي.
 
في الوقت الذي نؤكد فيه قناعتنا بتمتع قضية فلسطين ونضال شعبها المظلوم، مع إخوانه العرب، من أجل استعادتها من الاغتصاب الصهيوني، موقع الصدارة في ضمائر أمتنا، لا بد لنا من تأكيد مسؤولية الطليعة الفكرية والقيادات السياسية العربية -والفلسطينية جزء منها- عن حالة الانفضاض الشعبية العربية عن القضية العربية الأولى.
 
من المهم تأكيد أن الالتحام الشعبي العربي بقضية فلسطين ونضال شعبها المظلوم يتناسب طرديًا مع مستوى النضال. فكلما خاض المناضلون الفلسطينيون والعرب معارك ضد العدو ازدادت شعبيتهم بين أبناء أمتهم، والعكس صحيح.
 
وقد تجلى هذا على نحو واضح إبان عدوان عام 2006 على جنوبي لبنان حيث عاد بعض العرب، الذين أدانوا صراحة عملية أسر مقاتلي حزب الله الجنود الإسرائيليين وتبرؤوا منها، عن مواقفهم بسبب الأداء العسكري المميز لمقاتلي حزب الله وقدموا الدعم لإعادة بناء قرى جنوبي لبنان المدمرة.
 
"
استسلام كثير من الأنظمة العربية "المُقالة" لشروط الغرب الاقتصادية، وبالتالي السياسية، أنتج حالة الإملاق والإذلال التي تعيشها كثير من شعوب أمتنا، وبالتالي للانتفاض ضد حكامها
"
الانفضاض الشعبي العربي لم يكن عن فلسطين، وإنما عن تجلياتها السياسية في قياداتها التي عملت منذ عام 1973 على استبدال اللهاث وراء رضا العدو بالكفاح المسلح وقبلت بشروطه المذلة مقابل وعود بوعود بوعود بوعود ... القيادة الفلسطينية، ومعها المروجون لها فكريًا، فلسطينيين وعربا، وفي محاولة منها لحجب الهزائم والاستسلام تلو الآخر لشروط العدو وإملاءاته، لجأت إلى سياسات وممارسات غوغائية هزيلة ومن ذلك استعراض ذلك الكرسي الهزيل في مختلف بقاع العالم، وقبل ذلك إطلاق صفة النصر على كل هزيمة قادتنا إليها.
 
وعندما ننظر إلى الجوانب الداخلية وراء الانتفاضات العربية، فلا شك أن استسلام كثير من الأنظمة العربية "المُقالة" لشروط الغرب الاقتصادية، وبالتالي السياسية، أنتج حالة الإملاق والإذلال التي تعيشها كثير من شعوب أمتنا، وبالتالي للانتفاض ضد حكامها.
 
لقد كانت مطالبتنا المستمرة بطرح برامج مستقبلية واضحة، ووضع فلسطين في قلب تلك البرامج، نابعة من تخوفنا المشروع من أن بعض القوى المعارضة تريد إسقاط نظم قائمة كي تستلم هي دفة القيادة. أي أن هدف كثير منها ليس التغيير الجوهري الحقيقي وإنما استبدال حاكم بآخر؛ المستَوْظِفِين (careerists)، أيًا كانت شعاراتهم، هم أكثر الناس خطورة على أي مشروع، مهما كان متواضعًا.
 
نعلم أن التغيير الحقيقي يكمن في تحقيق الاستقلال الاقتصادي، وهو ما سيقود بالضرورة إلى الاصطدام بإملاءات الغرب الاستعماري الذي يهدف إلى تسيد مفاهيمه على العالم. لكن ثمة جانبا آخر أشرنا إليه من قبل ألا وهو حتمية الصدام بمشروعه الصهيوني في بلادنا.
 
لذا نجد أن الدول الغربية تطالب العرب دومًا بالخضوع له ولمطالبه، حتى لو كانت تتناقض مع قوانينها هي [الغربية] (مثلاً مشروع الدولة الدينية اليهودية الصافية).
 
لذا فإننا من هذا المنظور نقوِّم التصريحات ذات العلاقة بفلسطين، قضية العرب الأولى، المنسوبة إلى كل من رئيس المجلس الوطني السوري لصحيفة وول ستريت جورنال، ولزعيم حزب النهضة التونسي نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في معهد واشنطن، ولرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لصحيفة الفايننشال تايمز اللندنية، وكلها جرت في الشهر الحالي ديسمبر/كانون الأول الحالي وقرأناها في مواقع المؤسسات الرسمية، حيث يتم فيها فصل القومي عن المحلي، ما يؤكد قناعة بعض منظري الانتفاضات وقادتها بوجود تناقض تناحري بين العنصرين، وانعدام حتمية توحدهما.
 
وفي حال السير في طريق محاولة فصل المحلي/الوطني عن القومي، وإقامة تناقض بين الاقتصاد وتجلياته جميعها، الاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية والروحية.. ستكون النتيجة الحتمية تفريغ أي تحول من محتوى حقيقي جذري وتكون النتيجة استبدال حاكم بآخر، والزمن سيثبت صحة رأينا، كما أظهرت تجارب كل شعوب العالم المنتفضة.
 
المشكلة ليست في الأشخاص وإنما في البرامج وفي آلية التفكير التي تحدد الأولويات، وفي نهاية المطاف تقود إلى هدف مختلف تمامًا عما طرح في بداية الطريق.
 
الثورة كلمة كبيرة، وعميقة المعنى، وهي تعني تحولات جذرية ليس فقط في أسلوب الحكم وطريقة إدارة البلاد، وإنما التغير الكلي والشامل. والقيادات لا تلهث وراء مطالب العامة وإنما تقودها. أما اللهاث وراء شعارات نمطية وشعبية فيعني أنه ليس ثمة من قيادة وأن مدعيها هم المقطورة وليسوا القاطرة.
 
فلسطين ليست قضية فلسطينية فقط، بل عربية في المقام الأول. فلسطين، بصفتها كيانا سياسيا منفصلا، نتاج تقسيم الغرب الاستعماري لبلادنا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، بل يمكن القول إن كل كياناتنا السياسية في المشرق والمغرب العربيين، حدودها رسمتها الدول الاستعمارية.
 
ومن المعروف أن أول وعي عربي مثبت لمشروع استعمار فلسطين وتحويلها إلى "وطن لليهود" اندلع في بلاد الشام عند احتلال القوات البريطانية سواحلها عقب قضائها على حركة محمد علي ضد الباب العالي.
 
فلسطين، من وجهة نظر قومية، ليست قضية تحرر وطني فقط وإنما تحرر قومي أولاً وقبل كل شيء.

والتحرر هنا لا يعني فقط تحرير الأرض واستعادة شعب فلسطين أراضيه وقراه ومدنه.. المسلوبة منه والعودة إليها، بل التحرر الحقيقي، كما تحررت الولايات الأميركية من الحكم البريطاني (والفرنسي والإسباني)، ضمن ظروف ذلك العصر. ومن يحاول فصل فلسطين عن قضايا العرب، المحلية والوطنية والإقليمية يعمل بالضرورة على عزل نفسه، ومن معه، عن المحيط العربي، والإسلامي تباعًا.
 
لقد أقدمت قيادة الهزائم الفلسطينية والعربية في مطلع سبعينيات القرن الماضي على السير في طريق الاستسلام عبر تبني مشروع "إقامة السلطة الوطنية على أي شبر يتم تحريره"، لكن عبر محاولة إخفائه خلف قناع الزعم بأنه برنامج مرحلي على طريق تحرير فلسطين وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية، لكن من دون أن تكلف نفسها توضيح ذلك.
 
"
المطلوب أولاً وقبل كل شيء إعادة الاعتبار إلى فلسطين بصفتها قضية تحرر عربية. وهذا يعني ضرورة النظر إليها من منظور الأمن القومي العربي، مما يستدعي بالتالي قيام مفكري الأمة بتعريفه من منظور جامع
"
ولأن ذلك البرنامج [الساداتي] لم يكن سوى العكس من ذلك، انتهى الأمر بها، كما نرى وكما كان كل معارض للتسوية يحذر منه، إلى سلطة "ولو على ظهر حمار في أريحا"؛ فلا سلطة وطنية، ولا حتى سلطة محلِّيَّة، ولا ما يحزنون.
 
ختاماً، نقول إن المطلوب أولاً وقبل كل شيء إعادة الاعتبار إلى فلسطين بصفتها قضية تحرر عربية. وهذا يعني ضرورة النظر إليها من منظور الأمن القومي العربي، مما يستدعي بالتالي قيام مفكري الأمة بتعريفه من منظور جامع.
 
أما الظن بإمكانية خداع الغرب الاستعماري باتباع سياسات مبهمة وتعريفات غامضة فسينتهي الأمر به إلى خسارة نفسه وشعبه وأمته، وإلى "سيادة فوق الرماد".
 
التعريفات الإقليمية والمحلية أثبتت عقمها مما يجعلنا نردد قول الأديب الراحل محمود درويش:
وماذا تنفع الأعلامُ ..
هل حَمَتِ المدينَةَ من شظايا قنبلة!
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة