ثقافة الحرية أم جهالة السخرية؟   
الثلاثاء 1427/3/13 هـ - الموافق 11/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:21 (مكة المكرمة)، 12:21 (غرينتش)


طه عبد الرحمن

لقد أحدث نشر الرسوم المستهزئة بالرسول عليه الصلاة والسلام شرخا كبيرا بين العالمين: الغربي والإسلامي، يُضاف إلى شروخ تهُز أواصر العلاقة بين هذين العالمين، وتُعمِّق هوة ما فتئت تتسع بينهما جراء تراكم أحداث مشابهة.

لذا، فلا يمكن الوقوف عند هذه الرسوم بعينها، والنظرُ إليها على أنها هي وحدها السبب في تأزُّم هذه العلاقة، لأن ذلك لا يكون إلا اختزالا مسرفا أو تضليلا متعمدا يحول دون تبيُّن الأسباب الحقيقية لهذه الأزمة، مما يفضي إلى إخفاق كل المقاربات المقترحة لتحديد طبيعتها وآثارها، فضلا عن إيجاد السبل لتطويقها.

"
المظاهرات التي هزت شوارع العالم منددة بما لحق المسلمين من إهانات وإساءات مسَّت أقدس رموزهم، كانت في نفس الوقت تعبيرا عن غضب الجماهير المتنامي وشجبها الشديد لاستمرار تدخل القوى المهيمنة في شؤونها
"
والواقع أن النفاذ إلى عمق إشكالية هذه العلاقة المتأزمة بين العالمين العربي والغربي لا يتأتى إلا من خلال مداخل ثلاثة أساسية ينبغي الأخذ بها مجتمعة.

أحدها هو تراكم العدوان، إذ لا يمكن فهم الأزمة القائمة إلا إذا ربطنا نشر هذه الرسوم الساخرة بما سبقها من إنتاج فكري وأدبي وفني يطفَح وقاحة واستهتارا بمشاعر المسلمين.

ومن ذلك ممارسات شائنة طالت المصحف الشريف، تدنيسا وتحريفا، وتدخلات سافرة مست محتويات التعليم الديني والمقدسات الإسلامية، ثم سلوكات شاذة ومخزية أذاقت السجناء المسلمين أصنافا من التعذيب وألوانا من الإهانة.

كل هذه التصرفات، على فظاعتها، ما هي إلا فصل من فصول سياسة عدوانية متواصلة عبر تاريخ طويل، ابتدأت بالحروب الصليبية ومحاكم التفتيش، واستمرت مع الاستعمار المصحوب بالنهب والتدمير وإرساء عوامل الضعف وعدم الاستقرار، وما زالت مستمرة بما أنشأته من بؤر التوتر والاحتقان المتمثلة في فلسطين والعراق والسودان وأفغانستان وإندونيسيا والشيشان وإيران وغيرها.

وعندئذ، لا عجب أن يجسِّد الغرب، في أعين المقهورين، مفاسد الظلم والطغيان وازدواجية المعايير؛ وعليه فإن كل استفزاز يَصدر منه إزاء العالم الإسلامي، أيا كان نوعه وقدره، من شأنه أن يوقظ في النفوس هذه المشاعر الساخطة.

فالمظاهرات التي هزت شوارع هذا العالم، مُنددة بما لحق المسلمين من إهانات وإساءات مست أقدس رموزهم، كانت، في نفس الوقت، تعبيرا عن غضب الجماهير المتنامي وشجبها الشديد لاستمرار تدخل القوى المهيمنة في شؤونها، بشكل مباشر أو غير مباشر.

والمدخل الثاني هو ترسيخ التصور النمطي الغربي الفاسد عن الإسلام، فهذا التصور الذي يحمله المخيال الجمعي عند الغرب قد لعب ولا يزال يلعب أدوارا حاسمة في بناء رؤاه واتخاذ مواقفه حيال الذات والآخر.

فالصور المستهزئة التي أشعلت فتيل الأزمة، متجرئة على نبي الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم، تُوضح كيف أن هذا التصور النمطي الغربي جرى على عادة ربط الإسلام بالعنف والتعصب والهمجية والانغلاق.

ولو سلمنا بأن الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قد تنمّ عن جهل مرتكبها بمقدار الأذى الذي ألحقه بالمسلمين، فلا يمكن أن نُسلم بأن هذا التصور النمطي لا يعكس حقيقة الصورة المضمرة في المخيال الجمعي الغربي عن الإسلام.

فالغرب، حقا، لم يغادر قرونه الوسطى فيما يخص صورته عن هذا الدين الحنيف، وهي الصورة التي كنا نظن أن علمانيته أو عقلانيته قد قطعت معها إلى الأبد؛ لهذا، فلا غرابة أن نجد فئات منه، هنا وهناك، تتذرع، مرة بعد أخرى، بقيم الليبرالية والديمقراطية والحرية من أجل إحياء موروثها القديم من مشاعر الحقد والكراهية للمسلمين وافتراء الكذب والبهتان على الإسلام.

"
المفارقة في موقف الغرب هي أنه يرفع عن حرية التعبير كل القيود والضوابط متى حصل استهداف الإسلام والمسلمين، لكنه يبادر إلى مصادرتها كليا متى تعلق الأمر بشبهة "معاداة السامية" أو التشكيك في "المحرقة"، بل إنه لا يتردد في محاكمة من يجرؤ على هاتين القضيتين
"
المدخل الثالث هو التسيّب في ممارسة حرية التعبير، إذ يدعي الغرب -سياسيين ومفكرين وفنانين وإعلاميين- أن حرية التعبير، كواحد من حقوق الإنسان الثابتة، حرية مطلقة غير مقيدة.

إلا أن المفارقة العظمى في موقفه هي أنه يرفع عنها، فعلا، كل القيود والضوابط متى حصل استهداف الإسلام والمسلمين، لكنه يبادر إلى مصادرتها كليا متى تعلق الأمر بشبهة "معاداة السامية" أو التشكيك في "المحرقة"، بل إنه لا يتردد في محاكمة من يجرؤ على ممارسة حريته في الرأي بشأن هاتين القضيتين.

ولا يخفى على ذي بصيرة أن حرية التعبير ليست بهذا الإطلاق المزعوم ولا بهذا التسيب المذموم؛ وينهض دليلا على ذلك وجود قيود متعددة وضعها الغرب نفسه على هذه الحرية.

منها قيود سياسية وأيديولوجية ترفض كل فكر لا يتفق مع اختيارات الغرب وتوجهاته؛ ومنها أيضا قيود قانونية مصدرها الدساتير والقوانين الداخلية وأيضا القانون الدولي الذي اجتهد في ضمان حرمة الإنسان وحقه في الاختلاف الثقافي وحماية اختياراته العقدية.

ومنها كذلك قيود قيمية وأخلاقية أساسها اشتراك الإنسانية في قيم خالدة تضمن الكرامة لكل الأفراد وتُرسخ أسباب التعايش وتواصل الشعوب والثقافات.

وبناء على هذا كله، وأمام هذا الانفلات القيمي الخطير الذي يضر بأمن المجتمع الإنساني، فإن استصدار تشريعات قانونية تحمي جميع الأديان من الإساءة والتطاول، وإن بدا ضروريا، لا يكفي بمفرده للقضاء على جذور الأزمة.

قد تكون مثل هذه التشريعات خطوة أولى في طريق الحد من الاستفزازات السافرة، وفي امتصاص الغضب المتنامي، ولكنها لا تستطيع أن تُغير نمط العلاقة الاستعمارية والاستعلائية التي يقيمها الغرب مع العالم الإسلامي، ولا أن تُبدل الصور النمطية التي كونها عن الإسلام.

ذلك أن تغيير هذه العلاقة وتبديل هذه الصور يدخلان في صميم اختصاص الثقافة والتربية، ولا يستطيع أن ينهض بهذه المهمات الثقافية والتربوية إلا أهل الفكر.

"
استصدار تشريعات قانونية تحمي جميع الأديان من الإساءة والتطاول، وإن بدا ضروريا، لا يكفي بمفرده للقضاء على جذور الأزمة
"
فباستطاعة هؤلاء اكتشاف المخاييل الجمعية وتحليل مكوناتها وبيان كيفيات اشتغالها، فضلا عن قدرتهم على تصحيح التصورات الفاسدة عن الحقوق والحريات وتحديد الأسس السليمة التي تنبني عليها العلاقات المتوازنة بين الأطراف.

لهذا، فنحن، في منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين، انطلاقا من موقع المسؤولية الفكرية وخدمة لقيم التآلف بين الشعوب، نهيب بالحكماء والشرفاء من أهل الفكر في كلا العالَمين: الإسلامي والغربي أن يهبّوا إلى تحمل هذه المهمة التنويرية التربوية الجسيمة، ألا وهي تفكيك الصور النمطية التي يتشكل منها المخيال لدى الغرب وكشف السلوكات الاستكبارية التي ما فتئ ينتهجها إزاء شعوب العالم الإسلامي.

وندعو كذلك إلى إظهار زيف الممارسات غير المسؤولة التي تتعلل بثقافة الحرية والتي لا تبِين إلا عن جهالة تفتح على العالم باب الفتنة، وتجرُّه إلى ما لا تحمد عقباه!
__________________
كاتب مغربي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة