هل ترث أوروبا الولايات المتحدة؟   
الأحد 1426/10/26 هـ - الموافق 27/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 10:29 (مكة المكرمة)، 7:29 (غرينتش)


إبراهيم غرايبة

- هل انتهى الحلم الأميركي؟
- أوروبا والولايات المتحدة هل يتباعدان؟
- الاتحاد الأوروبي هل يقدم بديلا عالميا؟
- أوروبا والتحدي الإسلامي

وصف وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد أوروبا عشية الحرب على العراق قبل حوالي ثلاث سنوات، بأنها عجوز، ولكن العجوز أوروبا تبدو اليوم بعد ثلاث سنوات تستعيد قوتها وفتوتها، بينما تبدو الولايات المتحدة في حالة إعياء وشيخوخة وربما خرف.

فأوروبا تسير الآن بهدوء وتؤدة بخطوات دقيقة ومحسوبة كما يحلل المفكر الأميركي جيرمي ريفكين في كتابه "الحلم الأوروبي: كيف تؤدي رؤية أوروبا للمستقبل إلى حجب الحلم الأميركي" تسير في رحلة تجسد حلمها الخاص الذي سيجعل الحلم الأميركي خلال عقود قليلة شيئاً من الماضي.

وفي الوقت الذي تتبدد فيه فكرة الحلم الأميركي فإن هناك رؤية أوروبية شاملة للمستقبل في طريقها لتحل محله، وأهم من ذلك كله في رأي ريفكين أن الحلم الأوروبي يقدم أنموذجاً سياسياً للمستقبل، وهو ما جعله يتفوق على نظيره الأميركي، وجعل إيمان الكثيرين بالحلم الأميركي يتلاشى بعد أن كان حلم العالم أجمع لمدة مائتي عام.

"
ثلث الأميركيين لم يعودوا يؤمنون بالحلم الأميركي، وهم يشعرون بأنهم يتعرضون لضغوط ناجمة عن ساعات العمل الطويلة، والمرتبات والأجور المنخفضة
"
هل انتهى الحلم الأميركي؟
أظهرت استطلاعات للرأي أن ثلث الأميركيين لم يعودوا يؤمنون بالحلم الأميركي، وهم يشعرون بأنهم يتعرضون لضغوط ناجمة عن ساعات العمل الطويلة، والمرتبات والأجور المنخفضة.

وفي الوقت الذي يزيد فيه الناتج المحلي الإجمالي الأميركي تتراجع مستويات المعيشة وكفاءة الخدمات المقدمة للشعب، ويستدل على ذلك من الأرقام التي تتحدث عن زيادة معدلات الفقر والجريمة في أميركا إلى جانب تزايد معدلات البدانة المرضية في أوساط الأميركيين.

وتشير دراسات حديثة إلى أن الاتحاد الأوروبي يتقدم الولايات المتحدة في عدد الخريجين من معاهد وكليات العلوم والهندسة وحجم الإنفاق على الأبحاث العامة والتنمية وعدد الشركات الجديدة.

وتنفق الولايات المتحدة أموالاً أكثر بكثير مما ينفقه الاتحاد الأوروبي على مكافحة الجريمة، ففي عام 1999 ذهب أكثر من 147 مليار دولار إلى مخصصات حماية الشركات وإدارة المحاكم وصيانة السجون، وهو مبلغ يمثل 1.58% من إجمالي الناتج المحلي الأميركي في ذلك العام.

ويتفوق الأوروبيون في مستويات المعيشة، ففي التعليم يتفوق التلاميذ في 12 دولة أوروبية على التلاميذ الأميركيين في الرياضيات، وفي 8 دول أوروبية يتفوقون على التلاميذ الأميركيين في العلوم، كما يدخل عدد من التلاميذ البالغين في تسع دول أوروبية معاهد للتعليم العالي بمعدل أكبر من عدد نظرائهم الأميركيين.

وفي الاتحاد الأوروبي يوجد نحو 322 طبيباً لكل مائة ألف نسمة، مقابل 279 طبيباً في الولايات المتحدة.

وتأتي الولايات المتحدة في المرتبة 26 بين الدول الصناعية في معدل الوفيات بين المواليد الجدد، ويتفوق متوسط الأعمار في 15 دولة أوروبية على الولايات المتحدة، وتحتل الولايات المتحدة المرتبة 54 -وهو المركز الأخير- بين الدول الصناعية الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مجال الرعاية الصحية، والولايات المتحدة وجنوب أفريقيا هما الدولتان الوحيدتان في العالم المتقدم اللتان لا تقدمان العناية الصحية لجميع شرائح المواطنين.

والفقر بين الأطفال في الولايات المتحدة يُعد من أعلى المعدلات في الدول المتقدمة، حيث يشمل 22% من الأطفال الأميركيين.

والشوارع الأميركية تعد أخطر الشوارع التي يمكن السير فيها، فخلال الفترة الواقعة بين 1997 و1999 بلغ متوسط حالات القتل في الولايات المتحدة أربعة أضعاف أوروبا، ويوجد وراء قضبان السجون الأميركية ما يزيد على مليوني شخص أي ما يمثل نحو 25% من جميع المساجين في العالم.

ويضيف التقرير الذي أعده ضياء زمان، في برنامج العلم والأمن العالمي بجامعة برنستون الأميركية ونشرته مجلة المستقبل العربي يضيف شواهد وأدلة على جدية التحديات والإعياء الذي تواجهه الولايات المتحدة وقواتها المسلحة، ليس فقط على مستوى الخسائر في العراق وأفغانستان، ولكن أيضا على مستوى التجاوب الأميركي مع نداء التجنيد والتعبئة التي تقوم بها القوات المسلحة الأميركية لسد احتياجاتها من المجندين.

وتصف الصحف الأميركية الجيش الأميركي بأنه يواجه واحدا من أكبر تحديات التجنيد في تاريخه، ويقول الأستاذ بكلية وست بوينت العسكرية الجنرال باري ماكافري إن القوات الأميركية بدأت تتفكك، ويعاني الجيش الأميركي من نقص شديد في الرجال وفي الموارد إلى حد لا يتمكن معه من مواصلة سياساته، بل ويهدد السياسة الخارجية الأميركية للسنوات العشرين القادمة.

وتبين دراسة لمؤسسة رند -وهي بيت الخبرة والأفكار العسكرية للولايات المتحدة الأميركية- أن نقص القوات في الجيش الأميركي من الفداحة إلى حد يدفع إلى التساؤل عن مدى قدرة البنتاغون على خوض حربين إقليميتين رئيسيتين في وقت واحد.

وكان الأميركيون الأفارقة (12% من السكان) يشكلون حتى عام 2000 حوالي 25% من أفراد القوات المسلحة الأميركية وهم اليوم يشكلون 17% فقط، ويقول رئيس أركان الجيش الأميركي الجنرال بيتر شوميكر في مداخلة أمام مجلس الشيوخ الأميركي "إن الجيش الأميركي بحاجة إلى ثمانين ألف جندي جديد، وإننا نواجه مشكلة كبرى في الحصول على هذا العدد من المجندين".

وتبلغ نسبة غير الأميركيين في القوات العسكرية الأميركية 7% (حوالي 30 ألف جندي ينتمون إلى مائة بلد)، ورغم المزايا والمغريات التي قدمت لغير الأميركيين للانضمام إلى القوات المسلحة فإن أعدادهم في هبوط مستمر وسريع، حيث انخفض إقبالهم بنسبة 20% منذ عام 2001 وما زال العزوف عن المشاركة في الجيش يزداد.

ويواجه سلاح تدريب الضباط الذي يجهز للخدمة 60% من الضباط الجدد للجيش أزمة مماثلة، فلديه الآن أقل عدد من المشاركين منذ عشر سنوات، وقد هبط الإقبال في السنتين الماضيتين بنسبة 16%، ويلاحظ لويس لابهام في مجلة هاربرز أن نسبة عدد المشاركين في القوات المسلحة من خريجي جامعة برنستون عام 1956 كانت النصف، ولكن عدد المشاركين من خريجي عام 2004 كان تسعة طلاب من بين 1100 طالب.

وأظهرت دراسة لاستطلاع الرأي أجرتها مؤسسة غالوب في يونيو/حزيران 2005 أن تأييد الآباء لمشاركة أبنائهم في القوات المسلحة انخفض من 67% إلى 50% أثناء السنوات الخمس الماضية.

ولا تقف الأزمة عند انخفاض نسبة المشاركة والتجنيد، ولكن في الاحتفاظ بالمجندين، ذلك أن حوالي30% من المجندين سيتركون الخدمة في الشهور الست القادمة، وهناك أيضا مشكلة الهروب من الجيش.

وقد اعترف البنتاغون بأن أكثر من 5500 جندي فروا من الخدمة منذ بداية الحرب على العراق، وللمقارنة فإن 1500 جندي قد فروا من الجيش عام 1995، ونقل عن خط هاتفي مخصص لمساعدة الجنود الذين يريدون ترك القوات المسلحة أن عدد المكالمات التي يتلقاها هي الآن ضعف ما كانت عليه قبل الحرب.

"
أوروبا تعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية مستبدة، وتخوض حروباً لا حاجة إليها، في حين تعتقد الولايات المتحدة الأميركية أن أوروبا متعبة وغير جدية وضعيفة
"
أوروبا والولايات
المتحدة هل يتباعدان؟
ثمة لحظة تاريخية قادمة تصفها صحيفة نيويورك تايمز بأنها لحظة الحقيقة، وتعني بها مواجهة حقيقة أن المصالح الأميركية والأوروبية تتباعد بحدة، وربما إلى غير رجعة.

فأوروبا تعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية مستبدة، وتخوض حروباً لا حاجة إليها، في حين تعتقد الولايات المتحدة الأميركية أن أوروبا متعبة وغير جدية وضعيفة، ويبدو أن الغضب المتبادل بين الطرفين متجه ليصل إلى حالة من استحالة التفاهم.

وفي مقالته التي نُشرت في مجلة بوليس ريفيو التي تحوّلت إلى كتاب يحلل روبرت كيغن المسار التاريخي للعلاقة الأوروبية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، ويجد أنهما يمضيان منذ ذلك التاريخ في اتجاهين مختلفين.

فأوروبا خرجت من الحرب العالمية الثانية بدرس التحوّل نحو السلام والانكفاء على الداخل، ولكن الولايات المتحدة الأميركية غاصت في وحول التاريخ، ودأبت على مزاولة القوة، وبناء إستراتيجية عالمية قائمة على امتلاك القدرة العسكرية واستخدامها.

ويبدو الصدع الإستراتيجي اليوم بين الولايات المتحدة وأوروبا أكبر من أي وقت مضى، وهو ما زال يزداد اتساعاً، ويبدو أن التبعية الإستراتيجية الأوروبية للولايات المتحدة توشك على الانتهاء.

ويتلخص الدرس الذي استحضره الأوروبيون في أن على أوروبا أن تتخذ سلسة من الخطوات لتتحرر جزئياً على الأقل، من اعتمادها على القوة الأميركية الذي لم يعد بعد الحرب الباردة ضرورياً على ما يبدو، و يتطلب هذا بدوره أن تبادر أوروبا إلى إيجاد نوع من القدرة العسكرية المستقلة.

ولكن أوروبيي اليوم ليسوا طامحين إلى القوة، خاصة القوة العسكرية، وعلى امتداد نصف القرن الماضي دأبوا على تطوير نظرة مختلفة إلى دور القوة في العلاقات الدولية، نظرة نابعة مباشرة من تجربتهم التاريخية الفريدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، فقد نبذوا سياسة القوة التي جلبت لهم كثيراً من الويلات والمآسي خلال قرن كامل مضى أو يزيد.

"
التركيز الأوروبي على المجتمعات والتنوع يمثل بديلا معقولا أو طريقا ثالثا بين نموذجي الدولة الجامد والاستبدادي، ونموذج الشركات والقطاع الخاص المتوحش والإقطاعي الفظ
"
الاتحاد الأوروبي
هل يقدم بديلا عالميا؟
يعتقد غيرهارد شرودر المستشار السابق لألمانيا أن أوروبا تواجه تحديات كبرى مستمدة من القوة السكانية والاقتصادية الآسيوية، إذ إن شنغهاي في رأي شرودر لا تمثل رمزاً للتجديد المعماري لحاضرة الثقافة والتجارة القديمة فحسب، بل إنها تجسد أيضاً القوة الدافعة الاقتصادية والاجتماعية التي تتمتع بها الصين ومعها كل آسيا.

إن القوة الاقتصادية الناشئة في آسيا ليست موجهة ضد أحد، بل على العكس تماماً، تمثل بالنسبة لأوروبا فرصة عظيمة، ولكن ثمة ظواهر اقتصادية وتقنية واجتماعية، ستقلب النظام العالمي الذي نعرفه رأساً على عقب، ففي السنوات العشر القادمة على سبيل المثال سيكون عدد سكان شنغهاي أكبر من عدد سكان البلدان الإسكندنافية مجتمعة.

ولكن أوروبا في المقابل قد خطت وبخاصة ألمانيا خطوات واسعة في مواجهة التحديات، من أهمها توسيع الاتحاد الأوروبي ليشمل 25 دولة، وإذا انضمت تركيا إلى الاتحاد الأوروبي فإنه سيصبح قوة سكانية كبرى، تتوغل في آسيا والشرق الأوسط، وتحقق مكاسب جيوسياسية وجيوإستراتيجية، وربما تحظى بقبول إسلامي واسع.

وتسير أوروبا في برنامج ديمقراطي اجتماعي يقترب من الاشتراكية والعدالة الاجتماعية بخلاف البرنامج الأميركي الاقتصادي القائم على الخصخصة والليبرالية الاقتصادية التي تقلل كثيرا من مستوى الرفاه والتماسك الاجتماعي.

ويتوقع أن يكون النموذج الاجتماعي الأوروبي هو الحلم العالمي الذي يجمع بين الحرية الاقتصادية والالتزام الاجتماعي في الوقت نفسه، فلا تطغى الشركات والمصالح الاقتصادية على حقوق المجتمعات والطبقات الوسطى والفقيرة.

ويشير شرودر إلى إعصار نيو أورليانز الذي علم الأوروبيين، بما فيهم البريطانيون أنهم لا يريدون ولا يستطيعون خصخصة الجوانب الحيوية من حياتهم، وما يريدونه هو دولة ترافقهم دون أن تأخذهم من أيديهم.

والنهضة الآسيوية تمثل قوة دفع حضارية واقتصادية للنموذج الأوروبي وتتحدى النموذج الأميركي، فهي تقتبس كثيرا من النموذج الأوروبي وتقدم فرصا للتبادل والتفاعل الاقتصادي الآسيوي تتجاوز النموذج الأميركي الذي أصبح يرمز إلى الاستهلاك والشره والهيمنة، ويسمى أحيانا "ثقافة الموت".

فالوحدة الأوروبية تمثل نموذجا مبدعا وخلاقا لدول وشعوب المنطقة، لا يلغي الدول وسيادتها ومصالحها والثقافات واللغات بل يتجاوزها جميعا في وحدة تجمع بينها نحو المصالح والأفق الإقليمي والعالمي.

والتجربة الأوروبية القائمة على السلام ونبذ الحروب ثم النجاح العملي الباهر على نحو يبشر بانتهاء الحروب كما انتهى الرق على سبيل المثال يجعلها حلما آسيويا وعالميا.

والتركيز الأوروبي على المجتمعات والتنوع يمثل بديلا معقولا أو طريقا ثالثا بين نموذجي الدولة الجامد والاستبدادي، ونموذج الشركات والقطاع الخاص المتوحش والإقطاعي الفظ.

"
الامتداد الآسيوي والإسلامي لتركيا سيجعل أوروبا قوة عالمية تتمتع بالثقل الجيوسياسي والمصداقية الحضارية ويوفر لها الطاقة، ويدحض فرضية صراع الحضارات، كما سيوقف شيخوختها السكانية التي تهددها
"
أوروبا والتحدي
الإسلامي
يعتمد النجاح الأوروبي في رأي جوزيب بوريل على تركيا والعالم الإسلامي وبخاصة حوض البحر المتوسط، واستيعاب التحدي الإسلامي في داخل أوروبا نفسها.

إن تركيا بثقلها السكاني والحضاري وامتدادها الإقليمي سيكون انضمامها تحولا كبيرا في المؤسسة الأوروبية، إذ تصبح المجموعة التركية في البرلمان الأوروبي هي الأكبر، وفي الوقت نفسه فإن الامتداد الآسيوي والإسلامي لتركيا سيجعل أوروبا قوة عالمية تتمتع بالثقل الجيوسياسي والمصداقية الحضارية.

وستساعد تركيا أوروبا على النمو، وتوفر لها الطاقة، وتدحض فرضية صراع الحضارات، وقبل كل شيء ستوقف شيخوختها السكانية التي تهددها.

فأوروبا تشيخ، ومعدلات الذين تتجاوز أعمارهم 60 عاماً ستواصل ارتفاعها حتى 2030، عندما يتقاعد أبناء جيل طفرة المواليد التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

في ذلك الوقت سيكون عدد الأطفال في أوروبا أقل منه اليوم بـ18 مليون طفل، وسيكون عدد العمال الذين تتراوح أعمارهم بين 55 و64 عاما 24 مليون عامل وعدد السكان الذين تزيد أعمارهم على 80 عاما 34 مليوناً مقابل 18 مليون في هذا العام.

ومعدلات الولادة في البلدان الأوروبية كلها تقريبا هي أقل من عتبة تجدد الأجيال الطبيعي، ويمكن للشيخوخة الأوروبية أن تقلص "النمو الكامن" السنوي في إجمالي الناتج المحلي من 2%-2.25 % حاليا إلى 1.25% في عام 2040.

ويتوقع أن يصل عدد السكان المسلمين في الدول الأوروبية الـ15 (نواة الوحدة الأوروبية قبل انضمام عشر دول من أوروبا الشرقية) إلى 35 مليون نسمة.
______________
كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة