المدخل الأميركي في مستقبل العراق   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

-استكراث العراق
-السيطرة على مفاتيح الاستقرار والفوضى
-هل تكون العراق آخر الانتصارات الأميركية؟

-المغلوب لا الغالب هو الذي يحدد نهاية العركة

يتجاوز العامل الأميركي في مستقبل العراق دوره الموضوعي من إستراتيجية عامة تجاه المنطقة إلى اعتبارات انتخابية وداخلية ونخبوية وفكرية وإمبريالية، وسيكون -دون إسقاط للعوامل الأخرى الداخلية والإقليمية- لهذه السياسات والمعطيات تأثير كبير على مستقبل العراق.

ويلزم لفهم خريطة مستقبل العراق محاولة فهم الأفكار الأميركية التي تحكم سياساتها واتجاهاتها، فالحرب في العراق كما وصفها وولفويتز، وردد من بعده رمسفيلد المقولة نفسها "حرب أفكار".


بعد تسعة أشهر من الاحتلال يتجه العراق نحو كارثة متعمدة تصنع بوعي مسبق وتخطيط عبقري، ولكنها عبقرية الفشل
استكراث العراق

يقول ميشيل فوكو إن الكوارث تؤسس لمرحلة جديدة وثقافة جديدة، ويبدو أن هذه المقولة تقرؤها الإدارة الأميركية في العراق على نحو أننا نحتاج إلى كارثة لنؤسس لمرحلة وثقافة جديدة، فالعراق يجب أن يكون كما في الصورة المسبقة النمطية صحراء مليئة بالنفط، وتخلو من كل وسائل الحضارة ومنتجاتها وأدواتها كما هو في الصورة الاستشراقية التاريخية للمستعمرين الذي فتحوا أراض وبلادا فقيرة ومعدمة تفضل على أهلها الاستعمار بالتعليم والمدارس والمطارات وسكة الحديد والطرق.

والصورة لا ترى بالضرورة كما هي، ولكن كما نريد أن نراها، أو نجعلها كما نريد أن نراها، والعراق يبدو اليوم بعد تسعة أشهر من الاحتلال يتجه نحو كارثة متعمدة تصنع بوعي مسبق وتخطيط عبقري، ولكنها عبقرية الفشل.

فبعد تسعة أشهر من الاحتلال تبدو بغداد والمدن العراقية المحتلة والمرافق العامة تزداد خرابا ودمارا وترهلا، فالجسور التي دمرت أعيد اثنان منها فقط بعد أكثر من ستة أشهر من الاحتلال باحتفال مهيب رعاه المنسق الأميركي لشؤون إعمار العراق بول برايمر، وجاء هذان الجسران على هيئة جسر حديدي مؤقت من الجسور التي تبنيها الجيوش لمواجهة الانهيارات أو للعمليات العسكرية وتمكن بصعوبة أن تمر سيارة واحدة من كل اتجاه.

لم يلاحظ برايمر ومهندسوه شبكة الطرق الحديثة والجسور المهيبة التي كانت موجودة في بغداد، ولم ير أن أهلها يستحقون أكثر من جسر حديدي، وما حاجتهم للطرق والسيارات ابتداء؟ ولذلك فقد توقفت محطات تكرير البترول، وتستورد مشتقات النفط من الدول المحيطة بالعراق، وتحتاج السيارات للانتظار تسع ساعات أو أكثر للتزود بالوقود.

والمباني والمرافق التي دمرت مازالت أنقاضا في وسط المدينة، الاتصالات والكهرباء والطرق والجسور، وأبراج الكهرباء وأعمدتها والوزارات والمعسكرات والمباني والأجهزة والآليات التي نهبت ودمرت بعد الاحتلال على نحو سوريالي مبرمج لا يفهم الهدف منه ولا الفائدة التي تعود على أصحاب البلدوزرات الذين لا يمكن أن يكونوا أفرادا عاديين وهم يسيرون على طول جميع طرق العراق فيدمرون الأبراج التي تحمل كابلات الكهرباء مهدرين مليارات الدولارات بلا فائدة مرجوة تعود عليهم، ما جدوى نهب مفاعل نووي على سبيل المثال, أو حرق مبنى حديث كبير مجهز، أو تعطيل أجهزة الكمبيوتر والمختبرات الجامعية؟

ولا تبدو خطط إعادة إعمار العراق سوى ملاحقة البعثيين وتماثيل صدام حسين وصوره واكتشاف مزيد من القبور الجماعية، وكلما ضاقت الحياة بالناس تسوق الإدارة الأميركية الصحفيين ووسائل الإعلام لتطلعهم على تماثيل صدام التي يطاح بها. لقد كانت لعبة مسلية في الأيام الأولى من الاحتلال، ولكنها اليوم تبدو إصرارا على عدم رؤية شيء في العراق إلا كما يريد المحتل للصورة أن تكون، وليست كما هي.

وحتى عملية أسر الرئيس العراقي صدام حسين، فقد نظر إليها جميع المحللين والناس على أنها عملية دعائية موجهة للناخب الأميركي والبريطاني ولم تكن جزءا من معركة احتلال العراق، وتتوقع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت أن يجري في العام القادم مجموعة أخرى من المسرحيات الإعلامية التي تحيط بأسر عدد من الخصوم الذين صنعت حولهم هالة إعلامية أسطورية لتشغيل ماكينة الدعاية الانتخابية التي بدأت في الولايات المتحدة.

السيطرة على مفاتيح الاستقرار والفوضى
ربما لا يحب الكثيرون ممن يعرفون عن الشأن العراقي الاعتراف بأن استقرار العراق أصبح يعتمد اعتمادا كبيرا ورئيسيا على الولايات المتحدة، وأن فرص الحرب الأهلية والفوضى بيدها أيضا، فبعد حل الجيش والأمن ومؤسسات الدولة وملاحقة قادتها وكوادرها الرئيسيين بحجة استئصال البعث، جرد العراق من كل مقومات وحدته والعناصر التي كانت تجمع فئات الشعب ومن الخبرة الإدارية والدفاعية والتعليمية.


لا تبدو خطط إعادة إعمار العراق سوى ملاحقة البعثيين وتماثيل صدام حسين وصوره واكتشاف مزيد من القبور الجماعية
ويجري على نحو مقصود رد العراق إلى المكونات البدائية التي أمضت الدولة العراقية ثمانين سنة في تطويرها ونقلها إلى حالة مما تقوم عليه الدول المتقدمة، فالعراق يقسم برعاية أميركية إلى عرب وأكراد وتركمان وشيعة وسنة، ويجري التعامل مع كل فئة من السكان مستقلة عن العراق وعن الفئات الأخرى، فالإدارة الأميركية لا ترى بلدا اسمه العراق، ولكنها ترى مناطق وفئات وشيعا ومصالح تعزلها عن بعضها مكاسب تتنافسها النخب والمجموعات.

وقد شكل مجلس للحكم على أساس طائفي غلبت فيه فئة من العراقيين على جميع الفئات الأخرى، وأطلقت المليشيات في المناطق والمكاتب والإدارات لتحل محل الجيش والشرطة والدوائر والمؤسسات المركزية.

يقول د. محسن عبد الحميد عضو المجلس الانتقالي للحكم إن الوضع الحالي للمجلس يجعل مصير العراق تقرره فئة دون اعتبار للعراق ووزن الفئات الأخرى، وتجري محاولة لعرقلة مجلس نواب انتقالي يقر الدستور ويختار الحكومة العراقية.

ويقول غازي مناور عضو المجلس وشيخ قبائل شمر إن كثيرا من عمليات التفجير والتخريب التي تجري في العراق لا يمكن ردها إلى مقاومة تهدف إلى طرد الاحتلال، ويرجح أن تكون وراءها دول تسخر بعض العراقيين وغيرهم لتوظيف حالة عدم الاستقرار واستثمارها، وتأخير قيام دولة حقيقية ذات سيادة تفرض الأمن والعدل.

ويقول خليل إبراهيم عضو المكتب السياسي للاتحاد الإسلامي الكردستاني إن قيادات كردية مثل جلال الطالباني تتحرك للتفاوض مع القبائل السنية التي يعتقد أنها دفعت إلى المقاومة بسبب تهميش السنة والاستقواء عليهم والاعتداء على ممتلكاتهم، وهو ما يمكن فهمه على أن قدرا أو بعضا من المقاومة كان مطلوبا أميركيا لتأليب الفئات على بعضها ووضعها في حالة خوف وتوجس من بعضها، ولتلجأ جميعها إلى الإدارة الأميركية لتحتمي من بعضها بعضا، فقد كان يمكن استيعاب السنة على نحو عادل يهدئ مخاوفهم ويقنعهم أنهم ليسوا مستهدفين، ولكن يبدو أنهم استهدفوا على نحو افتعالي مقصود دون حاجة لذلك، ولكن لخلق حالة من الخوف والنزاع.

هل يكون العراق آخر الانتصارات الأميركية؟
اليوم يتكون عراق جديد سيكون على الأغلب مندمجا في السياسات الأميركية الشرق أوسطية، ولن يكون ثمة قلق إسرائيلي من تفوق عسكري أو إقليمي عربي، وبدأت إسرائيل تسعى بالفعل لاستئناف خط النفط العراقي القديم الممتد من الموصل إلى حيفا والذي كان يعمل حتى عام 1948 ويتوقع أن يوفر في الفاتورة النفطية الإسرائيلية بنسبة 25%.


حل الجيش والأمن ومؤسسات الدولة وملاحقة قادتها وكوادرها الرئيسيين بحجة استئصال البعث جرد العراق من كل مقومات وحدته والعناصر التي كانت تجمع فئات الشعب ومن الخبرة الإدارية والدفاعية والتعليمية
ولكن العراق الجديد لن يكون بالضرورة انتصارا أميركيا وإسرائيليا حاسما، وثمة ما يدعو إلى أنه مكسب بالنقاط، فالعراق بشعبه ومجتمعه ومستوى التعليم والفاعلية الاجتماعية والحضارية والصحوة الإسلامية والقومية والوطنية الراسخة فيه يصعب أن يكون عراقا أميركيا تماما، وإن تحول إلى بلد صديق للولايات المتحدة.

والنظام الدولي الجديد الآخذ بالتشكل ينزع إلى وقف التفرد الأميركي في قيادة العالم والهيمنة عليه، وقد تشهد السنوات القادمة منافسة سياسية وعسكرية بين الولايات المتحدة وبين روسيا وفرنسا وألمانيا، وقد تبذل أوروبا جهودا كبيرة لتحجيم الولايات المتحدة وتكون قطبا منافسا وتوقف الاندفاع الأميركي.

والتاريخ وطبيعة الحياة تأبى دائما الانتصار الكامل الحاسم لقوة واحدة، وإن الهزيمة لتنبت في زحمة النصر، كما أن النصر ينبت في ركام الهزيمة، وقد رأينا كيف نهضت اليابان وألمانيا وإيطاليا من هزيمة ماحقة ساحقة عصفت بكل شيء تقريبا، ولكنها بعد سنوات تجاوزت الهزيمة والخسائر وتمكنت من استعادة موقعها المؤثر في خريطة العالم، وفي الوقت نفسه ضعفت بريطانيا وخسرت رغم انتصارها، بل إنها خرجت من انتصارها كما لو أنها مهزومة.

وسبق للولايات المتحدة أن مرت بها حالة من التفوق مثل هذه ولعلها تزيد عليها قوة وثراء وهيمنة، وذلك بعد الحرب العالمية الثانية وحتى أواخر الستينيات من القرن العشرين، وقد دخلت في الحرب الكورية بنفس العنفوان والعنجهية والتفوق الذي دخلت فيه في غزوها للعراق، ثم فيتنام، وبدأت في السبعينيات تفقد كثيرا من تفوقها ومكاسبها السابقة، فقد دخلت مضطرة وكارهة في اتفاقية سالت عام 1972، وبدأت تتقرب من الصين، وخسرت في القارة الأميركية مثل تشيلي ونيكاراغوا، ثم خسرت إيران، وربما كان دخول الاتحاد السوفياتي إلى أفغانستان عام 1979 بسبب شعوره بالتفوق على الولايات المتحدة.

وقد بدا العالم عام 1991 بعد حرب الخليج الثانية كما لو أن الولايات المتحدة تفردت بالعالم ووصلت إلى "نهاية التاريخ"، ولكن الهيمنة العالمية بدأت تتعرض لتحديات كثيرة ظهرت في السياسات الروسية الجديدة بعد مجيء بوتين إلى الحكم، والمواقف الفرنسية الألمانية، وثمة فارق كبير في الموقف العالمي بين عام 1991 وعام 2003، فقد كانت الولايات المتحدة تقود إجماعا عالميا وتحظى بتأييد عربي كبير رسمي وشعبي، ولكنها اليوم تنتصر وحدها ولا يقف معها سوى بريطانيا وأستراليا وعلى خجل وخوف.

ربما تكون المرحلة الجديدة من مسار العالم تأخرت عشر سنوات على الأقل، فقد بقي الفراغ قائما وسائدا في العالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وانتهت تقاليد الصراع السابقة، وبالمناسبة فإن مرحلة الحرب الباردة والتي كان فيها قطبان كبيران متنافسان ومتوازنان منعت قيام عمليات عسكرية على غرار مهاجمة برجي مركز التجارة في نيويورك رغم الإمكانات الفنية التي كانت متوافرة.


العراق بشعبه ومجتمعه ومستوى التعليم والفاعلية الاجتماعية والحضارية والصحوة الإسلامية والقومية والوطنية الراسخة فيه يصعب أن يكون عراقا أميركيا تماما وإن تحول إلى بلد صديق للولايات المتحدة
ولكن الاتحاد السوفياتي وإن كان يدعم ويمول ويدرب حركات ثورية مناوئة للولايات المتحدة فإنه كان يمنعها في الوقت نفسه من مواجهة غير محسوبة، وجاء هذا الفراغ ليجعل الصراع بلا قواعد وتقاليد، وهو وإن كان يبدو في صالح الولايات المتحدة في أحيان كثيرة فإنه ليس في صالحها دائما، فقد جعلها ذلك عرضة لمعارك وعمليات غير محسوبة، وجعلها في حرب ومواجهة مع أفراد وتنظيمات وأشباح لا تصلح عدوا حتى لو انتصرت عليها، إنها تبدو * كاتب أردني مثل صراع العملاق والأقزام فهو وإن كان قويا فإن الأقزام الصغيرة التي يعجز عن رؤيتها تزعجه وتجعله موضع سخرية حتى عندما يبطش بأحدها.

المغلوب لا الغالب هو الذي يحدد نهاية المعركة
رغم ما يبدو من حالة انهيار وفوضى وخسارة في العراق فإن الحالة العراقية تُظهر كثيرا من الإنجازات والمكتسبات، فالمقاومة العراقية كما يمكن تقييمها من المصادر الأميركية التي تتجه حتما إلى التقليل من شأنها والتكتم على كثير من أخبارها هي على قدر من التأثير والقوة ما جعل السياسات والمواقف الأميركية تتغير بانعطاف كبير.

فقد أبدت الولايات المتحدة استعدادا لنقل الحكم والسيادة للعراقيين، بل إنها تستعجل مجلس الحكم لينجز الدستور الذي ينظم العملية السياسية القادمة، واتهمت مجلس الحكم بأنه وراء التأخير، وقد يكون بعض قوى المجلس لا ترغب بالفعل في الانتقال إلى حالة الاستقرار والسيادة، فقد حققت مكاسب ومصالح تخشى عليها في ظل دولة عراقية مستقلة، وقد استفادت جميع القوى والأطراف والفئات من المقاومة، حتى الأكراد كما يقول خليل إبراهيم إذ أبقت الإدارة الأميركية على إدارتهم ومؤسساتهم واستقلالهم بسبب المقاومة، وكانت تنوي أول مجيئها للعراق أن تحلها وتدمجها بالإدارة الأميركية للعراق، ويقول بوضوح "لقد أفادتنا المقاومة في الحفاظ على مكاسبنا".

إن عمليات الاحتلال في التاريخ والجغرافيا ترافقها بالضرورة عمليات وثقافة النهضة والمقاومة ونشوء جماعات وحركات قائمة على الهوية الوطنية وحق تقرير المصير والاستقلال الوطني، وقد أدت في معظم الحالات إلى الغلبة على الاحتلال ودحره.
ــــــــــــــــــ

كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة