العنف.. من أجل فهم مكوناته الحقيقية بعيدا عن الأساطير   
الخميس 1426/6/29 هـ - الموافق 4/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 22:31 (مكة المكرمة)، 19:31 (غرينتش)


















 

إبراهيم غرايبة

- الظاهرة والتفسير
- العنف في سياقه الطبيعي
- هل ثمة توظيف للعنف والتطرف؟
- مغامرات إعلامية سياحية في قواعد المجاهدين!
- الزرقاوي.. سذاجة المبالغة وتجاهل السؤال
- لماذا يفشل الزرقاوي في الأردن وينجح في العراق؟


التعامل الإعلامي والاستخباري مع ظاهرة الأصولية والعنف يصلح حالة دراسية لفهم حراك الإعلام والسياسة ودوامة الاستدراج والتضليل التي تتحول إلى دائرة لا يعرف لها بداية ولا نهاية، فيغرق الناس في موجة من الأخبار والتحليلات والمقابلات والتحقيقات والمعلومات، والتي تكون في قدر من الضخامة والتكرار لا يعود أحد معها قادرا على الفرز والتحليل والتمييز بين المهم والأقل أهمية وعديم الأهمية.

الظاهرة والتفسير
"
ثمة ظاهرة قائمة على الكراهية الشديدة التي تؤدي إلى العنف اليائس الموجه إلى الولايات المتحدة وحلفائها، ولكن هل يقع تفسير هذه الظاهرة وفهمها في قراءة رسائل الزرقاوي ومقابلات البرقاوي والخلاف بينهما؟!
"
ثمة ظاهرة قائمة على الكراهية الشديدة التي تؤدي إلى العنف اليائس الموجه إلى الولايات المتحدة وحلفائها في العالم، ولكن هل يقع تفسير هذه الظاهرة وفهمها في قراءة رسائل الزرقاوي ومقابلات البرقاوي والسجال والخلاف بينهما؟ وإذا كانت هذه المجموعات تمثل موجة أو تيارا متطرفا يستخدم العنف، فهل يعتمد فهمها وتحليلها على الأخبار والتصريحات والكتابات المتناثرة في الكتيبات وفي مواقع الإنترنت؟

بل ويمضى الزميل ياسر أبو هلالة -مدير مكتب الجزيرة في عمّان- إلى مقارنة السجال والخلاف الذي وقع بين أبو مصعب الزرقاوي وأبو محمد المقدسي بالتحولات والمراجعات التي جرت في الحركة الإسلامية بين الوجهة الأصولية المتشددة الرومانسية والتي مثلها سيد قطب خاصة في كتابه "معالم في الطريق" وبين الوجهة الإصلاحية واستعادة الصفة الأساسية للإخوان المسلمين كما بدأها حسن البنا، والتي مثلها حسن الهضيبي في كتابه "دعاة لا قضاة".

وأخشى أن يمضي بنا السياق الإعلامي إلى فهم مضلل للظاهرة يبعدنا عن الأسئلة البديهية والأساسية المشكلة لها، فلا يعقل أبدا أن تكون مجموعة من الفتاوى والأفكار والمقولات الساذجة التي يرددها مجموعة من الأغرار والهواة الأميين، نظريات فكرية وأيدولوجية تؤسس لحركات وجماعات تتحدى العالم وتشكل بديلا للاتحاد السوفياتي وتشغل حلف الأطلسي، ثم تكون مبررا لاحتلال أفغانستان والعراق.

العنف في سياقه الطبيعي
أحداث العنف التي جرت في لندن مؤخرا تعيد السؤال في محاولة فهم الظاهرة الأصولية إلى المكونات الأساسية التي تبتعد حتما عن الفهم الميثولوجي والاستثماري والتوظيف السياسي والإعلامي للظاهرة. وإذا كان مقبولا في مرحلة ما أن يقدم الإعلاميون أفكارا ومقابلات وتحريات تقع في سياق التسلية والإثارة، فإنها اليوم على الأقل بالنسبة لبريطانيا والدول المعنية بالظاهرة عمليا تمثل تحديا يجب فهمه وتحليله قبل احتوائه ومواجهته، وإذا كانت مقولة بوش في ضرورة مواصلة مهاجمة الإرهاب صحيحة فإن السؤال البديهي وهل يواجه السيد بوش بالفعل الإرهاب أم أنه يخوض المعركة مع أعداء آخرين وفي ميادين أخرى لا علاقة لها بالإرهاب؟

لماذا يكون المتورطون في عمليات العنف من المهاجرين إلى أوروبا والمتجنسين بجنسياتها، بل من الأجيال التالية من المهاجرين الذين ولدوا في بريطانيا، وليسوا قادمين إليها بهدف الإرهاب كما كان يحدث في العمليات السابقة في السبعينات والثمانينات والتي كانت تنفذها مجموعات يسارية متطرفة؟ هل كان هؤلاء الذين لا يعرفون العربية يقرؤون ترجمات إنجليزية لرسالة الزرقاوي إلى رفيقه البرقاوي؟ أم أن الظاهرة متصلة بظروف المهاجرين إلى بريطانيا وأوروبا، وبعضهم ولد فيها؟ وهل تكون الإجابة في البيئة المحيطة بالمجتمع والدولة في بريطانيا وليس في الفتاوى والأيدولوجية والأفكار والمبادئ المتطرفة التي يروج لها متطرفون مقيمون في لندن وغيرها؟

"
إذا كان مقبولا في مرحلة ما أن يقدم الإعلاميون أفكارا ومقابلات وتحريات تقع في سياق التسلية والإثارة، فإنها اليوم على الأقل بالنسبة لبريطانيا والدول المعنية بالظاهرة عمليا تمثل تحديا يجب فهمه وتحليله قبل احتوائه ومواجهته
"
من المعلوم أنه يعيش في بريطانيا مجموعات آسيوية من شبه القارة الهندية، وتعود هذه الهجرة إلى أيام الاستعمار البريطاني للهند الكبرى، ويزيد عدد المسلمين البريطانيين الذين ولدوا في بريطانيا على نصف عددهم الكلي، ولا شك أن ظروف اندماجهم في المجتمع البريطاني ومدى شعورهم بالمساواة يؤثر كثيرا على اتجاهاتهم السياسية والاجتماعية. وربما تصلح ظاهرة انتشار التطرف بين اليهود الشرقيين في إسرائيل أكثر من انتشارها بين اليهود الغربيين للاقتباس، فالتحيز والتمييز الذي تعرض له اليهود الشرقيون في الفرص والمعاملة دفع بهم إلى التطرف السياسي والعقائدي، وربما يفسر هذا انتشار أفكار حزب التحرير الإسلامي بين المسلمين البريطانيين من أصل آسيوي.

هل كانت مسألة إقامة عدد كبير من الإسلاميين من مختلف الاتجاهات والأطياف قضية فنية موضوعية متصلة فقط بقوانين وتسهيلات الهجرة، أم أنها كانت متصلة أيضا بمشروع بريطاني باستثمار الظاهرة الإسلامية الصاعدة والواعدة (ربما).

نتحدث بالطبع عن فترة أوائل التسعينات عندما كانت الجماعات الإسلامية غير متورطة في العنف العالمي، وكانت مشاركتها العسكرية مقتصرة على مواجهة أنظمة سياسية لها مشكلة معها مثل مصر والجزائر، أو تساعد المسلمين في البوسنة وأفغانستان في قضاياهم التي كانت الدول الغربية أيضا تؤيدهم فيها.

هل ثمة توظيف للعنف والتطرف؟
ثمة مؤشرات وافتراضات عدة تساعد على المغامرة بالقول إن بريطانيا كانت تنظر إلى الجماعات الإسلامية باعتبارها موردا محتملا أو حليفا احتياطيا أو شريكا محتملا في المستقبل، فالمؤشرات على صعود الجماعات الإسلامية واحتمال وصولها إلى الحكم في أي بلد تجري فيه انتخابات تبدو قوية ومؤكدة.

ومن الحكمة المتوقع أخذها بالاعتبار عند التحليل والفهم أن تسعى بريطانيا الأكثر خبرة وحكمة في العلاقة مع العالم الإسلامي إلى مد جسور من التعاون والتفاهم مع هذه الجماعات، وربما إلى احتوائها أيضا. فقد ذكرت صحف ومصادر إعلامية أن أبو قتادة الأصولي المقيم في لندن كان متعاونا مع المخابرات البريطانية، وقد ذكر ذلك هو بنفسه لوسائل الإعلام، ولم يكن سهلا فهم تصريحات أبو حمزة المغرورة والخيالية إلا في سياق شعوره بالحماية والحصانة.

مغامرات إعلامية سياحية في قواعد المجاهدين!
"
لماذا لم يتحدث أي صحفي عن رحلات رافق فيها المقاتلين العراقيين أو قابل فيها أحدا من قادتهم، أو زيارات للقاعدة وطالبان، أو عن الجماعات القتالية في مصر والجزائر التي تجاوز معتقلوها وقتلاها 200 ألف؟
"
يقوم زملاء صحفيون في عمان بإعداد جولات منظمة على غرار البرامج السياحية لصحفيين عرب وأجانب يتطلعون بشوق ولهفة لإحراز سبق صحفي والوصول إلى المعاقل السرية لجماعات المجاهدين في الأردن، ولا تتوقف قليلا إدارة صحف عريقة ومؤثرة أمام تقارير وتحقيقات تنشرها لمراسليها، ويزعمون فيها أنهم التقوا قادة ونشطاء الحركات الجهادية من جماعات أبو مصعب الزرقاوي وغيره من السلفيين القتاليين ليسألوا أنفسهم أسئلة بديهية: كيف يمكن أن تكون جماعات الزرقاوي والبرقاوي تعمل بحرية وسهولة تمكن الصحفيين من زيارتهم ومقابلتهم؟ وهل استطاع هؤلاء الصحفيون معرفة ما لا تعرفه الأجهزة الأمنية التي يفترض أنها تلاحق هذه الجماعات؟ أم أنها جماعات تعمل بحرية وتغض الحكومة الطرف عنها باعتبارها تقوم بعمل سياسي عادي هو من حقها، وأن ما تقوم به لا يخالف القانون؟

لا يتجاوز مجموع الذين اعتقلوا في قضايا العنف والتطرف "الإسلامي" في الأردن على مدى 15 عاما المئة شخص، ويتراوح عدد أعضاء المجموعة الواحدة في كل مرة يعلن فيها عن "خطة لتنفيذ أعمال إرهابية" العشرة أشخاص (من 2 إلى 10 أشخاص)، ولم يظهر حتى الآن في مجريات محكمة أمن الدولة أنهم ينتمون إلى جماعات وشبكات منظمة، وأنهم ليسوا سوى مجموعات صغيرة تتجمع حول خطة واحدة يتجمعون لأجلها، ودائما يكتشفون في مرحلة التخطيط والإعداد ويعتقلون ويقدمون إلى المحكمة.

لماذا لا تنجح العمليات عادة في الأردن ولا تصل مرحلة التنفيذ؟ ولماذا تنجح جماعات العنف في العراق وأوروبا ولا تكتشف، وتكتشف دائما في الأردن؟ ولماذا يكون الأردن من بين كل البلاد قبلة للصحفيين والمراسلين للاطلاع والبحث والتحقيق حول جماعات العنف والتطرف، وهو من أكثر بلاد العالم خلوا من العنف والتطرف؟

يتحدث الكتاب والمراسلون الصحفيون عن تحركات يقومون بها في المدن والبيوت يقابلون فيها أشخاصا يزعمون أنهم من قادة ومنظري الجماعات السلفية القتالية وهم لا تتعدى مؤهلاتهم الثانوية العامة، وفي الغالب لا يتجاوزون المرحلة الابتدائية، ويكونون عاطلين عن العمل أو يقومون بأعمال محدودة وبسيطة لا تتفق مع ما يوصفون به من ثقافة وتسييس.

فلماذا لم يتحدث أحد من الصحفيين عن رحلات رافق بها المقاتلين العراقيين أو قابل فيها أحدا من قادتهم، أو زيارات للقاعدة وطالبان، وعن الجماعات القتالية في مصر والجزائر التي تجاوز معتقلوها وقتلاها الـ200 ألف؟

لم يسأل صحفي نفسه من هؤلاء القادمين إلى عمان والذين يقيمون غالبا في فنادق خمسة نجوم ويمضون أياما وأسابيع في الأردن يتقصون عن الجماعات القتالية وأسرارها ومخططاتها في أفغانستان ولندن والعراق والجزائر وأفريقيا وآسيا واليمن: ما قيمة المعلومات التي حصل عليها؟ وما علاقتها بما يبحث عنه؟ وكيف يكون تقرير مطول من ثلاث صفحات كاملة منشور في صحيفة عريقة ومحترمة لا تتجاوز المعلومات والمشاهدات التي نشرت فيه وصف لباس المجاهدين وطعامهم وأحاديثهم عن الجهاد وأحكامه والمؤامرات على العالم الإسلامي، وغير ذلك من "سواليف الحصيدة" ثم يقنع نفسه ويريد أن يقنعنا بأنها مخططات حصل عليها لتدمير العالم ومواجهة الحلف الأطلسي؟

لم يتجاوز عدد المعتقلين العرب في العراق المئة شخص وفقا لتصريحات المسؤولين العراقيين والأميركان، وثمة مجهود إعلامي وسياسي عالمي وإقليمي ومحلي لحشرنا في رؤية لا مفر منها أن هؤلاء تخطوا الحدود والأجهزة الأمنية والحواسيب والأقمار الصناعية وتحدوا المارينز والجيوش والعالم.

الزرقاوي.. سذاجة المبالغة وتجاهل السؤال
"
كيف استطاع الزرقاوي هذا الغريب القادم إلى العراق أن يحصل على المال والمعلومات والسلاح والمأوى ويتحرك في مواجهة أقوى دولة في العالم وحلفائها؟ ولماذا ينجح هو ويعجز ملايين العراقيين الغاضبين فضلا عن البعثيين والعسكريين؟
"
كيف استطاع هذا الغريب القادم إلى العراق أن يحصل على المال والمعلومات والسلاح والمأوى ويتحرك في مواجهة أقوى دولة في العالم وحلفائها؟ ولماذا يستطيع هو ذلك ويعجز ملايين العراقيين الغاضبين والمتضررين بالإضافة إلى البعثيين وملايين العسكرين المدربين من الجيش العراقي السابق والحرس الجمهوري والاستخبارات والفدائيين والمنظمات التي كانت تتلقى التدريب وتملك الدافع والمال والمعلومة والخبرة الكافية بالأرض والميدان والناس؟

جماعة التوحيد والجهاد التي تقدمها وسائل الإعلام على أنها منظمة أبو مصعب الزرقاوي التي تدوخ العالم أعلن عنها عام 1995 تحت اسم "بيعة الإمام" ولم يتجاوز عدد أعضائها الثمانية أشخاص، ولم تقم بعمل شيء بالفعل، وحوكم أعضاؤها على أساس تنظيم غير مشروع وحيازة سلاح غير مرخص. ويقول مرشدها أبو محمد المقدسي بوضوح أنه يرفض قتل الأطفال والنساء والشيوخ واستهداف غير المقاتلين، ولا يرى موجبا للقتال سوى الاحتلال وتحت شروط موضوعية وفنية، وقدم إلى محكمة أمن الدولة مرة أخرى، وبرأته المحكمة وأفرج عنه ثم أعيد اعتقاله.

ومنذ ظهرت جماعات العنف والتطرف أوائل التسعينات في الأردن ولا تتجاوز عملياتها التي أعلن عنها وضع عبوة بجوار سور مدرسة أميركية، وإحراق سيارتين إحداهما لمسؤول سابق في المخابرات وأخرى لسائح فلسطيني إسرائيلي، وإطلاق النار ليلا على واجهة بنك بريطاني، وإحراق مكتبة فرنسية، وتفجير سيارة أخرى لضابط في المخابرات فأصيب في قدميه، وإحراق دار للسينما أصيب فيه فقط منفذ العملية الذي تبين أنه شخص مريض نفسيا وهو غير متدين ولا علاقة له بالجماعات الإسلامية، لكنه قام بعمله مقابل 20 دينارا دفعها له أحد الأشخاص. وقد حصل عيد الجهالين منفذ العملية فيما بعد على عفو خاص نظرا لمرضه ولأنه رب عائلة.

واكتشفت عدة محاولات إرهابية وهي في طور التخطيط والإعداد، ثم توجت باغتيال الدبلوماسي الأميركي فولي عام 2002، وهو مسؤول في وكالة الإنماء الأميركية (USAID).

لماذا يفشل الزرقاوي في الأردن وينجح في العراق؟
الإجابة في العراق وليس في الأردن، في البيئة المحيطة بالصراع وليس في الفتاوى والأيدولوجية، في التاريخ والجغرافيا وتفاعلهما معا وليس في كتاب "ملة إبراهيم" للبرقاوي.

فهم العنف والتطرف واستيعابهما ومواجهتهما قضية بالغة الأهمية عالميا وإقليميا ووطنيا، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، تاريخيا وجغرافيا، وجيوسياسيا وجيوستراتيجيا، ولكن ما تقوم به الصحافة العالمية المقروءة والمرئية والمسموعة ووكالات الاستخبارات.. لا يتجاوز التسلية والعبث و"الضحك على اللحى".
________
كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة