مصادمات النجف وخلفيات التجاذب الإيراني الأميركي   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ ياسر الزعاترة

لم تكن المصادمات الأخيرة بين جيش المهدي التابع للسيد مقتدى الصدر وقوات الاحتلال الأميركي مفاجئة إلى حد كبير، فقد عودنا الرجل على مثل هذه المفاجئات منذ اليوم الأول للاحتلال، وانجلى المشهد العراقي عن حضور كبير لهذا الشاب لم يتوقعه الكثيرون ممن كانوا يركزون على قوة تقليدية قادمة من الخارج أو لها بقايا تأييد في الداخل مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة.


الهجمة الأميركية على جيش المهدي ألحقت الكثير من الخسائر، فمواجهة جيش لجيش لا يمكن إلا أن تكون لصالح الأميركان رغم الانتصار المعنوي الذي يتحقق في ظل بسالة المدافعين عن مناطقهم
في النصف الأول من يونيو/ حزيران الماضي فاجأ السيد مقتدى الصدر الساحة السياسية العراقية بإعلان وقف الأعمال المسلحة التي خاضها أنصاره لشهرين متواليين، بل واستعداده لوضع جيش المهدي تحت تصرف حكومة رئيس الوزراء العراقي إياد علاوي الجديدة التي أعلنت تسلمها لملف الأمن كاملا عشية موجة التفجيرات التي أعقبت تشكيلها. وقد أضاف الصدر إلى ذلك قناعته بأن إعادة الأمن في هذه المرحلة أهم من طرد القوات الأميركية.

لكن قراءة دقيقة لتحولات تلك المرحلة في سلوك التيار الصدري جعلت ما جرى أقل إثارة للدهشة، من زاوية كونه نتاجا طبيعيا لمسار تواصل طوال الفترة التي أعقبت بدء مصادماته مع القوات الأميركية خلال أبريل/ نيسان ومايو/ أيار اللذين سبقا تعيين حكومة علاوي.

طوال تلك المرحلة ومنذ اندلاع المواجهات الأولى بين جيش المهدي وحتى الموقف المشار إليه وقع الصدر وتياره تحت وطأة ضغوط كبيرة ما بات يعرف بالبيت الشيعي، الذي يتشكل عمليا من مجموعة من القوى السياسية والدينية والرموز والمراجع.

وإذا كانت المواجهة الواضحة داخل الإطار الشيعي قد برزت بين تيار المجلس الأعلى وتيار الصدر كما تبدى في النجف، فإن الثابت هو أن معظم أركان البيت الشيعي قد انحازوا في الموقف العملي لصالح الطرف الثاني.

حدث ذلك في ظل وجود ما يشبه الإجماع على مقاربة سياسية تقول إن الشيعة لا زالوا يحصلون على مكاسب جيدة من خلال المسار السلمي عنوانها تأكيد حقهم في أكثر من نصف الكعكة السياسية في البلاد، حدث ذلك في صيغة مجلس الحكم ثم الحكومة التابعة له، ثم جاءت حكومة علاوي لتكرس المحاصصة الطائفية بذات النسبة، وهو ما يتوقع أن يحدث أيضا، وإن بنسبة أقل (40%) في المؤتمر الوطني الذي سيعقد بعد أيام، ومن ثم الجمعية الوطنية التي ستكون بمثابة برلمان، مع ضرورة الإشارة هنا بأنها غالبية لا صلة لها بالأسماء والتوجهات الممثلة للطائفة تبعا لمنطق الفرز الذي يجعل من الشيعي شيعيا حتى لو كان شيوعيا، الأمر الذي ينطبق على السني أيضا.

في مواجهة تلك القناعة شبه الجماعية للشيعة التي كانت تحظى بدعم واضح من قبل إيران التي شكلت ولا زالت تشكل المرجعية الأهم للشيعة في العالم، كان موقف السيد مقتدى يضعف بشكل يومي أمام سيل الوسطاء الذي لا ينقطع ولا يرى بديلا عن استمرار الشيعة في منطق التعويل على اللعبة السياسية ريثما يتضح لهم أنها لم تعد تمنحهم ما يريدون، وعندها لكل حادث حديث.

والحال أن الروح المذهبية القوية التي تحكم مقتدى الصدر كانت ولا تزال عنصر ضعفه في مواجهة نوايا التحول إلى زعيم وطني وعربي وإسلامي كما هو حال السيد نصر الله في لبنان.

ولا شك أن هذه الروح المذهبية هي التي دفعته إلى التراجع أمام خيارات وتوجهات ومقاربات تتوسل جميعا مصلحة الطائفة أكثر من أي شيء آخر، حتى وهي تخفي في بعض الأحيان نوايا حزبية وفئوية، كما هو حال موقف المجلس الأعلى الذي أحس أن تيار الصدر قد أخرجه عمليا من دائرة الجماهير الشعبية، سيما قطاع الشباب، وهو الذي كان يعتقد أنه سيد الموقف في الساحة الشيعية بسبب نضاله الطويل ضد نظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين.


ساء إيران تجاهل علاوي لها والاتهامات ضدها فصعدت خطابها المناوئ للحكومة العراقية معلنة أنها لن تتعامل إلا مع حكومة منتخبة معرضة بذلك بتبعية حكومة علاوي للاحتلال
لم يكن ذلك هو عنصر الضغط الوحيد على تيار الصدر، فقد جاءت الهجمة الأميركية على جيش المهدي لتلحق به الكثير من الخسائر، في حين يعرف الجميع أن مواجهة جيش لجيش لا يمكن إلا أن تكون لصالح الأميركان رغم الانتصار المعنوي الذي يتحقق في ظل بسالة الرجال المدافعين عن مناطقهم.

ولا شك أن سيطرة الأميركان وأذنابهم على كل مكان وعدم وجود ملاذ آمن يجعل من مقاومة تيار له رموزه السياسية المعروفة أمرا صعبا، تبعا لسهولة قتلهم أو اعتقالهم. ولعل ذلك هو الدافع خلف عدم إبراز مقاومة المثلث السني لأي شخصيات تتحدث باسمها مباشرة.

بالمقابل يمكن القول إن تيار الصدر كان يكسب الكثير من خلال مقاومته المسلحة، ففي الداخل كان يكسب المزيد من الأنصار في صفوف الشباب وحتى الناس العاديين، وفي الشارع العربي والإسلامي كان الرجل يتحول إلى رمز كبير، فيما بدأ الشيعة خارج العراق يمدونه بالكثير تبعا لإخراجه لهم من عقدة تعاون أبناء مذهبهم مع الاحتلال.

الآن يعود الصدر إلى ساحة المقاومة من جديد بعد كمون دام أسابيع، ومرة أخرى من النجف التي أخرجه منها "البيت الشيعي"، فلماذا كانت العودة الجديدة؟

من الضروري القول هنا إن الصدر الذي غاب طوال الأسابيع الأخيرة عن ساحة المقاومة المسلحة بتنازلات أميركية واضحة تمثلت في وقف ملاحقته واستمرار وجود جيش المهدي وعدم حله، لم يغب بالمقابل عن ساحة الفعل السياسي من خلال استمرار خطابه القوي في مواجهة الموقف العام، سيما من خلال رفضه الدخول في لعبة المؤتمر الوطني الذي كان ينبغي أن يعقد مطلع هذا الشهر ثم جرى تأجيله إلى الخامس عشر منه، وهو الرفض الذي شكل صفعة لحكومة علاوي بتزامنه مع رفض مشابه من قبل هيئة علماء المسلمين وقوى شيعية وسنية كردية تنضوي تحت لواء ما يعرف بالمؤتمر التأسيسي العراقي لمقاومة الاحتلال الأميركي للعراق.

في قراءة العودة الجديدة لتيار الصدر يمكن القول إنها ذات صلة بالمناكفة الأميركية مع إيران، حيث أرادت هذه الأخيرة الرد على الموقف الأميركي من الملف النووي الإيراني، ومعه موقف حكومة علاوي من إيران الذي عبر عنه وزير دفاعها حازم الشعلان، وذلك من خلال الضغط على واشنطن في خاصرتها الضعيفة في العراق. ولعل ذلك هو ما يفسر حديث بعض أركان البيت الشيعي المباشر عن الدور الإيراني فيما جرى، كما ورد على لسان محافظ النجف.


سيظل مقتدى الصدر الرجل الذي يضفي نكهة خاصة على الصراع الدائر في العراق بما يزيد في توتر الأداء الأميركي ومن ثم تعميق أزمته في العراق
في ضوء ذلك يمكن القول إن إيران قد أرادت التأكيد من جديد على حضورها الأهم في الساحة العراقية، متحدية بذلك كل شكاوى المسؤولين العراقيين الذي رفعوا أصواتهم بالحديث عن دورها اللافت، سيما بعد مصادمات النجف. وفيما كان علاوي يتجول في العواصم العربية طالبا الدعم والتأييد وهو ما حصل عليه بالفعل، فقد تجنب إيران، وهو ما فسره لاحقا بعدم وجود دعوة له من قبل طهران.

لكن طهران التي ساءها موقف علاوي لم تقف مكتوفة الأيدي أمام موجة الاتهامات فكان أن صعدت خطابها المناوئ للحكومة العراقية، معلنة أنها لن تتعامل إلا مع حكومة منتخبة، معرضة بذلك بتبعية حكومة علاوي للاحتلال.

لا يعني ذلك أن مصادمات النجف قد تستمر طويلا، وإذا كان أعضاء البيت الشيعي يدركون دور طهران فيما جرى، فإن التفاهم معها على عدم كسر إجماعهم بشأن المسار السلمي لا يبدو عسيرا، لكن المستقبل سيبقى رهنا بالتجاذبات المحلية بين تيار الصدر والقوى الفاعلة في البيت الشيعي، كما سيبقى رهنا بتحولات الصراع الإيراني الأميركي.

من هنا يمكن القول إن مقتدى الصدر سيظل رقما مهما في الساحة العراقية، حتى لو عاد إلى التهدئة من جديد تبعا للمساومات الأميركية الإيرانية من جهة، وتبعا لضغوط "البيت الشيعي" الجديدة عليه من جهة أخرى، ما يعني أنه سيظل الرجل الذي يضفي نكهة خاصة على الصراع الدائر في العراق بما يزيد في توتر الأداء الأميركي ومن ثم تعميق أزمته في العراق.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة