إسرائيل وتعاظم الدور الروسي.. رهانات ومحاذير   
الخميس 11/1/1435 هـ - الموافق 14/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 17:18 (مكة المكرمة)، 14:18 (غرينتش)
صالح النعامي



التقاء مصالح
محاذير
إستراتيجية واضحة

تبدي دوائر صنع القرار في إسرائيل اهتماما كبيرا بتعاظم الدور الروسي في المنطقة، والذي وصل ذروته في إبرام اتفاق نزع السلاح الكيميائي السوري.

ويتضح من خلال الجدل الدائر داخل تل أبيب بشأن الدور الروسي في المنطقة، أن هناك تباينا واضحا داخل النخبة الإسرائيلية في تقييم انعكاسات تعاظم هذا الدور على المصالح الإسرائيلية، وإن كان الاتجاه العام في دائرة صنع القرار الصهيوني يرى أنه بالإمكان أن يسهم التحول في مكانة روسيا بالمنطقة في خدمة المصالح الإسرائيلية.

التقاء مصالح
تنطلق النخب الإسرائيلية التي تراهن على تعاظم الدور الروسي من افتراض مفاده أن مواطن التقاء المصالح بين تل أبيب وموسكو أكبر من مواطن الاختلاف، مما يدفعها للرهان على توظيف تعاظم الدور الروسي في خدمة المصالح الإسرائيلية. ويتمثل التقاء المصالح بين الجانبين في التالي:

هناك تباين واضح داخل النخبة الإسرائيلية في تقييم انعكاسات تعاظم الدور الروسي على المصالح الإسرائيلية، وإن كان الاتجاه العام في دائرة صنع القرار الصهيوني يرى أنه بالإمكان أن يسهم التحول في مكانة روسيا بالمنطقة في خدمة المصالح الإسرائيلية

محاصرة الحركات الإسلامية
لا خلاف في تل أبيب على أن أهم مواطن التقاء المصالح مع موسكو يتمثل في الهدف المشترك بإضعاف الحركات الإسلامية في العالم، على اعتبار أنها تشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي لكل من روسيا وإسرائيل.

ويرى زلمان شوفال -السفير الإسرائيلي الأسبق في واشنطن- أن كلا من روسيا وإسرائيل معنيتان بمحاصرة الحركات الإسلامية ومنع وصولها إلى دوائر صنع القرار في العالمين العربي والإسلامي.

وحسب منطق شوفال، فإن الروس يخشون أن يسهم تعاظم قوة الإسلاميين في الشرق الأوسط في تعزيز قوة الجماعات الإسلامية التي تخوض صراعا ضد روسيا في القوقاز، سيما في الشيشان (صحيفة إسرائيل اليوم، 25/8/2013)، في حين أن إسرائيل رأت في صعود الحركات الإسلامية للحكم أحد أخطر تبعات ثورات الربيع العربي.

ويؤكد يوفال شطينتس -وزير الشؤون الاستخبارية الإسرائيلي- أن الرغبة في محاصرة الحركات الإسلامية دفعت كلا من روسيا وإسرائيل إلى توثيق التعاون الإستراتيجي والتنسيق الأمني بينهما بشكل واضح (صحيفة إسرائيل اليوم، 19/9/2013).

وقد أسفرت وحدة الموقف من خطورة صعود الإسلاميين إلى التقاء مصالح بين روسيا وإسرائيل في سوريا، حيث كان من الواضح أن إسرائيل رأت في الحرص الروسي على الحفاظ على نظام بشار الأسد خطوة تخدم المصلحة الإسرائيلية، على اعتبار أن الحركات الإسلامية هي المرشحة لحكم سوريا في حال سقط النظام.

فقد أكد الوزير الإسرائيلي يعكوف بيري أن إسرائيل حسمت أمرها وباتت تفضل بقاء نظام الأسد على كل الخيارات الأخرى (معاريف، 8/9/2013).

نزع الكيميائي السوري
لقد تبين أن إسرائيل لعبت دورا مركزيا في إقناع إدارة الرئيس أوباما بقبول المقترحات الروسية بشأن نزع السلاح الكيميائي، كبديل عن توجيه ضربة أميركية لنظام بشار الأسد، وهي الخطوة التي قادت إلى التوصل للاتفاق الأميركي الروسي بشأن نزع السلاح السوري.

ولا خلاف في إسرائيل على أن هذا الاتفاق قد أسهم بشكل واضح في تحسين البيئة الإستراتيجية للكيان الصهيوني، حيث إن مخزون السلاح الكيميائي السوري ظل يمثل أحد مصادر التهديد الإستراتيجي لإسرائيل، في حال سقط في أيدي الجماعات الجهادية، أو تم نقله إلى خارج حدود سوريا.

ورغم الشكوك التي كانت تساور بعض المستويات الرسمية بشأن جدية كل من روسيا والنظام السوري في تطبيق الاتفاق، إلا إن نتائج تطبيقه فاقت أكثر التوقعات الإسرائيلية تفاؤلا، حيث فاجأ تعاون نظام الأسد مع بعثة الأمم المتحدة التي تقوم بتفكيك وإتلاف مخزون السلاح الكيميائي أكثر الإسرائيليين تشككا.

إن الذي يجعل الكثيرين في إسرائيل ينظرون بتقدير كبير للدور الروسي في التوصل للاتفاق هو حقيقة أن التخلص من الكيميائي السوري قد تم دون أن تبذل إسرائيل أي جهد عسكري، علاوة على أن هذا الاتفاق قد ضمن عدم تغيير موازين القوى بين الفرقاء في الساحة السورية، بشكل يسمح ببقاء النظام السوري، في حين كان من الممكن أن تسهم أية ضربة عسكرية في تغيير موازين القوى لصالح الثوار، وهو ما لا يتفق مع المصالح الإسرائيلية.

ومع كل ما تقدم، فإن نقطة الخلاف الرئيسة بين الروس والإسرائيليين في الشأن السوري تتمثل في عمليات القصف التي تستهدف مخازن السلاح في سوريا، والتي تنسب لإسرائيل، حيث إن روسيا عبرت عن انزعاجها من السلوك الإسرائيلي.

التقنيات المتقدمة والغاز الطبيعي
لقد أدركت إسرائيل الطابع البرغماتي للسياسة الخارجية في عهد الرئيس فلادمير بوتين، وعملت على توظيفه في تحسين العلاقة مع موسكو.

ويلفت تسفي مغين -الباحث في مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي- الأنظار إلى أن بوتين أدرك أن تحسين قدرات روسيا التنافسية على الصعيد الاقتصادي، يتطلب التعاون مع أطراف خارجية في مجال التقنيات المتقدمة (دورية مباط عال، 1/10/2013).

ونظرا للمكانة المرموقة التي تحظى بها إسرائيل في مجال التقنيات المتقدمة، فقد كانت هذه فرصة تل أبيب لعرض خدماتها على الروس، حيث أبدى الروس رغبة كبيرة في التعاون في مجال التقنيات المتقدمة ومجالات البحث العلمي التي تحسن القدرات الإستراتيجية الروسية، وهو الهدف الذي جعل بوتين يقوم بزيارة إسرائيل في يونيو/حزيران 2012.

وفي الوقت ذاته، أسهمت اكتشافات الغاز الإسرائيلية الضخمة في عمق البحر الأبيض المتوسط في منح الإسرائيليين فرصة أخرى لعرض التعاون مع الروس، في مجال بيع الغاز، عن طريق التوافق على سياسة أسعار محددة بشكل لا يؤدي إلى تدهور قيمته، مع العلم أن مبيعات الغاز تمثل أحد أهم مصادر الدخل الروسي حاليا.

ما يثير مخاوف النخبة الإسرائيلية القلقة من انبعاث الدور الروسي هو أن تنجح موسكو في توظيف تراجع مكانة الولايات المتحدة في إقناع بعض حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بتركها وبناء أواصر تحالف مع موسكو، وهذا ما يمس حتما بالبيئة الإستراتيجية لإسرائيل

البرنامج النووي الإيراني
هناك خلاف واضح بين إسرائيل وروسيا بشأن الموقف من البرنامج النووي الإيراني، حيث إن موسكو تعارض الموقف الإسرائيلي المطالب بتشديد العقوبات الاقتصادية على طهران، لاعتبارات عديدة، من بينها العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين روسيا وإيران، علاوة على متطلبات تكريس الحضور الروسي في المنطقة عبر تعزيز العلاقة مع محور إيران سوريا.

ومع كل ما تقدم، فإن بعض دوائر صنع القرار في تل أبيب ترى أن الروس، كما إسرائيل، ليسوا معنيين بحصول إيران على قدرات نووية ذات طابع عسكري، على اعتبار أن هذا التطور قد يحدث تغييرا سلبيا في بيئتهم الإستراتيجية.

وترى بعض النخب الإسرائيلية أنه بإمكان روسيا أن تلعب دورا في دفع القيادة الإيرانية للموافقة على صيغة تضمن عدم تحول طهران إلى قوة نووية، تماما كما نجحت في دفع نظام الأسد للتخلص من سلاحه الكيميائي.

وتشير هذه النخب إلى أن موسكو قد ترى في دورها في التوصل لتسوية بشأن البرنامج النووي الإيراني وصفة لتعزيز مكانتها الدولية، كقوة عالمية تسعى لاستقرار السلم العالمي.

محاذير
وفي مقابل الأصوات التي ترى أنه بالإمكان الحفاظ على المصالح الإسرائيلية في ظل تعاظم الدور الروسي في المنطقة، فإن أصواتا أخرى في تل أبيب ترى أن تعاظم الدور الروسي يمس بمصالح إسرائيل الإستراتيجية على المدى البعيد، لأنه يأتي حتما على حساب مكانة الولايات المتحدة العالمية والإقليمية.

إن أكثر ما يثير مخاوف النخبة الإسرائيلية القلقة من انبعاث الدور الروسي هو أن تنجح موسكو في توظيف تراجع مكانة الولايات المتحدة في إقناع بعض حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بتركها وبناء أواصر تحالف مع موسكو، وهذا ما يمس حتما بالبيئة الإستراتيجية لإسرائيل.

فعلى سبيل المثال، حذرت الباحثة تالي هلبوت في ورقة نشرها "مركز أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي من إمكانية أن يتمكن الروس من استغلال التوتر في العلاقات بين الإدارة الأميركية وسلطة الانقلابيين في مصر في دفع الحكم الجديد في القاهرة لتعزيز علاقته مع موسكو (دورية مباط عل، 15/10/2013).

ويتمثل مصدر الخطورة في هذا السيناريو في حقيقة أن نخب الحكم في مصر سعت لتحقيق شراكة إستراتيجية مع إسرائيل، لأنها اعتقدت أن الحفاظ على هذه الشراكة تضمن تواصل الدعم المالي الذي تقدمه الولايات المتحدة، تحديدا للجيش المصري. وهناك في إسرائيل من يرى أنه إذا كان الطابع البرغماتي للسياسة الخارجية الروسية هو الذي أغرى نخبا إسرائيلية بالرهان على تعاظم الدور الروسي في المنطقة، فإن هذا الطابع تحديدا يشعل مخاوف نخب أخرى.

إن أحد الأمثلة التي تسوقها هذه النخب لتبرير مخاوفها من مستقبل التعاطي الروسي مع المصالح الإسرائيلية، هو تشديد بوتين مؤخرا على ضرورة أن يتم طرح القدرات النووية الإسرائيلية للنقاش العالمي عند طرح القدرات غير التقليدية للدول الأخرى في المنطقة، ولا سيما إيران.

واعتبر الباحث الإسرائيلي أيزي ليبر أن ملاحظات بوتين خطيرة جدا على اعتبار أنها قد تسهم في تسليط الأضواء على البرنامج النووي الإسرائيلي، بشكل قد يؤدي إلى حدوث تراخ في تصميم المجتمع الدولي على حرمان إيران من الحصول على قدرات نووية، مع كل ما قد يترتب عن ذلك من تشجيع على سباق تسلح غير تقليدي في المنطقة يهدد التفوق النوعي الإسرائيلي.

إستراتيجية واضحة
يمكن القول إن القيادة الإسرائيلية تتبع إستراتيجية واضحة في مسعاها للتأثير على الدور الروسي، من خلال ثلاثة تحركات رئيسة:

الحرص على تحقيق توافق مع الروس، لا يعني تردد الإسرائيليين في القيام بخطوات تتعارض مع توجهات موسكو، إذا اقتضت ذلك المصالح الإستراتيجية لإسرائيل كما يراها صناع القرار في تل أبيب

1- تكثيف الاتصالات مع القيادة الروسية، وهو ما وجد تعبيره في زيارات كبار المسؤولين الإسرائيليين لموسكو، وضمنهم نتنياهو، والرئيس بيريز وقادة "مجلس الأمن القومي" الإسرائيلي. وتهدف هذه الزيارات إلى شرح الموقف الإسرائيلي، ولا سيما عندما يأتي متعارضا مع التوجهات الروسية.

2- التعاون في المجالين الأمني والاستخباري مع الروس في الحرب ضد الحركات الإسلامية.

3- توظيف الورقة الاقتصادية في إقناع الروس بعدم اتخاذ سياسات تضر بالمصالح الإسرائيلية، ولا سيما عبر توظيف التقنيات المتقدمة، وبحث سبل التعاون في مجال تسويق الغاز الطبيعي.

4- إن الحرص على تحقيق توافق مع الروس، لا يعني تردد الإسرائيليين في القيام بخطوات تتعارض مع توجهات موسكو، إذا اقتضت ذلك المصالح الإستراتيجية لإسرائيل كما يراها صناع القرار في تل أبيب.

فرغم التنديد الروسي، تواصل إسرائيل استهداف مخازن السلاح في سوريا، حتى بعد أن تم نفيذ اتفاق نزع السلاح الكيميائي، وفي الوقت ذاته تخوض تل أبيب مواجهة دبلوماسية ضد الدول التي تعارض تشديد العقوبات على إيران، وضمنها روسيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة