الخرطوم.. إشكالات السياسة والاقتصاد   
الاثنين 22/5/1437 هـ - الموافق 29/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:08 (مكة المكرمة)، 13:08 (غرينتش)
ياسر محجوب الحسين

عنت معيشي مزمن
أهواء السياسة وتخبطها
تجاوز النفق المظلم

اضطرابات وأخطاء سياسية فادحة تمسك بتلابيب حكومة الخرطوم، كان حصادها عنت معيشي طال السواد الأعظم من المواطنين، وسط تراجع خطير عن القيم والأسس التي بني عليها نظام الرئيس عمر البشير شرعيته قبل 25 عاما، خاصة في ظل رفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية بقرارات سياسية مرتبكة جدا.

قبيل اعتماد موازنة العام 2016 بعثت الحكومة وزير المالية ليطلق بالون اختبار في البرلمان بإبداء عزمها رفع الدعم عن السلع الأساسية مثل القمح والمحروقات والكهرباء.. وشكا الوزير من الوضع الاقتصادي المتدهور بشكل مخيف.. وبدلا من أن يعترف بفشل حكومته في إصلاح حال الاقتصاد المتأثر بالفشل السياسي حتى إبان الوفرة النفطية ما قبل انفصال جنوب البلاد، مضى يلقي باللائمة على الشعب واصفا إياه بأنه "مستهلك وعاطل عن العمل".. وما من شك أن الدعم اجراء اقتصادي مؤقت يُزال وفقا لخطط تسندها إرادة سياسية قوية.

تعتبر الحكومة الحالية المكونة من 70 وزيرا أكبر مستهلك للدخل القومي الشحيح، ومع هذه الحكومة المركزية هناك جيوش جرارة من الوزراء وشاغلي المناصب الدستورية في حكومات ولايات البلاد العديدة التي يزيد عددها كل حين في إطار بذخ سياسي لم يعرف السودان له مثيلا

سيكون الشعب السوداني مستعدا للتضحية والقبول برفع الدعم لو وجد ما يبرر ثقته في الحكومة وإجراءاتها، أو لو لمس لديها عزما صادقا على الإصلاح من خلال البدء بمكافحة الفساد الحكومي بكافة أشكاله.

في غمرة الضغوط الاقتصادية نسيت الحكومة تلك الأزمة التي كادت أن تعصف بها في سبتمبر/أيلول 2013 عندما قررت رفع الدعم عن تلك السلع، فاشتعلت الخرطوم ومدن أخرى بمظاهرات ومواجهات عنيفة بين قوات الأمن ومتظاهرين أدت لمقتل أكثر من 200 شخص وفق منظمة العفو الدولية، كما أدت لتراجع سريع عن قرار رفع الدعم. واليوم تريد الحكومة اختبار المختبر وتجريب المجرب والتفسير الوحيد لذلك أن كل الخيارات أمامها معدومة بسبب فشلها في طرح برنامج إصلاح اقتصادي جاد تبدأ فيه بنفسها.

وتعتبر الحكومة الحالية المكونة من 70 وزيرا أكبر مستهلك للدخل القومي الشحيح؛ ومع هذه الحكومة المركزية هناك جيوش جرارة من الوزراء وشاغلي المناصب الدستورية في حكومات ولايات البلاد العديدة التي يزيد عددها كل حين في إطار بذخ سياسي لم يعرف السودان له مثيلا.

عنت معيشي مزمن
لقد غدت مشاهد الفقر المدقع وتضخم حجم الفئات الاجتماعية المهمشة وانتشار البطالة، مظاهر تعكس الخلل البنيوي في الاقتصاد القومي بسبب السياسات التي تتضارب مع متطلبات الناس واحتياجاتهم، لأغراض سياسية في المقام الأول.

يقول مسؤول كبير بديوان الزكاة -جهة حكومية- في تقرير له الشهر الماضي، إن الزكاة لا تكفي معدلات الفقر بالبلاد بعد أن فاقت نسبته 46%. وفي ذات الوقت يقول مدير بنك الطعام المسؤول عن محاربة الفقر والجوع إن هناك 6 ملايين طفل يعانون من سوء التغذية، و35 ألف تلميذ لا يتناولون وجبة الإفطار في العاصمة الخرطوم وحدها وأن 80% من طالبات السكن الداخلي لا يتناولن وجبة العشاء، مؤكدا أن الفقر يتصاعد بصورة محزنة.

وفي ذات الشهر قال وزير الصحة الاتحادي إن مسحا أجرته وزارته في 13 ولاية أثبت أن 13 مليون مواطن يعانون من نقص الغذاء، بمعني أن ثلث سكان السودان يعانون من سوء التغذية.

يبدو جليا أن الدولة ليس لديها مصادر لتمويل بنود الصرف التي حوتها موازنة 2016، إلا من خلال زيادة الأسعار والضرائب، وليس كما زُعم بأن الموازنة جاءت خالية من الضرائب.

فبعد أيام قليلة من إجازة البرلمان للموازنة رفع وزير المالية سعر اسطوانة غاز الطبخ بنسبة 300%، مع العلم أن إجراءات التحرير وفك الاحتكار تؤدي إلى هبوط الأسعار وليس رفعها. ومن جانبها زادت ولاية الخرطوم أكبر الولايات كثافة سكانية تعرفة مياه الشرب 100%، بينما تدرس وزارة النقل تحرير أسعار المواصلات العامة.

المشكلة العويصة هي انعدام ثقة المواطن في الإجراءات الحكومية وعدم شفافية كبار مسؤوليها. فوزير المالية برر فك الاحتكار بضمان توفير حاجة المستهلك والقطاعات الإنتاجية وإطلاق طاقات القطاع الخاص. والمدهش حقا أن فك الاحتكار يعني السماح للقطاع الخاص باستيراد الغاز من الخارج، لكن ألا تشكو الدول البترولية تدني أسعار النفط ومن مشتقاته غاز الطبخ؟ فكيف ترتفع الأسعار داخل السودان؟

العلاقة بين معاش الناس، وبين الفعل السياسي جدُّ وثيقة، وتزداد تعقيدا والتباسا حين يكون الفاعل السياسي فاعلا اقتصاديا في الوقت ذاته، أي أن تحتكر السلطة ورموزها السوق، فيتراجع الاقتصاد في ظل انعدام أجواء وشروط المنافسة الحرة، وتنحدر السياسة لهوة عميقة لا قرار لها

عندما ضربت أزمة غاز الطبخ البلاد قبل عدة أسابيع وتطاولت صفوف الأسطوانات الفارغة أمام منافذ التوزيع، تضاربت أقوال مسؤولي الحكومة وقالوا إن الأزمة مفتعلة، ثم عزوا الأمر للصيانة الدورية لإحدى المصافي، قبل أن يتضح لاحقا أن السبب هو عجز الحكومة عن توفير ما يلزم من مال لتغطية العجز بالاستيراد.

اليوم تعيش العاصمة الخرطوم انقطاعات مزمنة في التيار الكهربائي، انهارت معها مزاعم انتهاء أزمة الإمداد الكهربائي للأبد، وخرجت أحياء الخرطوم، في تظاهرات احتجاجا على انقطاعات الكهرباء المتكررة ولفترات طويلة ومرهقة فيما يشكو أصحاب المصانع من تعطيل مصالحهم بسبب هذه الانقطاعات.

أهواء السياسة وتخبطها
عدم الاستقرار السياسي أو ربما الفوضى السياسية ظلت علامة مميزة للأوضاع في السودان. ومعلوم أن عرى العلاقة بين معاش الناس، وبين الفعل السياسي جدُّ وثيقة، وتزداد تعقيدا والتباسا حينما يكون الفاعل السياسي، فاعلا اقتصاديا في الوقت ذاته، أي أن تحتكر السلطة ورموزها السوق، فيتراجع الاقتصاد في ظل انعدام أجواء وشروط المنافسة الحرة، وفي ذات الوقت تنحدر السياسة لهوة عميقة لا قرار لها، وقديما حذر ابن خلدون من الجاه المفيد للمال، وهناك من يذهب إلى عدم جواز الجمع بين الإمارة والتجارة شرعا.

ويظهر من خلال التجارب العديدة للنظم الديمقراطية الليبرالية أن هناك علاقة وثيقة بين النمو الاقتصادي والنظام السياسي الديمقراطي. وعليه فبدون نظام سياسي ديمقراطي لا يمكن للاقتصاد أن يتحرر كليا من منظومة القوانين المعيقة للتطور والتحديث على صعيد الدولة والمجتمع.

وفي ظل الأنظمة السياسية القابضة غير الديمقراطية يتلاشى مفهوم الاقتصاد السياسي. وأينما وجد نظام قابض مع موارد شحيحة غاب هذا المفهوم؛ فهو يرتبط بالتناقض القائم بين الموارد النادرة من جهة، وجهد الإنسان الهادف إلى مواجهة الندرة، فهو وفقا لذلك محاولة إدارة الموارد النادرة وطرق وأساليب تحويل هذه الموارد المتاحة لما يفي الحاجات المتعددة.

ليس للخرطوم اليوم من خيار سوى إقرار إصلاحات سياسية عميقة مفضية إلى واقع اقتصادي يتجاوز الاحتكار السياسي، بل الفساد الحكومي المستشري الذي لم يعد في حاجة إلى بيان وتبيين.

وكان لعدم الاستقرار السياسي في تركيا خلال تسعينيات القرن الماضي آثار سلبية على الاقتصاد التركي المجهد، تمثلت ملامحه في ارتفاع الدين المحلي والأجنبي بسبب ارتفاع التضخم وعجز الموازنة وعجز الحساب التجاري.

وتمكن حزب العدالة والتنمية منذ العام 2002 من إنقاذ البلاد من واحدة من أكبر الأزمات الاقتصادية، وذلك بعد انهيار الليرة التركية بنسبة 100% وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية، حيث وصل إلى 70% وأفلست على إثره نصف البنوك التركية، ووصلت معدلات البطالة مستويات خرافية، كما فاحت روائح فضائح الفساد والرشاوى.

للأسف كانت دعوة الخرطوم للتحرير الاقتصادي دعوة حق أريد بها باطل، فهي تؤمن ببعض التحرير وتكفر ببعض، تكفر بالإجراءات التي تضر بما تعتقد أنه مصالحها ونفوذها السياسي. ولم تكن سياسة التحرير التي ابتدعتها الخرطوم وليدة اللحظة، بل بدأت منذ نحو عقد من الزمان وظلت متأرجحة وذات صلة وثيقة بأهواء السياسة وتخبط قراراتها.

لا سبيل لحل الأزمة الاقتصادية إلا بحل الإشكالات السياسية والتي من أهمها عدم الالتزام بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وطغيان السلطة التنفيذية على السلطتين القضائية والتشريعية، وهو ما أدى إلى الإخلال بمبدأ الرقابة المتبادلة

ونتج عن التحرير العشوائي انقسام المواطنين إلى طبقتين؛ طبقة جنت الكثير وهي الطبقة الحاكمة ومناصريها، فتحسن وضعها الاقتصادي وزادت ثروتها مقابل طبقة غالبة أخرى وصلت إلى مستوى تحت حد الفقر. وتمكنت فئة كبار المنتجين والتجار من تعزيز وضعهم الاجتماعي والاقتصادي، فمعظم مدخرات هذه الفئة بالعملة الأجنبية في بنوك خارجية مما يجعلها لا تتأثر كثيرا بل يزداد وضعها تحسنا مع لجوئها للإتجار بالعملة الصعبة في السوق السوداء.

تجاوز النفق المظلم
إذن لم يكن الانتعاش الاقتصادي الذي ظهر بعد العام 2004 بسبب إنزال شعارات النظام (نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع) على أرض الواقع، لكنه كان بسبب تدفق عوائد النفط، ومع ذهاب ربيع البترول بانفصال الجنوب في يوليو/تموز 2011 الذي استحوذ على أكثر من (70%) منه، بدأت الخرطوم تتبني وصفة البنك الدولي النمطية باعتبارها بلسما وترياقا للأزمة الاقتصادية التي صنعها سوء التخطيط وقصر النظر والعجز عن إدارة عوائد النفط، فضلا عن البذخ السياسي سعيا وراء مكاسب سياسية قبلية وجهوية. والحقيقة أن تلك الوصفة غير معنية بالطبقات الكادحة المسحوقة التي أرادت الحكومة تحميلها أخطاءها السياسية والاقتصادية.

كان ضمن البيان الأول لنظام الإنقاذ في 30 يونيو/حزيران 1989 ما قاله قائد الانقلاب العميد عمر البشير: "لقد تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية وفشلت كل السياسات الرعناء في إيقاف التدهور ناهيك عن تحقيق أي قدر من التنمية مما زاد حدة التضخم وارتفعت معه الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل واستحال على المواطنين الحصول على ضرورياتهم إما لانعدامها أو ارتفاع أسعارها مما جعل الكثير من أبناء الوطن يعيشون على حافة المجاعة" وهذه حالة ماثلة اليوم في السودان بكل تفاصيلها.

لا سبيل لحل الأزمة الاقتصادية إلا بحل الإشكالات السياسية والتي من أهمها عدم الالتزام بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وطغيان السلطة التنفيذية على السلطتين القضائية والتشريعية وهو ما أدى إلى الإخلال بمبدأ الرقابة المتبادلة.

ثم من بعد ذلك النظر في الإشكالات الاقتصادية على أن ترتكز على زيادة الإنتاج والإنتاجية وترشيد الإنفاق الحكومي، ومحاربة الفساد وإعادة هيكلة الجهاز المصرفي ووقف تعدد الرسوم والضرائب، الأمر الذي أدى إلى فقدان ثقة المستثمر الأجنبي في الاقتصاد السوداني.

إن من الأسباب العميقة لاندلاع الثورات الشعبية بالإضافة إلى الانسداد السياسي، غياب العدالة الاجتماعية وتحكم أقلية في الثروات الوطنية في الوقت الذي تعيش فيه الأغلبية في القاع الاجتماعي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة