فلسطين وانتخابات الربيع المتجدد في تركيا   
الثلاثاء 16/6/1435 هـ - الموافق 15/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:26 (مكة المكرمة)، 14:26 (غرينتش)
عزت الرشق


نصرة شعبنا
تاريخ يتجدد
ربيع للقضية

من حسن الموافقات التي تدعو للتفاؤل أنّ الربيع العربي قام ليقتلع جذور الاستبداد السياسي، كما أن تركيا أقامت عرسها الانتخابي الحرّ مع بدايات الربيع الذي زيّن شوارعها بالتوليب، لتكرّس نهجها الديمقراطي، وتؤكّد إصرارها على أن الكلمة والموقف من صنع الشعب.

يستكثرون على شعبنا الفلسطيني إظهار الفرح بنتائج الانتخابات البلدية التركية! ألا يكفينا أنّ الصحافة الصهيونية وصفت النتيجة بأنَها "كارثة" بالنسبة للكيان!

نصرة شعبنا
علم السياسة مترابط متشابك ومعقّد، فلا يوجد كيان سياسي مجرّد عمّا حوله، لكلٍّ وجوده وفكره وسياساته وتحالفاته، التي لا تقوم إلاَّ بعد دراسة مستفيضة للخريطة الجيوسياسية المحيطة به.

نهتم بتركيا لأنها نموذج مشرّف لدولة حضارية استطاعت الجمع بين عراقة التاريخ ومقتضيات الحداثة، وبين حسابات المرحلة وموجبات الدور الإنساني، وبين المصالح السياسية والوقوف إلى جانب المظلوم

ومن هنا يحقّ لحركة حماس -وأيضا كل قوّة سياسية في الإقليم والعالم- متابعة المتغيّرات التي تعنيها وتمسّ القضية الفلسطينية، فمدى القرب والبعد عن القضية الفلسطينية بمفرداتها المختلفة هو "الترمومتر" الذي تقيس به حركة حماس أبعاد علاقاتها الدولية والإقليمية.

تابعنا باهتمام سير الانتخابات البلدية في تركيا، وفرحنا عندما قرّر الشعب التركي إعطاء ثقته لحزب العدالة والتنمية، فلماذا الاهتمام؟ ولماذا السعادة؟

نهتم بدولة كبرى كتركيا لأنها نموذج مشرّف لدولة حضارية استطاعت الجمع بين عراقة التاريخ ومقتضيات الحداثة، وبين حسابات المرحلة وموجبات الدور الإنساني، وبين المصالح السياسية والوقوف إلى جانب المظلوم أيّا كان ورفض الظلم من أيّ طرف كان.

نهتم بتركيا لأنَّها دولة كبرى لها مكانتها الإقليمية، وسياساتها الدولية الوازنة المستقلة تماما، والقرب منها غاية لكلّ كيان سياسي، فما بالكم بنا كحركة مقاومة نحتاج أصلا دعم الجميع في نصرة قضيتنا، والوقوف في وجه الكيان الصهيوني الذي انتهك كلّ المحرمات الإنسانية والقانونية والدولية من خلال ممارساته الاحتلالية خلال 66 عاما.

نهتم بتركيا لأننا بأمسّ الحاجة لدعم شعب عريق مثل الشعب التركي، ودولة تنظر إلى قضيتنا بعين المظلومية، فترى واقعنا بوضوح شديد، وتتعامل معنا كشعب مظلوم تمارس عليه أبشع أشكال الاحتلال الإحلالي والجرائم العنصرية، وتتعامل مع قضيتنا كقضية مركزية لا يجوز معها الابتزاز والاستغلال.
فمع كل هذه التقاطعات، كيف لأيّة قوّة سياسية فلسطينية أن تغفل أو تتغافل عن الدور التركي!؟

تاريخ يتجدد
لقد كان لمواقف تركيا، حكومة وشعبا، الأثر البالغ في نفوس جماهير الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وهم يستشعرون مواقف أسلافهم في الدفاع عن أرض فلسطين.

وعندما تقرأ الأجيال مواقف السلطان عبد الحميد الثاني التاريخية في الحفاظ على الأراضي الفلسطينية ومنع الهجرة اليهودية إليها ما بين 1882 و1903 ومقولته الشهيرة: "إنّي لا أستطيع أن أتخلَّى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست مِلْك يميني، بل مِلْك الأمة الإسلامية التي جاهدت في سبيلها، وروتها بدمائها".. وغيرها من المواقف تشعر بالفخر والاعتزاز بها تماما، كما أثلجت صدورها اليوم مواقف حزب العدالة والتنمية من قضايا وأحداث الأمَّة الإسلامية عموما والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص منذ تولّيه السلطة في تركيا.

فما يقوم به هذا الحزب من دور واضح وملموس في دعم القضية الفلسطينية ما هو إلاَّ حلقة ثمينة من سلسلة المواقف الشجاعة التي لم يكن أولها السلطان عبد الحميد الثاني ولن يكون آخرها رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان.

ما يقوم به العدالة والتنمية من دعم للقضية ما هو إلاَّ حلقة ثمينة من سلسلة المواقف الشجاعة التي لم يكن أولها السلطان عبد الحميد الثاني ولن يكون آخرها رئيس الوزراء أردوغان
فتركيا وإن عاشت فترة في ظل المواقف القريبة من الكيان الصهيوني والمنحازة له ليست تركيا التي تمثل طبيعة الشعب التركي الأصيل الذي يعتبر الفلسطينيين إخوة في العقيدة وأنّهم يتعرّضون للإجرام والتصفية بفعل آلة الحرب الصهيونية وواجبهم الوقوف معهم ونصرتهم ودعم صمودهم، وهو الشعب نفسه الذي زكّى وأعطى تأييده الكبير لمشروع حزب العدالة والتنمية من 2002 إلى الانتخابات البلدية الأخيرة 2014، وهو الشعب نفسه الذي سيظل داعما للشعب الفلسطيني وقضيته.

شكّلت القضية الفلسطينية وتداعياتها قطب الرّحى في السياسة الخارجية التركية تجاه الاحتلال الصهيوني، فكلّما كان التعنّت والصلف الصهيوني قائما ضد الشعب والأرض الفلسطينية، كانت المواقف التركية حازمة ضد الاحتلال، وأخذت صورا شتى يحتفظ بها الشعب الفلسطيني في ذاكرته.

فالمسؤولون الأتراك سجّلوا مواقف نكنّ لها كلّ التقدير في وجه الغطرسة الصهيونية، فامتنعوا -بأساليبهم الدبلوماسية- عن تلبية دعوات متكرّرة لقادة صهاينة، ووجّهوا رسائل غاضبة وقوية ضد الكيان بسبب عدوانه المتواصل على الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته وحصاره الجائر ضد شعبنا في قطاع غزة.

كما أنَّ القرار السياسي التركي كان حرمان جيش الاحتلال الإسرائيلي من المشاركة في "نسر الأناضول"، وهي مناورات لحلف شمال الأطلسي جرت عام 2009 في تركيا، وذلك بعد حرب جيش الاحتلال الإجرامية على قطاع غزّة.

لم ننسَ الموقف البطولي لرئيس الوزراء التركي في منتدى دافوس، وردّه الإنساني العظيم على رئيس الكيان الصهيوني شمعون بيريز.

كما أنَّ شهداء أسطول الحرية الأتراك سيظلون مصدر فخر لنا كمقاومة وشعب فلسطيني، عندما قرّروا كسر الحصار عن قطاع غزّة ودفعوا أرواحهم ثمنا لذلك.. فكيف ننسى؟! سنبقى أوفياء لتركيا وشعبها وشهدائها.

ربيع للقضية
وفيما يخصّ نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة، التي أظهرت تقدّما كبيرا لحزب العدالة والتنمية، فأحبُّ أن أوضّح بعض النقاط:
نتطلّع لاستمرار الدور الرّسمي والحاضنة الشعبية التركية لقضيتنا العادلة، فهي بأمسّ الحاجة لدور محوري فاعل، تؤدّيه الجمهورية التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية

سعدنا بنتائج الانتخابات ليس لأننا مع طرف ضدّ طرف، ولكن لأننا أمام تجربة ديمقراطية مشرّفة، وخيار شعبي حرّ، وهذا ما نؤيّده من حيث المبدأ.

تناقضنا الوحيد كحركة مقاومة فلسطينية مع الاحتلال الصهيوني، ولا نخفي رضانا عن أيّ موقف دولي رادع للاحتلال ومؤيّد لحقوق الشعب الفلسطيني، وهذه المواقف كانت كثيرة في ظل الحكومات المتعاقبة لحزب العدالة والتنمية، ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان.

نحن الفلسطينيين سعدنا بالالتفاف الجماهيري التركي العظيم حول الراية السياسية التي دعمت قضية فلسطين، ووقفت مع مظلومية الشعب الفلسطيني وضدَّ ظالميه، وقدّمت كلّ أشكال الدعم لكسر الحصار عن غزّة الأبية، وأعلنت موقفها الرَّافض لتهويد القدس وتدنيس المسجد الأقصى المبارك.

وإننا إذ نبارك للشعب التركي الشقيق عرسه الديمقراطي، وخياره الحرّ، فإننا نتطلّع لاستمرار الدور الرّسمي والحاضنة الشعبية التركية لقضيتنا العادلة، فهي بأمسّ الحاجة لدور محوري فاعل، تؤدّيه الجمهورية التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية، والقائد المناصر للقضايا الإنسانية رجب طيّب أردوغان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة