المسلمون بالنرويج.. تحديات محلية في إطار حقيقة دولية   
الأحد 1425/11/14 هـ - الموافق 26/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 14:31 (مكة المكرمة)، 11:31 (غرينتش)

لينا لارسن

 

- اهتمامات وآمال الأغلبية الصامتة

- من الترحيب إلى المطالبة بالاندماج

- متطلبات الاندماج تتحول إلى تعصب ديني

- على المستوى الدولي

- الذنب الجماعي للمسلمين

 

لقد أصبح المسلمون محط اهتمام العالم أجمع, فلا يكاد يمر يوم إلا وتنشر فيه وسائل الإعلام المختلفة أخبارا لها علاقة ما بالمسلمين, ورغم أن المسلمين في النرويج لا يأخذون الصدارة في تلك الأخبار فإنني كنرويجية مسلمة ورئيسة سابقة للمجلس النرويجي الإسلامي, إضافة إلى أنني أحضر بحثا لنيل الدكتوراه في موضوع بزوغ فقه أوروبي خاص بالمرأة وأدير مشروع "تحالف أوسلو من أجل حرية الدين والاعتقاد"، ارتأيت أن أقدم في المقال التالي بعض التأملات إزاء المسلمين هناك من زاوية لا يطرقها الإعلام عادة.

 

اهتمامات وآمال الأغلبية الصامتة

يعيش في النرويج 100 ألف مسلم يمثلون 1% من سكان هذا البلد وينصب اهتمامهم أساسا على بناء المساجد والعناية بالاحتياجات المتعلقة بالممارسات الإسلامية مما أدى إلى زيادة في عدد المساجد وتحسن في نوعية مبانيها مما يبعث على الأمل.

 

فالمسجد الذي أنتمي إلى جماعته المعروفة بالرابطة الإسلامية في النرويج -وهي جماعة دينية مستقلة في أوسلو- هو عبارة عن بناية مساحتها نحو 3000 متر مربع تم شراؤها في يونيو/حزيران من هذا العام 2004.

 

ولا تخفي جماعة هذا المسجد أملها في مستقبل واعد، ولكن لماذا هذا الأمل؟

 

"
النساء هن محط أنظار المسلمين وغير المسلمين على حد سواء حيث يعتبرهن المسلمون رمز المجتمع الإسلامي والحد الفاصل بينه وبين الفجور الغربي في حين يرى غير المسلمين أنهن ضحايا ظلم الرجال المسلمين ويجب تخليصهن من هؤلاء الرجال
"
أصبح لدى المسلمين, رجالا ونساء وأطفالا, مكان محترم يؤدون فيه صلواتهم ويمارسون فيه نشاطاتهم الأخرى, ولم يعودوا يحسون بالخجل بسبب مكان عبادتهم كما لم يعودوا ملزمين بالاعتذار للضيوف بسبب نوعية المكان أو ما يحيط به إضافة إلى تمكن أطفالهم وشبابهم من ممارسة نشاطات تتعدى التعاليم الإسلامية البحتة.

 

لكن هذه الآمال تخفي بعض القلق العائد أساسا إلى حالة المسلمين كأقلية في النرويج حيث يواجه الرجال والنساء والأطفال المسلمون في النرويج تحديات من أنواع مختلفة.

 

فالرجال وهم يؤدون أدوارهم كآباء وأزواج قائمين على أسرهم في سياق اجتماعي جديد غالبا ما تنظر إليهم الأغلبية غير المسلمة على أنهم يضطهدون النساء.

 

أما النساء فإنهن يواجهن تحديات من نوع آخر فهن محط أنظار المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، حيث يعتبرهن المسلمون رمز المجتمع الإسلامي والحد الفاصل بينه وبين "الفجور الغربي" مما يعني متابعة تصرفاتهن بصورة دقيقة, في حين يرى غير المسلمين أنهن ضعيفات ويعتبرونهن ضحايا ظلم الرجال المسلمين ولذلك يجب "تخليصهن" من هؤلاء الرجال.

 

ويلاحظ إدراك ووعي لسلطة المجتمع عند الآباء حيث يرجعون التطورات غير المرغوب فيها في أخلاق الأطفال إلى تضاؤل سلطة التربية الأسرية لصالح سلطة المجتمع.

 

وسبب أغلب هذه التداعيات هو سياسات الهوية التي لم تأخذ في الاعتبار البيئة الاجتماعية الجديدة حيث انصب التركيز في الهوية على مواضيع لا تتناغم مع ما هو موجود في البلد الأصلي للشخص, إذ اعتبر الجيل الأول من المسلمين الإسلام طريقة تقليدية للحياة مع التركيز على الأطعمة والألبسة التقليدية واللغة الأم.

 

أما الجيل الجديد فاعتبر هذا التعريف للإسلام فولكلوريا مما حدا بأعضائه إلى البحث عن محتوى ما يمكن أن يسمى إسلاما "ملائما" للبيئة النرويجية.

 

لكن الصراع الحقيقي لا يتمثل في الأكل واللباس, إذ إن المعركة هي حول الحق في اختيار رفيق أو رفيقة الحياة المستقبلية دون ضغط الأسرة وكذلك الحق في التعلم والعمل خاصة بالنسبة للفتيات المسلمات إضافة إلى وضع حد لختان البنات فضلا عن الحق في اختيار لبس الحجاب أو خلعه.

 

ويدور الآن نقاش داخل المجتمع الإسلامي خاصة على المستوى الفقهي حيث يطرح السؤال التالي: كيف يمكننا أن نفسر القرآن ونؤوله في هذا المجتمع؟ كما أن أسئلة كثيرة تطرح الآن حول قضايا لها علاقة بالنساء وكيفية تأويل النصوص الشرعية الخاصة بهن مما نتج عنه بزوغ تفسيرات للمصادر الإسلامية من منظور جنسي, إذ إن النزعة الآن هي في كون النساء المسلمات أصبحن أكثر فأكثر مفتيات أنفسهن.

 

وهناك مظاهر عدة لنقاش واهتمامات المسلمين غير أن بعض هذه المظاهر يتناقض مع البعض الآخر والعامل المشترك بينها كلها هو التوق إلى مستقبل واعد وآمن مؤسس على حلول للمشاكل اليومية.

 

لكن المسلمين كأقلية لا يمتلكون اليد العليا في تحديد ظروف حياتهم بل إن الحقيقة السياسية على المستوى الوطني والدولي هي التي غالبا ما تحدد ذلك.

 

"
إضافة مادة الدين المسيحي الإجبارية في مناهج التعليم مثال على سعي السلطات النروجية إلى جعل المسيحية هوية إستراتيجية للأغلبية في وجه المجتمع النرويجي الجديد المتعدد الثقافات والأديان
"
من الترحيب إلى المطالبة بالاندماج

لقد كان العمال المسلمون الذين وصلوا النرويج في السبعينيات من القرن الماضي محل ترحاب كبير لكن تغييرا في المناخ أدى إلى أن يصبح مفهوم الاندماج موضوعا مركزيا في السياسات النروجية, فأضيف الدين المسيحي كمادة في البرامج المدرسية سنة 1995.

 

والهدف من تلك المادة التي لا يمكن أن يعفى الطالب أيا كان منها كليا هو الاندماج الاجتماعي المبني على المسيحية كميراث ثقافي نرويجي.

 

وتعتبر إضافة هذه المادة مثالا على سعي السلطات النروجية إلى جعل المسيحية هوية إستراتيجية للأغلبية المسيحية في وجه المجتمع النرويجي الجديد المتعدد الثقافات والأديان.

 

غير أن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أوضحت في نوفمبر/تشرين الثاني أن الإعفاء الجزئي فقط من هذه المادة مناف لمبادئ حقوق الإنسان، وقد احتفت الأقليات بذلك رغم أن النتيجة لم تحصل إلا بعد سبع سنوات من الصراع.

 

والجدير بالذكر أن موضوع التحدي لهذه المادة الدراسية قد أدى إلى إنشاء تحالف بين جماعات دينية وأخرى متمسكة بأنماط حياة خاصة فيما أصبح يعرف بالمجلس الاتحادي للجماعات الدينية وجماعات أنماط الحياة الخاصة.

 

ويعتبر هذا المجلس الآن أهم هيئة سياسية دينية في النرويج وقد انضم المجلس الإسلامي النرويجي لهذه الهيئة منذ تأسيسها كما انضمت إليها الكنيسة النرويجية.

 

ويسود هذه الهيئة مناخ فريد من التعاون بين مكوناتها مما قد يكون سببا لتعايش سلمي يقوم في وجه القوى المناهضة للإسلام داخل المجتمع النرويجي.

 

"
هيئة "كامبيس ووتش"  تنظر إلى المصالح الأميركية بوصفها مطابقة للسياسات الإسرائيلية الحالية كما تصف أي مثقف أو خبير يعبر عن أفكار غير ودية تجاه إسرائيل بأنه إسلامي ليتم ربطه لاحقا بالإرهاب
"
متطلبات الاندماج تتحول لتعصب ديني

ظل الجناح اليميني لحزب التنمية النرويجي متمسكا بشدة برأيه المناهض للهجرة مما دفعه للمطالبة الشديدة بالدمج الكلي للمهاجرين في المجتمع النرويجي.

 

وتدرجت مطالبه منذ أواسط التسعينيات من مطالبة المسلمين بالتقيد بالقوانين النرويجية إلى مطالبتهم بتبني "الثقافة النرويجية" على حساب "ثقافتهم الأصلية" بل إلى مطالبتهم بالدعوة إلى المسيحية كشرط مسبق ليصبح المهاجر "نرويجيا حقا".

 

وتعتبر مشاركة زعيم هذا الحزب كارل هاغن في قداس للطائفة الإنجيلية المسيحية في صيف 2004 منعطفا صوب التعصب الديني كإستراتيجية للحصول على أصوات المتدينين من هذه الطائفة.

 

وقد هاجم هاغن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم موحيا بأن المسلمين يسعون إلى السيطرة على العالم ولو بالقوة.

 

وليس هذا النوع من التهم جديدا في إطار الصراع المسيحي الإسلامي, لكن ما يدعو للقلق هو أن هاغن يبدو كأنه قد استخرج برهانه من كتاب مارك غابرييل "الإسلام والإرهاب" الذي يحث على قتال المسلمين معتبرا المسيحية دين المحبة بينما الإسلام دين الكراهية.

 

وحسب الدكتور أودبورن ليرفيك من كلية اللاهوت بجامعة أوسلو فإن هذا الكتاب يعتبر تأويلا مسيحيا متعصبا اتخذ من "متآمر مسيحي متعصب الشاهد العدل الرئيسي عن الإسلام"، وكان هذا الكتاب وزع على أعضاء البرلمان النرويجي كما كان الأكثر بيعا في مناطق عدة من النرويج.

 

على المستوى الدولي

ويعد كتاب غابرييل عن الإسلام مثالا على الكتب الأميركية التي استطاعت أن تؤثر على الحياة في النرويج.

 

أما بالنسبة لي شخصيا فإن ما يهمني أكثر في المنشورات الأميركية حول الشرق الأوسط هو ما ينشره منتدى الشرق الأوسط الذي يتحذ من أميركا مقرا له ويقوم على تحديد مصلحة أميركا في الشرق الأوسط والسهر عليها.

 

ويقف هذا المنتدى وراء إنشاء "كامبس ووتش" الذي "يراجع ويحلل بطريقة نقدية الدراسات الشرق أوسطية في أميركا الشمالية بهدف تطويرها".

 

وتتبع هيئة "كامبيس ووتش" منهجية يبدو أنها تنظر إلى المصالح الأميركية بوصفها مطابقة ومماثلة للسياسات الإسرائيلية الحالية, كما تصف أي مثقف أو خبير يعبر عن أفكار تعتبر غير ودية بما فيه الكفاية تجاه إسرائيل، بأنه "إسلامي" وهي عبارة قد يتم ربطها لاحقا بالإرهاب.

 

وتقوم هذه الهيئة تحت شعار "الإسلام المسلح هو المشكلة والإسلام المعتدل هو الحل" بحث الطلاب على تزويدها بتقارير عن المنح والمحاضرات والندوات والفعاليات وكل النشاطات الأخرى التي قد تهم "كامبيس ووتش".

 

وفي هذا الإطار وضعت هذه الهيئة بعض الاختصاصيين المرموقين على اللائحة السوداء من أمثال جون أسبوزيتو الذي يعتبرونه "متعاطفا أكثر من اللازم" مع المسلمين وطارق رمضان بسبب علاقاته الأسرية وخالد أبو الفضل الذي يعرف بكونه عالما ليبراليا يصفونه بأنه "إسلامي".

 

وتحاول "كامبيس ووتش" أن تجعل الناس ينظرون إليها باعتبارها "الهيئة الوحيدة التي تكشف الحقيقة الكاملة", وأنا متأكدة أن القوى المناهضة للإسلام والمسلمين توجد كذلك في النرويج لكن هل سيصل ذلك إلى حد المطاردات الأكاديمية والمطاردات في أماكن العمل بحيث نرى نفس السيناريو الأميركي في النرويج مستقبلا؟

 

"
نشاهد تنامي تيار قوي في الغرب مناهض للإسلام والمسلمين كما أن هناك علاقة قوية بين الإنجيليين المسيحيين والأعمال العنصرية ضد الإسلام والمسلمين كما هي الحال بين مؤيدي إسرائيل بكل أطيافهم
"
الذنب الجماعي للمسلمين

إن أهم رسالة تحاول هيئة "كامبيس ووتش" أن تروج لها هي أن المسلمين ليسوا أهلا للثقة, لكن غياب الثقة في المسلمين يخشى أن يكون أصبح ظاهرة تنتشر شيئا فشيئا.

 

فمثلا عندما قتل الممثل الهولندي فان جوخ في هولندا كان على المسلمين في كل مكان أن ينأوا بأنفسهم عن تلك الجريمة, وفي هذا الإطار تعرض المتحدث باسم المجلس الإسلامي في النرويج لانتقادات حادة في برنامج تلفزيوني شعبي على القناة النرويجية الثانية كان الهدف منه مناقشة الإشكالية التالية "هل يمثل المسلمون خطرا على القيم الغربية؟"  لا لشيء إلا لأنه حسب رأيهم لم يستخدم العبارات الملائمة عندما ندد بتلك الجريمة ونأى بنفسه عنها.

 

إننا نشاهد تنامي تيار قوي في الغرب مناهض للإسلام والمسلمين, كما أن الأمثلة القليلة التي عرضناها تظهر أن هناك علاقة قوية بين الإنجيليين المسيحيين والأعمال العنصرية ضد الإسلام والمسلمين وبين مؤيدي إسرائيل بكل أطيافهم.

 

ويتمثل الخطر في أن أغلبية المسلمين في الغرب تعيش اضطرابا نفسيا سيجعلها تفقد الأمل في تأمين مستقبل واعد قائم على الاهتمامات الإنسانية العامة بدلا من "الحكم الإسلامي الشامل".

 

والوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها تأمين تطور إيجابي يترك المجال لحوار إسلامي داخلي ويدعو لإصلاحات هي تقبل بشرية المسلمين، وهذا بالطبع يمثل تحديا لبعض القوى العظمى في الغرب.
_____________________
كاتبة نرويجية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة