2003 عام التحدي الأعظم لأنظمة الشرق الأوسط   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: غراهام فولر

كان عام 2002 عاما سيئا للغاية بالنسبة للشرق الأوسط، لكنه يصعب القول إذا كان أسوء من عام 2001. فعام 2001 شهد وقوع هجمات 11 سبتمبر/ أيلول التي بدأ بها أسامة بن لادن سلسة أحداث قوّت شكيمة المتشددين في واشنطن، كما شهد زوال حركة طالبان وبداية حرب أوسع نطاقا على الإرهاب. أما عام 2002 فقد شهد تحول الولايات المتحدة عن أسلوب التدخلات العسكرية الصرفة إلى التركيز على الشبكات الإرهابية وممارسة الضغط على بعض الأنظمة الإسلامية لحملها على التعاون في تحديد هوية العناصر الإرهابية ووقف مصادر تمويلها ومنعها من التنقل. وشهد العام الماضي أيضا التفاتة أميركية جديدة إلى الأنظمة الموالية لواشنطن كالسعودية وإندونيسيا وباكستان ومصر بقصد دفعها نحو بذل جهد أكبر لوقف الأنشطة الإرهابية، كما شهد بعض التركيز على السعودية وعلى إمكانية أن تكون أموال سعودية مصدرا رئيسيا للإرهاب. وفي العام نفسه بدأت واشنطن تظهر اهتماما جديدا بمسألة سوء الحكم في المنطقة بوصفه مصدرا أعمق للغضب الشعبي ومساندة الإرهاب.


الحرب ضد الإرهاب تشهد تراجعا لصالح القضية الأكبر المتمثلة في تحديد المصادر الحقيقية للإرهاب ومشاعر الغضب في الشرق الأوسط

بيد أن عام 2003 قد يكون أكثر أهمية للشرق الأوسط من عام 2002.. لماذا؟ لأن التركيز فيه سينصب على مسألة تغيير الأنظمة في المنطقة، فالحرب ضد الإرهاب تشهد تراجعا لصالح القضية الأكبر المتمثلة في تحديد المصادر الحقيقية للإرهاب ومشاعر الغضب في الشرق الأوسط.

وفي العام الجديد ستواجه جميع الأنظمة القائمة تحديات جديدة.. هذه التحديات ستكون ثنائية المصدر: من واشنطن ومن شعوب الشرق الأوسط. التحدي القادم من واشنطن واضح كل الوضوح، ففي بضعة أشهر سيكون نظام صدام حسين في خبر كان، ومن الصعوبة بمكان تصور ما سيكون عليه الشرق الأوسط بدون صدام.

الشعب العراقي سيكون مبتهجا بأي نظام جديد -على الأقل لفترة وجيزة- لأنه سيحظى بحريات جديدة. وإذا كانت واشنطن تتمتع بقدر من الذكاء فستسعى لإقامة حكومة ديمقراطية في العراق يكون صوت الشعب فيها القوة المسيطرة. أما إذا كانت غبية فستغادر العراق قبل بناء مؤسسات جديدة وستولي البلاد دكتاتورا عراقيا جديدا أقل بطشا وعدوانية من صدام دون أن يعطي الشعب الحرية التي يستحقها.


عندما تأتي النظم الجديدة إلى الشرق الأوسط فستكون أكثر تحديا لسياسات واشنطن من النظم الحالية التي تخشى شعوبها أكثر من أي شيء آخر. وواشنطن تعرف هذا حق المعرفة وهي لذلك قلقة من انعكاسات تجذير الديمقراطية في المنطقة

إذا كان العراق الجديد ديمقراطيا فعلا وأصبح نموذجا، فإنه سيفرز ضغوطا جديدة على أنظمة أخرى في المنطقة لدفعها نحو الانفتاح وإعادة السلطة إلى الشعب. ولذلك فإن تنصيب نظام ديمقراطي في العراق ليس بالضرورة نبأ سارا للنظم الدكتاتورية في المنطقة. لكن شعوب الشرق الأوسط تريد تغييرا غير التغيير الذي تخطط له الولايات المتحدة، فواشنطن تأمل أن تكون النظم الديمقراطية الجديدة أقل غضبا منها وأكثر تعاونا معها.

لكن عندما تأتي النظم الجديدة إلى الشرق الأوسط فستكون أكثر تحديا لسياسات واشنطن من النظم الحالية التي تخشى شعوبها أكثر من أي شي آخر. واشنطن تعرف هذا حق المعرفة وهي لذلك قلقة من انعكاسات تجذير الديمقراطية في المنطقة. غير أن الآراء في واشنطن منقسمة إزاء هذه القضية، فوزارة الخارجية قالت إنها تؤيد مزيدا من الديمقراطية حتى وإن انتهج الحكام الجدد سياسات لا تروق للولايات المتحدة في المدى القريب.

هاتان القضيتان: نهاية صدام حسين والغضب الشعبي من الأنظمة الدكتاتورية الأخرى في الشرق الأوسط ستكونان القضيتين المسيطرتين في العام الجديد.

لكن ما مدى سرعة انتقال التغيير إلى بقية دول الشرق الأوسط؟ البطء في رأيي هو سُنّة التغيير في هذه المنطقة حيث يبدو الناس خائفين وغير مستعدين للجهر بمطالبهم نحو التغيير، قابلين بالعيش في ظروف وأحوال لا يمكن احتمالها لفترات طويلة.

لعل شعوب هذه المنطقة تعتقد بأن لا سبيل للتغيير وأن قدرهم العيش في هذه الظروف وتحت سلطان هذه القيادات إلى الأبد. هذا النوع من القدرية يقود إلى الشلل السياسي والركود عامة. ومع أني أعلم أن معظم العرب غاضبون من التدخل الأميركي في العراق، إلا أن زوال صدام قد يكون بداية لتغيير عقيدة القدرية عند هذه الشعوب ويشجعها على التفكير في التغيير في بلدانهم. وسيدحض سقوط صدام الاعتقاد باستحالة التغيير.


لعل شعوب هذه المنطقة تعتقد بأن لا سبيل للتغيير وأن قدرها العيش في هذه الظروف وتحت سلطان هذه القيادات إلى الأبد. وهذا النوع من القدرية يقود إلى الشلل السياسي والركود عامة
الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط تخشى سياسة التدخل الأميركية لسببين:

  • الأول- خشيتهم من تفجر الغضب الشعبي والاحتجاجات ضد التدخل الأميركي.
  • والثاني- إدراكها أن هذا الغضب لن يكون موجها ضد الولايات المتحدة فحسب بل ضدها كذلك لجبنها في التصدي لواشنطن. ولذلك تخشى الأنظمة الحرب على العراق أكثر من خشيتها من شعوبها لأنها واقعة في دائرة التهديد.

ولأن وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط تتسم بالبطء فمن غير المرجح أن يسقط هذا العام أي نظام سوى نظام صدام. النظام الوحيد الذي يتربص به خطر محتمل كبير هو الأردن، وهو خطر يتوقف وقوعه على محاولة إسرائيل استغلال الحرب على العراق لترحيل الفلسطينيين من الضفة الغربية. في مثل هذه الظروف سيثور الشعب الفلسطيني في الأردن ضد الهاشميين. ومع ذلك فلا أعتقد أن شارون سيجرؤ على فعل هذا.


النظام الوحيد الذي يتربص به خطر محتمل كبير هو الأردن، وهو خطر يتوقف وقوعه على محاولة إسرائيل استغلال الحرب على العراق لترحيل الفلسطينيين إذ سيثور هؤلاء ضد الهاشميين
الضغط لتغيير أنظمة أخرى في المنطقة سيتواصل وسيزداد، وسيتعين على معظم الأنظمة التهيؤ لاستيعاب المطالب الشعبية الجديدة، ومع ذلك ستسير الأمور ببطء. لعل من الأفضل لعملية تغيير الأنظمة أن تسير ببطء، إذ إن التغيير السريع يفضي إلى فوضى وعنف يكون المستفيد الرئيسي منهما القوى الراديكالية، في حين قد تكون القوى الديمقراطية الخاسرة ضمن سيناريوهات التغيير السريع. ولذلك فالتغيير البطيء أفضل.

وفي ضوء ما تقدم أرى أن العام الجديد سيكون عام التحدي الأعظم لجميع أنظمة الشرق الأوسط تقريبا. لكنه قد يكون عاما إيجابيا إذا بدأت فيه عملية التغيير هذه، إذ ما من شك في أن المنطقة برمتها بحاجة إلى مثل هذا التغيير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة