العملاء في المجتمع الفلسطيني.. المشكلة والعلاج   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ صالح محمد النعامي

- أهداف ومرامي التجنيد
- آليات التجنيد
- الجهات التي تتولى تجنيد العملاء
- آثار ظاهرة العمالة على المجتمع الفلسطيني
- معالجة الظاهرة بين الإفراط والتفريط
- علاج شامل

منذ أن بدأت الصراعات بين الدول والشعوب برزت ظاهرة العملاء، وأصبحت قدرة دولة ما على تجنيد عيون لها من مواطني الدولة التي تكون في حال حرب معها، عاملاً حاسماً في تحقيق التفوق في المواجهة ضدها.

ويشهد تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام والصراع الإسرائيلي الفلسطيني بشكل خاص، على أن الدولة العبرية وظفت جهوداً وطاقات كبيرة من أجل تجنيد أكبر عدد ممكن من العرب والفلسطينيين للعمل لصالح أجهزتها الاستخبارية، ومدها بالمعلومات التي تساعدها في توجيه ضربات قاصمة للدول العربية والمقاومة الفلسطينية.

ونحن هنا بصدد مناقشة ظاهرة عملاء إسرائيل من الفلسطينيين: أهداف إسرائيل من تجنيدهم، والوسائل المتبعة في إسقاطهم، فضلاً عن آثار ظاهرة العملاء على المجتمع الفلسطيني، ومعالم القصور في طرق مواجهة هذه الظاهرة فلسطينياً، وسبل مواجهتها.


تهدف الدولة العبرية من تجنيد الفلسطينيين بجانب جمع المعلومات، إلى زعزعة ثقة الفلسطينيين بقضيتهم والتأثير على أجندة المجتمع الفلسطيني وتحييد القطاعات الشبابية عن المقاومة

أهداف ومرامي التجنيد
بجانب الحاجة إلى جمع معلومات استخبارية تساعد الدولة العبرية في إحباط المقاومة الفلسطينية والإيقاع بعناصرها وقادتها، فإن حرص الدولة العبرية على تجنيد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين ليكونوا عملاء لها يهدف إلى:

1- زعزعة ثقة الفلسطينيين بقضيتهم، إذ يقول النائب السابق لرئيس جهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلي (الشاباك) جدعون عيزرا إن مجرد اكتشاف الفلسطينيين لقدرة الشاباك على تجنيد عملاء في صفوفهم كفيل بزعزعة ثقتهم بالقضية والمقاومة الفلسطينية. ويقول الرئيس السابق لقسم التحقيقات في الشاباك شلومو بن عامي إن "نجاحنا في اختراق التنظيمات الفلسطينية عبر تجنيد عملاء لنا من بين عناصرها، له بالغ الأثر في سيادة أجواء عدم الثقة في أوساط عناصر المقاومة بشكل يجعلها أقل كفاءة".

2- محاولة التأثير على أجندة المجتمع الفلسطيني بما يتوافق مع المصلحة الإسرائيلية، حيث كان للعملاء دوماً أثر في إثارة الفتن الداخلية بين الفلسطينيين، فضلاً عن تداول الشائعات التي هي جزء من الحرب النفسية التي تخوضها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.

3- تجنيد أكبر عدد من العملاء جاء لتحييد أوسع قطاعات من الشباب الفلسطيني، وإبعادهم عن صفوف المقاومة.

آليات التجنيد
منذ أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 أصبحت تتحكم في كل مناحي الحياة للفلسطينيين، فحصول الفلسطيني على تصريح للعمل أو العلاج، أو إذن بالسفر إلى الخارج من أجل الزيارة أو مواصلة التعليم، كان مرهوناً فقط بموافقة سلطات الاحتلال.

في نفس الوقت كانت هذه السلطات منذ العام 1967 وحتى تشكيل السلطة الفلسطينية في العام 1994، هي الجهة المسؤولة عن استيعاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين في سلك التعليم والصحة وقطاع الخدمات.

إسرائيل لم تتوان للحظة في استغلال ما تتمتع به من نفوذ من أجل مساومة الكثير من الفلسطينيين وابتزازهم من أجل دفعهم إلى التعاون مع مخابراتها. صحيح أن المخابرات الإسرائيلية فشلت في ابتزاز معظم الذين حاولت مساومتهم على أن يصبحوا عملاء لها، إلا أن احتكارها للقوة والنفوذ دفع الكثير من ضعاف النفوس للسقوط في براثن العمالة، وأصبحوا أدوات رخيصة وطيعة في أيدي عدوهم.

انحطاط المعايير الأخلاقية للمحتل جعله يستخدم وسائل قذرة في تجنيد العملاء من بين الفلسطينيين، وكما بات معروفاً الآن فقد عمد الشاباك على استدراج الشباب الفلسطيني إلى ممارسات غير أخلاقية حيث يتم تصويرهم في أوضاع مشينة، وبعد ذلك يقوم عناصر الشاباك بتخييرهم بين العمالة أو فضح أمرهم.

وقد دلت التحقيقات التي أجرتها الأجهزة الأمنية الفلسطينية، فضلاً عن التحقيقات التي أجرتها فصائل المقاومة مع مئات العملاء، عن أن هذه الطريقة هي الأكثر شيوعاً في تجنيد العملاء.

الجهات التي تتولى تجنيد العملاء
منذ احتلال الأراضي الفلسطينية في العام 1967 وحتى تشكيل السلطة الفلسطينية، ظل جهاز الشاباك هو الجهة المسؤولة عن تجنيد العملاء من بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالذات القسم العربي في هذا الجهاز.

ونظراً للدور البالغ الأهمية الذي يقوم به القسم العربي في الشاباك، فقد كان معظم رؤساء الشاباك يتم اختيارهم من بين كبار الضباط الذين تولوا قيادة هذا القسم، مثل الرئيس الحالي آفي ديختر.

لكن بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينية، تقرر أن يتولى جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان) جزءاً من عمليات تجنيد العملاء. وهكذا تم تدشين الوحدة رقم 812 التابعة لأمان وتتولى مهام تجنيد العملاء، ويقودها ضابط برتبة عميد.

وقد كان من المقرر أن تنتقل مسؤولية تجنيد العملاء بالكامل إلى جهاز "أمان"، لكن اندلاع انتفاضة الأقصى أدى إلى إرجاء ذلك، حيث تقرر أن يواصل الشباك الاضطلاع بالعبء الرئيسي في هذا الجانب.

وهنا يتوجب أن نشير إلى أن الشاباك لا يتولى تجنيد العملاء في الخارج، فهذه مهمة جهاز "الموساد" الذي يخضع هو والشاباك مباشرة لإشراف مكتب رئيس الوزراء.


كان لظاهرة العملاء دور تدميري لنسيج المجتمع الفلسطيني فقد انخرط العملاء في أنشطة تهدف إلى تدمير أخلاق الشباب وإفسادهم من خلال الترويج للمخدرات ونشر الرذيلة
آثار ظاهرة العمالة على المجتمع الفلسطيني

إلى جانب تأثيرها السلبي على المقاومة الفلسطينية، فقد كان لظاهرة العمالة دور تدميري على نسيج المجتمع الفلسطيني. فقد انخرط العملاء –حسب تعليمات الشاباك– في أنشطة تهدف إلى تدمير أخلاق الشباب الفلسطيني وإفسادهم.

فقد دلت تحقيقات كل من الأمن الفلسطيني وفصائل المقاومة على أن العملاء لعبوا دوراً كبيراً في تعاظم ظاهرة تعاطي المخدرات بين أوساط الشباب الفلسطيني، وكان لهم دور في نشر الرذيلة.

في نفس الوقت فقد ساهمت طريقة مواجهة فصائل المقاومة الفلسطينية لظاهرة العملاء في تكريس الشرخ داخل المجتمع الفلسطيني. ففي الانتفاضة الأولى وعندما لم يكن هناك سلطة فلسطينية، سارعت حركات المقاومة إلى إعدام المئات من الفلسطينيين من المشتبه بتعاونهم مع المخابرات الإسرائيلية.

من هنا اندفع إلى هامش المجتمع آلاف الأطفال الأيتام الذين خرجوا إلى النور وهم يعانون من عقدة الشبهة التي قتل بها آباؤهم، هذا مع أن مؤسسات المجتمع احتضنت هؤلاء الأبناء.

إلى جانب ذلك فإن هذه الظاهرة أدت إلى تكريس عادة الأخذ بالثأر بين العائلات الفلسطينية على خلفية قتل المشتبه بتعاونهم مع إسرائيل، إذ إن الكثير من العائلات لم تسلم بأن تتم تصفية أبنائها المشتبه بهم بعد أن شككت في موضوعية معالجة فصائل المقاومة لملف العملاء. وقد أقدمت بعض عائلات العملاء على قتل الذين اشتبهت بأنهم ساهموا في قتل أبنائها أو أصدر الأمر بتصفيتهم.

معالجة الظاهرة بين الإفراط والتفريط
في الفترة السابقة لتشكيل السلطة الفلسطينية والفترة التالية له، تميز التعاطي مع ظاهرة العملاء بوجود معلمَين من معالم التقصير، ففي الفترة الأولى كان هناك إفراط في استخدام القوة والعنف ضد المشتبه بهم في ظل غياب نظام قانوني يتم الاحتكام إليه.

فكانت مجموعات من حركات المقاومة تختطف المشتبه بهم وتحقق معهم بدون رقابة من أحد، وبعد ذلك تتم تصفيتهم. وبهذه الطريقة تم إعدام المئات من المشتبه بهم.

أما بعد تشكيل السلطة الفلسطينية فقد حدث العكس تماما، إذ وقع إهمال شديد في معالجة هذا الملف رغم تشكيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية ورغم توفر البنية القانونية التي يمكن الاحتكام إليها في معالجة هذه الظاهرة. إلا أن السلطة أهملت معالجتها لأسباب سياسية، حيث خشيت أن تتم معاقبتها من إسرائيل والدول المانحة التي كانت تعتبر المس بالعملاء مساً بسجل حقوق الإنسان. لذا نجد من خلال معطيات قدمتها الأجهزة الأمنية الفلسطينية مؤخرا أن دائرة صنع القرار في السلطة تتعمد تجاهل ملفات العملاء الذين تم الانتهاء من التحقيق معهم وتم استكمال ملفاتهم.

هذا في الوقت الذي يعتمل فيه الغضب في قلوب الفلسطينيين الذين يدركون حجم الدور الذي يلعبه العملاء في إنجاح عمليات التصفية والاغتيال والاجتياح والاختطاف التي يقوم بها جيش الاحتلال ضد كوادر المقاومة الفلسطينية.

علاج شامل
حتى الحل القضائي الأمني لا يمكن وحده أن يشكل علاجاً ناجعاً لظاهرة العملاء. فأولاً يتوجب تقليص قدرة إسرائيل على ابتزاز أبناء الشعب الفلسطيني، عبر عمل السلطة الفلسطينية وأجهزتها على تقليص الاحتكاك بين المخابرات الإسرائيلية والفلسطينيين.

ولأنه من المستحيل في الوقت الحالي وقف مثل هذا الاحتكاك بالمطلق، فإنه يتوجب مراقبة الذين يتعرضون للاحتكاك اليومي مع المخابرات الإسرائيلية مثل العمال الذين يتجهون يوميا إلى أعمالهم في إسرائيل، أو الأشخاص الذين بشكل عام يحتاجون للحصول على أذونات بالانتقال بين الأراضي الفلسطينية وبعضها البعض وبينها وبين العالم الخارجي. ويتوجب إطلاع هؤلاء على الوسائل التي تتبعها المخابرات الإسرائيلية في تجنيد العملاء، وتحذيرهم من السقوط في براثن العمالة.

لكن أهم حلقة في معالجة هذه الظاهرة هي وجود نظام تعليمي فلسطيني تثقيفي يعزز المنعة الذاتية للإنسان الفلسطيني بحيث لا يسهل إسقاطه في هذا المستنقع الآسن بهذه السهولة، عبر تقوية الشعور بالانتماء الوطني والقومي لدى النشء الفلسطيني.

إلى جانب ذلك، يتوجب أن يكون فك الارتباط مع دولة الاحتلال هدفا فلسطينيا أيضاً، فلا يجوز للمرء أن يرتهن إلى فرص العمل التي يوفرها عدوه وبعد ذلك يتبرم من محاولات هذا العدو لابتزازه.


لعلاج ظاهرة العملاء يتوجب تقليص قدرة إسرائيل على ابتزاز أبناء الشعب الفلسطيني ومراقبة الذين يتعرضون للاحتكاك اليومي مع المخابرات الإسرائيلية وتحذيرهم, وفك الارتباط مع دولة الاحتلال
رغم الجدل العميق الذي تثيره ظاهرة العملاء في الساحة الفلسطينية حالياً، فإن واقع الشعب الفلسطيني يؤكد أن رهانات إسرائيل على هذه الظاهرة قد تراجعت إلى حد كبير.

ويقر الرئيس السابق لجهاز الشاباك كارمي غيلون أن المقاومة الفلسطينية قد بلغت من القوة والتجذر والاتساع إلى الحد الذي لم تعد معه قدرة إسرائيل على تجنيد العملاء عاملاً حاسماً في محاصرة هذه المقاومة وإحباط مخططاتها.

كما أن هذه الظاهرة لم تؤثر في مجملها على زعزعة ثقة الجمهور الفلسطيني بالمقاومة، إلى جانب فشل الرهان على هذه الظاهرة في تحييد الشباب الفلسطيني وعزله عن المقاومة.

وحسب يعكوف بيري أحد رؤساء الشاباك السابقين فإن المشكلة التي تواجهها حركة المقاومة هي الاستجابة لرغبات الشباب الفلسطيني المتعطش لتنفيذ العمليات الاستشهادية، في دلالة على بؤس الرهان على الظاهرة في عزل الشباب الفلسطيني عن خيار المقاومة.

مع كل الجهود التي تبذلها المخابرات الإسرائيلية فإن التاريخ المشرق للشعب الفلسطيني ومقاومته، يسطره فقط الشرفاء من أبنائه وليس العملاء.
ــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة