دور دول الجوار في حل المشكلات الإقليمية   
الأربعاء 1425/11/18 هـ - الموافق 29/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 22:45 (مكة المكرمة)، 19:45 (غرينتش)


















 
 
 
- العوامل المؤثرة في دور دول الجوار
- اجتماعات الجوار كآلية لإدارة المشكلات الإقليمية
- نحو رؤية عربية لدور دول الجوار

شهدت المشكلات والقضايا الإقليمية المعاصرة بروزا لدور الدول والأطراف المجاورة للدول صاحبة المشكلة أو القضية، وإن كان هذا الدور قائما ومستمرا بطبيعة الأمور وبحكم التفاعلات الحتمية بين الدول المتجاورة إلا أن التعقيدات التي صاحبت القضايا والمشكلات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة صاحبها تزايد كبير في أهمية وتأثير دور دول الجوار.
 
وتقدم قضيتا العراق والسودان مثالين نموذجيين لهذه الأهمية مع اختلاف التفاصيل والاتجاهات التي اتخذتها أدوار دول الجوار لكل منهما، بيد أن هذا التباين ذاته يؤكد أن المبدأ واحد وأن دول الجوار أصبحت بالفعل لاعبا أساسيا في التفاعلات الإقليمية خصوصا في الصراعات والأزمات.
 

"
التعرف على الدور الجواري في المسائل الإقليمية بشكل منظم ومعترف به علنا بدأ مع الحرب الأميركية على أفغانستان عام 2001، ثم مع تصاعد الضغوط الأميركية على العراق منذ منتصف عام 2002
"

تطور مفهوم دول الجوار

ربما كانت تسمية "دول الجوار" -استخدام هذا الاصطلاح كمفهوم سياسي- ظاهرة جديدة في التفاعلات السياسية الإقليمية خصوصا في منطقتنا العربية. بيد أن دور دول الجوار ذاته في المشكلات والصراعات الإقليمية ليس جديدا، وإنما قائما ومعروفا منذ زمن بعيد، لكن دونما اصطلاح محدد أو توصيف دقيق له يتعلق بالنطاق الجغرافي الجواري.
 
ويمكن تأريخ دور دول الجوار في القضايا الإقليمية بالمنطقة بدءا من ظهور الصراع العربي- الإسرائيلي حتى من قبل قيام دولة إسرائيل وتحديدا منذ صدور وعد بلفور. وبعد ذلك توالت القضايا والموضوعات التي لعبت فيها دول الجوار دورا فعالا ومؤثرا في توجيه مسارها وتحديد نتائجها.
 
ومن أبرز هذه القضايا "مشكلة الصحراء" التي تمثل الجزائر رقما أساسيا في معادلتها، كذلك الأمر بالنسبة للقضية اللبنانية التي تعد الأبرز حتى الآن في دور دول الجوار، حيث يمثل التجاور السوري اللبناني مفتاح التعامل مع الملف اللبناني برمته وبأبعاده الداخلية والخارجية على حد سواء.
 
بيد أن التعرف على الدور الجواري في المسائل الإقليمية بشكل منظم ومعترف به علنا بدأ مع الحرب الأميركية على أفغانستان عام 2001. ثم مع تصاعد الضغوط الأميركية على العراق منذ منتصف عام 2002 أخذت مواقف الدول المجاورة للعراق تزداد أهمية وحضورا في تفاعلات الأزمة عبر مختلف مراحلها، وهو الأمر الذي استشعرته بالفعل تلك الدول فنظمت عدة اجتماعات حضرتها مجموعة دول الجوار العراقي (إيران, تركيا, سوريا, الأردن, السعودية, الكويت) إضافة إلى مصر والبحرين.
 
ومع تصاعد الأزمة في غرب السودان بإقليم دارفور، كثفت أيضا الدول المجاورة للسودان تحركاتها واتصالاتها مع مختلف الأطراف سواء الحكومة السودانية أو القبائل المتمردة في الغرب أو الأطراف الدولية المهتمة بالشأن السوداني. من هنا برز الدور الليبي، إضافة إلى المتابعة المصرية المكثفة لتطورات الأوضاع في دارفور.
 
العوامل المؤثرة في دور دول الجوار
هناك مجموعتان من العوامل تتدخل في توجيه مواقف وسياسات دول الجوار إزاء مشكلة أو قضية إقليمية مطروحة:
 
1- عوامل إستراتيجية 
وهي العوامل الجغرافية والجيوسياسية وغيرها من الثوابت ذات الطابع الإستراتيجي الممتد. بالنظر إلى السودان نجد أنه يمثل عمقا إستراتيجيا طبيعيا لمصر، وجزءا من مقومات الأمن الوطني المصري، بينما يعد بامتداده الجغرافي وموارده الطبيعية مصدر قلق محتملا لليبيا إذا ما أصبح سودانا قويا.
 
في المقابل يبدو العراق بموقعه ومساحته وامتداده الجغرافي وتركيبته الديمغرافية مصدر قلق مستمرا لكل من تركيا والكويت، الأولى بسبب وضع الأكراد، والثانية بسبب الفارق الشاسع في القدرات الشاملة بينهما.
 
وكذلك الأمر بالنسبة لإيران التي تفضل عراقا ضعيفا أو مفتتا على عراق مركزي قوي وموحد قابل للتمدد أو التعدي عليها في أي لحظة. بينما يمثل ذلك العراق المركزي القوي مصدر أمان نسبيا لسوريا التي ستتضرر كثيرا إذا ما تعرض العراق للتقسيم أو أصبح ضعيفا أمام كل من إيران وتركيا، في حين يمثل هذا الضعف ميزة كبرى لدولة مثل الأردن التي موقفها مشابه إلى حد بعيد لموقف الكويت في القلق من الفارق في القدرات والإمكانات بينها وبين العراق إذا كان قويا.
 
2- عوامل متغيرة
وتشمل المتغيرات الاقتصادية والسياسية، فللأردن مصالح اقتصادية مهمة لدى العراق لوحظ أنها أخذت في اعتبار الأطراف المعنية بالشأن العراقي ومستقبله وذلك أثناء التحضير للاحتلال. أما بالنسبة للسودان فالوضع مختلف، إذ العامل الاقتصادي سلبي، بمعنى أنه لا توجد موارد غنية أو مصالح اقتصادية آنية لدول الجوار لدى السودان، وعدا أن الثروة النفطية الكامنة تمثل مطمعا بعيد المدى لا يملك السودان ما يثير اهتمام أو تكالب الدول المجاورة عليه.
 
على المستوى السياسي، كان النظام العراقي يمثل تهديدا نسبيا لدول الجوار خصوصا دول الخليج (كما كان النظام الناصري في الستينيات يمثل مصدر تهديد أيضا للدول المحافظة ككل وليس في الخليج وحسب). كذلك الأمر بالنسبة للسودان، فتبني نظام البشير- الترابي في بداياته خطابا إسلاميا أثار حفيظة القاهرة التي كانت تعاني في هذه الفترة -أي مطلع التسعينيات- من العنف المسلح المنسوب للإسلاميين. والملاحظ أن التقارب المصري السوداني تزامن مع تخلي النظام السوداني عن الشعارات الإسلامية ثم انفصال الرفيقين البشير والترابي.

تندرج في العوامل السياسية أيضا العلاقة بين دولة الجوار والدولة المعنية سواء ككل أو مع جماعات أو قوى معينة داخلها، والمثال الأبرز على ذلك علاقة إيران بشيعة العراق، مقابل موقف تركيا من الأكراد العراقيين.

3- العامل الخارجي
وهذا العامل مرتبط بطبيعة النظام العالمي السائد وعلاقة القوى الكبرى فيه مع دول الجوار من جهة، ومع الدول أطراف المشكلة من جهة أخرى. ولسنا بحاجة إلى توضيح التأثير الكبير الذي لعبته طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية والدول المجاورة لكل من العراق والسودان وانعكاس ذلك على مواقف وسياسات تلك الدول.

اجتماعات الجوار كآلية لإدارة المشكلات الإقليمية
من اللافت في النموذجين العراقي والسوداني أن ثمة تزامنا أو بالأحرى تواليا زمنيا متقاربا بين نمو دور دول الجوار وبروز الدور الدولي بوجه عام، بمعنى أن اضطلاع الدول المجاورة للعراق والسودان بدور مهم في تطورات الأزمة ومحاولات تطويقها في الحالتين سرعان ما تبعه تدخل دولي مباشر سواء بشكل عسكري كما حدث في العراق أو سياسي كما بالنسبة لجنوب السودان وغربه (حتى الآن).

"
سعيا إلى تحقيق هدف الفعالية والتأثير الإيجابي لمنظومة أو آلية دول الجوار ينبغي دمج الأطراف غير المنضمة لهذه المنظومة قدر المستطاع حتى تتسم بالشمول والحصرية كلما أمكن ذلك
"

أي أن دور دول الجوار في هاتين الحالتين كان أقرب إلى محطة انتقالية نحو تدويل المشكلة منه إلى الحفاظ على محليتها أو حتى حصرها في النطاق الإقليمي.

في المقابل هناك عوامل تدفع باتجاه مأسسة الدور الجواري سواء في العراق أو في السودان، فالوضع الأمني في العراق فرض نفسه على الاجتماعات الأخيرة لوزراء خارجية دول الجوار ما حدا بهم إلى عقد اجتماع لوزراء داخلية هذه الدول، وهي خطوة يمكن البناء عليها وتطويرها بحيث تصبح تلك الاجتماعات آلية مستمرة يتم توسيعها بشكل وظيفي متدرج.

وسعيا إلى تحقيق هدف الفعالية والتأثير الإيجابي لمنظومة أو آلية دول الجوار ينبغي دمج الأطراف غير المنضمة لهذه المنظومة قدر المستطاع، حتى تتسم بالشمول والحصرية كلما أمكن ذلك، فتسعى الدول المعنية إلى ضم إثيوبيا وكينيا وأوغندا إلى الاجتماع القادم لتفويت الفرصة على بعض الأطراف الراغبة في تفريغ تلك الاجتماعات من مضمونها.

كذلك يجب تمثيل الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية المعنية في تلك المنظومة لتأطير عملها وإكسابها شرعية إقليمية ودولية،  وذلك بهدف تأطير دور دول الجوار العربية إما في سياق إقليمي من خلال الجامعة العربية أو الاتحاد الأفريقي، أو في سياق دولي من خلال الأمم المتحدة، وذلك لإيجاد مظلة تنظيمية أوسع تعمل من خلالها آلية دول الجوار حتى لا تعمل بشكل منفصل عن الأطر والهياكل الإقليمية والدولية القائمة.

ويقدم المؤتمر الدولي حول العراق الذي انعقد في مدينة شرم الشيخ المصرية يومي 22 و23 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي حالة تستحق النظر والتأمل في هذا الإطار.

فهذا المؤتمر، الذي التأم للبحث في مستقبل العراق السياسي خصوصا لجهة سبل تسهيل إجراء الانتخابات فضلا عن ضبط الوضع الأمني المتدهور هناك، يمثل سابقة يمكن الاستفادة منها رغم بعض المثالب والسلبيات التي وقعت في شرم الشيخ.

ونلفت هنا إلى اجتماع دول الجوار العراقي الذي عقد قبيل التئام مؤتمر شرم الشيخ "الدولي"، والذي خرج بموقف توافقي عام لم يكن إجماعيا لكنه حافظ على حضور ودور البعد الإقليمي والجواري في الملف العراقي، خاصة أن شقا مهما من استحقاقات هذا الملف يقع على عاتق الدول المجاورة للعراق.

بالتالي فإن اتخاذ المواقف الدولية صيغة جماعية منظمة، كما حدث في شرم الشيخ، لم ينتقص من أهمية اجتماعات ولقاءات دول الجوار وبالتالي مزايا مأسسة مشاوراتها واتصالاتها، بل على العكس من ذلك احتمالات انعقاد مؤتمرات دولية أخرى بشأن العراق -على سبيل المثال- تبدو ضئيلة، بينما ثبت بالتجربة أن لقاءات دول الجوار مستمرة بل وتم بالفعل توسيعها لتشمل مجالات أخرى غير النطاق الدبلوماسي (مثل اجتماعات وزراء الداخلية)، ما يعني أن صعوبة استمرار الصيغة المنظمة للبعد الدولي أو تكرارها بالشكل الذي شهدته شرم الشيخ تقابلها قابلية عالية للصيغة الإقليمية ممثلة في النطاق الجواري ليس فقط للتكرار بل أيضا للتطوير والتنظيم.

وإن كان الأمر ليس بالوضوح ذاته بالنسبة للسودان، إلا أن المبدأ قائم أيضا، فقمة طرابلس -على سبيل المثال- مثلت أرضية جيدة يمكن البناء عليها وتوسيع نطاقها، وهو ما كان ينبغي القيام به قبل انعقاد اجتماع مجلس الأمن الخاص الذي استضافته العاصمة الكينية نيروبي. بيد أن المغزى المهم هو أن المستوى الإقليمي المصاغ في شكل منتدى أو محفل يضم دول الجوار هو الأقرب للتعامل مع المشكلة بمعطياتها الداخلية والخارجية والأكثر قابلية للمأسسة واتخاذ مظهر تنظيمي من البعد الدولي، أو التصدي للتعامل مع هذا البعد إذا كان مؤسسيا مثل مجلس الأمن.

نحو رؤية عربية لدور دول الجوار
من الضروري بل من الحتمي أن تكون هناك رؤية عربية خالصة لمصالح وأهداف وتهديدات ومستقبل العرب سواء المتوقع أو المأمول، وهذا بصرف النظر عن مؤشرات الواقع والصعوبات التي قد تواجه هذا المستقبل إلى آخر العوامل والاعتبارات التي غالبا ما تُتخذ ذرائع للتنصل من الالتزامات أو الطموحات نحو مستقبل عربي أفضل. وفي سبيل تحقيق إنجازات عملية في هذا الاتجاه يمكن الإشارة إلى ما يلي:

1- ينبغي تفعيل الإطار العربي الجماعي لدى التعامل مع المشكلات والقضايا الإقليمية، بمعنى أن يكون للجامعة العربية دور حقيقي في الإدارة العربية لتلك المشكلات والأزمات، كونها الإطار التنظيمي الأكثر تأهيلا وقدرة على التصدي لمشكلات المنطقة من منطلق عربي جماعي عام. 

"
يجب أن تكون تحركات دول الجوار متكاملة لا متنافسة، وأن تنبع من الاتفاق المسبق على أن هدف آلية الجوار هو الاقتناع بضرورة التوصل لحل أو تسوية للمشكلة وليس مجرد اللقاء للتشاور
"

والصيغة الأنسب في هذا السياق هي أن تكون الجامعة حاضرة وتُمثل في اجتماعات دول الجوار بواسطة أمينها العام، على أن يقوم بعد ذلك بعرض تقرير على اجتماع المجلس الوزاري أو على مؤتمر القمة أيهما أقرب. بمعنى أن تقوم الجامعة العربية بدور المظلة للتحركات العربية القطرية على المستوى الإقليمي.

2- في ظل الصعوبات التي تتفاقم أمام تفعيل دور الجامعة العربية، ربما يكون أكثر ملاءمة أن يجرى تنسيق عربي- عربي بين الدول المعنية بقضيتي العراق والسودان، خصوصا قبيل اجتماعات دول الجوار، حتى يكون هناك اتفاق على حد أدنى من المواقف والتوجهات التي تخدم الأهداف المطلوبة أو تدرأ الأخطار المحتملة في المنظور العربي.

وإذا كانت ملامح هذا التنسيق قائمة بالفعل بين مصر وليبيا فيما يتعلق بالسودان، فإن الملف العراقي في حاجة ماسة إلى التوصل لهذا التنسيق.

لذا من المهم والمطلوب الاتفاق ولو على مبادئ أساسية تحكم الموقف العربي من مستقبل العراق، منها على سبيل المثال ألا تقبل الدول العربية المجاورة للعراق أي خطوة من شأنها المضي نحو تقسيمه باعتبار التقسيم ضربة في صميم الأمن القومي العربي.

وأن يتم التعامل مع الوضع القائم في العراق على أساس واضح قوامه أن هذا البلد دولة مُحتلة بكافة المعايير القانونية والدبلوماسية والسياسية. ما يستتبع بدوره مراعاة هذا التكييف القانوني عند التعامل سواء مع الدولة العراقية أو مع قوة الاحتلال خصوصا في المحافل الرسمية العربية والدولية.

3- السعي لأن تكون تحركات دول الجوار متكاملة لا متنافسة، بمعنى أن تنبع من الاتفاق المسبق على أن هدف تلك الآلية هو الاقتناع بضرورة التوصل لحل أو تسوية للمشكلة وليس مجرد اللقاء للتشاور أو لاستكشاف مواقف الأطراف الأخرى وحسب.

فمثلا في الحالة العراقية يمكن إحداث نوع من التنسيق والتكامل بين دول الجوار، فتتولى الكويت تمويل مشروعات أو خطط أمنية أو اقتصادية والاستعانة فيها بخبرة تقنية تركية وإيرانية، ومساهمة بشرية سورية وأردنية. وفي السودان تتولى ليبيا التمويل وتقدم مصر العنصر البشري.
ــــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة