أوكرانيا والنفق المظلم   
الخميس 1435/7/10 هـ - الموافق 8/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:38 (مكة المكرمة)، 13:38 (غرينتش)
أسامة الترابي


اعتماد لغة السلاح
مخالفة القوانين والدستور
الانقسام الأوكراني
روسيا أعدت العدة

ذهبنا نستبق وتركنا "القرم" عند متاعنا فأكلها الذئب ونحن عنه غافلون. على هذا النحو ستكون إجابة النخب الأوكرانية إذا ما وقفت يوما ما أمام محكمة التاريخ.

في غمرة صراعاتهم حول اقتسام السلطة والثروة, قدم الساسة الأوكرانيون جزيرة القرم لقمة سائغة للذئب الروسي فداء لما بقي من أوكرانيا. فهل أشبعوه؟ يجيب على السؤال المثل الروسي القائل "مهما أطعمت الذئب سيبقى متوجها بنظره نحو الغابة".

تشير الدلائل إلى أن الشهية الروسية في الأراضي الأوكرانية لا حدود لها. بإعلانها الخروج عن اتفاقية خاركوف -التي مددت بقاء أسطول البحر الأسود الروسي حتى العام 2042- أكدت روسيا أن دخولها القرم لم يكن جولة سياحية عابرة, وأن الواقع الجديد لا رجعة عنه في المدى القريب.

استبعاد الغرب خيار القوة العسكرية في صد العدوان على أوكرانيا, أعطى روسيا إشارة خاطئة بإمكانية التقدم أكثر, وأنه لا تنتظرها إستراتيجية غير العقوبات المتأنية. هنري كيسينجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق كان صادقا حين قال "إن العقوبات لا تعبر عن إستراتيجية, إنما تعبر عن غياب الإستراتيجية".

استبعاد الغرب خيار القوة العسكرية في صد العدوان على أوكرانيا, أعطى روسيا إشارة خاطئة بإمكانية التقدم أكثر, وأنه لا تنتظرها إستراتيجية غير العقوبات المتأنية

أكثر من أربعمائة مليار دولار هي حجم التبادل التجاري بين روسيا والاتحاد الأوروبي (2012), تقف حائلا أمام اتخاذ عقوبات اقتصادية رادعة, على الأقل في المدى القريب. هذا ما يفسر الانقسام الكبير داخل الأسرة الأوروبية حيال العقوبات. إذن فالإشارة الضوئية ما زالت خضراء أمام روسيا لتلتهم المزيد من الأراضي الأوكرانية.

إن مشاريع النهضة بالأمم الكبرى عادة ما تتطلب عدة سنوات, وربما تعاقبت أجيال حتى يأتي الجيل الذي سينتشي حلاوة النصر بتحقيق النهضة المنشودة, التي هي حلمٌ مشروعٌ لكل الأمم.

تأتي محنة الأمة إذا سطا على هذا الحلم دكتاتور رسم لنفسه أن يدخل التاريخ من البوابة الخلفية. وحتى يتأتى له ذلك, يسلك أحد طريقين: أن يستعجل النصر بارتكاب الحماقات, أو يتمهل الخطى ويبقى على الحكم عشرات السنين في انتظار تحقيق الحلم المنشود. فتبقى الأمة أسيرة لديه, إما أن ينتحر بها, أو أن تموت معه موتا بطيئا. والشواهد التاريخية كثيرة يطول المقام بذكرها.

يعتقد بوتين أن تفكيك الاتحاد السوفياتي بالطريقة الدراماتيكية السريعة في أواخر القرن الماضي كان خطأ فادحا أهدر مكتسبات الأمة الروسية التي حققتها خلال عدة قرون. كما يرى في نفسه القيصر المنوط به لملمة أشلاء الإمبراطورية الروسية.

رغم عدوان بوتين غير المبرر, ينبغي أن ندرك أن الغرب والداخل الأوكراني قدما له مسوغات قوية سهلت مهمته وأوجدت لها أرضية من المغالطات القانونية.

لم يكن للبروباغاندا الروسية أن تجد لنفسها آذانا صاغية في الداخل والخارج لولا اعتمادها مزج القليل من الحقائق بالكثير من الأكاذيب والترهات. إن التصور الصحيح لهذه المسألة يفضي إلى نتائج صحيحة, والقاعدة تنص على أن "الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره".

اعتماد لغة السلاح
إن الطريقة التي انتهجها "القطاع الأيمن" في مسيرته السياسية منذ أواخر حكم الرئيس المخلوع يانوكوفتش وإلى اليوم, تضمنت مخالفات قانونية جسيمة وأعمالا تعتبر إجرامية في أكثر البلدان ديمقراطية في العالم.

فقد وصل اليمين المتطرف إلى أهدافه -المشروعة وغير المشروعة- بالسيطرة على مؤسسات الدولة, كمقار الأجهزة الأمنية والمجالس البلدية ومخافر الشرطة, وحرقها والاستيلاء على ممتلكاتها بما في ذلك الأسلحة. إلى أن تحول في خاتمة المطاف إلى فصيل مسلح يحاصر البرلمان والمحكمة العليا وكل ما وصلت إليه فوهات بنادقه.

أدت هذه الظاهرة لتشكل كتائب الدفاع الذاتي في شبه جزيرة القرم والولايات الشرقية كردة فعل منطقية, وتم تسليحها من قبل دولة أجنبية.

مخالفة القوانين والدستور
كذلك فإن عزل الرئيس المخلوع يانوكوفتش لم يتم بطريقة دستورية محضة. فقد افترضت القوى السياسية المناوئة له تخليه عن القيام بمهامه الدستورية. وبناء عليه صوت 72.8% من نواب البرلمان على قرار عزله, الذي دخل حيز التنفيذ بمجرد التصويت عليه في مخالفة صريحة للدستور الذي ينص على أن النصاب المطلوب لعزل الرئيس 75% من أصوات النواب, يليه تمرير القرار على المحكمة الدستورية وهذا ما لم يتم.

إضافة إلى خرق اتفاقية 21 فبراير التي تمت برعاية أوروبية. اعترف الغرب بالحكومة التي انبثقت عن نتائج الإجراءات غير الدستورية باعتبار أن البلاد في حالة ثورية.

رغم عدوان بوتين غير المبرر, ينبغي أن ندرك أن الغرب والداخل الأوكراني قدما له مسوغات قوية سهلت مهمته وأوجدت لها أرضية من المغالطات القانونية
هذا التجاوز الدستوري أدى إلى تجاوزات دستورية أخرى من قبل القوى الانفصالية الموالية لروسيا, تمثلت في استفتاء القرم والاستفتاءات التي تتم الدعوة إليها الآن في ولايات الشرق (خاركوف, ودونيتسك، ولوغانسك).

الانقسام الأوكراني
تعود جذور الانقسام إلى سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية, فقد كان الغرب الأوكراني جزءا من مملكة المجر والنمسا ضمه ستالين للاتحاد السوفياتي قبيل الحرب العالمية الثانية, وعند اندلاعها قاتلت قوات أوكرانيا الغربية بقيادة الزعيم ستبان بانديرا إلى جانب الألمان ضد القوات السوفياتية وبقيت متمردة في الغابات الأوكرانية, ومات ستالين دون القضاء عليها رغم جبروته وسطوته.

بقيت آثار الانقسام إلى يومنا هذا بحيث لا تكاد تجد سياسيا أوكرانيا واحدا له القدرة على توحيد الجماهير في الشرق والغرب, وهذه هي الحقيقة المرة التي لا حياد عن تفهمها واستيعابها.

الأحزاب اليمينية المتطرفة كحزب الحرية جذرت الانقسام في المجتمع الأوكراني بدعوتها للوضع المهيمن للأمة الأوكرانية ولغتها. وتتلخص أدبياتها في العداء الصارخ لروسيا واللغة الروسية.
يدخل حزب الحرية كمكون أساسي في الحكومة الجديدة ويتقلد أعضاؤه مناصب قيادية, بما في ذلك أجهزة إنفاذ القانون.

بدورها لم تسع أحزاب المعارضة الأخرى إلى كبح جماح اليمين المتطرف, بل على العكس تحالفت معه سياسيا فجرفها إلى أتون الأزمة بتأجيج الروح الانفصالية في الشرق والجنوب.

وقد كانت محطة التجاوزات الأولى مع ميخائيل غورباتشوف في العام 1990, فقد نادى بفكرة البيت الأوروبي المشترك وإرساء نظام دفاعي موحد وحل حلفي الناتو ووارسو, فلم يرض الغرب إلا بحل الأخير.

وعند توحيد ألمانيا, تعهدت كل من الولايات المتحدة وألمانيا ودول أخرى في الحلف بأن الناتو لن يتوسع شرقا, إلا أن التعهدات وجدت طريقها إلى عرض الحائط.

وتوسع الحلف بسرعة مذهلة ليضم دول البلطيق التي كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي، حتى أن وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس وصف التوسع السريع للناتو بالخطأ الكبير ووصف دعوة أوكرانيا للحلف بالاستفزاز.

كما سعى الحلف إلى نشر منظومة الدفاع الصاروخي في كل من بولندا والتشيك غير عابه بالتنديدات الروسية التي اعتبرت الخطوة مهددة لأمنها القومي. ثم إن روسيا ترى أن الحلف خالف القانون الدولي في يوغسلافيا بقصفه مواقع مدنية في صربيا.

تحدث أوباما عن مبدأ سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها, في حين أن بلاده انتهكت هذا المبدأ في أفغانستان والعراق دون أدنى تفويض من الأمم المتحدة.

روسيا أعدت العدة
حين أقدمت على عدوانها, كانت روسيا تعلم عن أوكرانيا ما لا تعلمه هي عن نفسها. فقد أقرت النخب الحاكمة في كييف بأن أجهزة الاستخبارات الروسية تغلغلت في أجهزة الجيش والأمن الأوكرانية وزرعت عملاءها الذين عمدوا إلى إضعاف الجيش الأوكراني والأجهزة الأمنية.

ونسبة لكون أوكرانيا كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي, أدى ذلك إلى معرفة روسيا التامة بالجغرافيا الأوكرانية, كما أنها تحتفظ بكامل الأرشيف الأوكراني لحقبة ما قبل الاستقلال.

قبل إقدامها على المواجهة العسكرية, كانت روسيا واثقة من جاهزية جيشها عدة وعتادا. فقد خاض حروبا في الشيشان تجاوزت في مجملها العشر سنوات. ويضم في وحداته مقاتلين شيشانيين ذوي تدريب عال خاضوا حروبا ضد الجيش الروسي نفسه ثم انخرطوا في صفوفه, ومعه شاركوا في حرب الأيام الخمسة ضد جورجيا.

في المقابل تواجه أوكرانيا الجحافل الروسية بجيش قليل العدة ضعيف العتاد, غير مضمون في أي الجبهات سيقف جنوده إذا حمي الوطيس.

في وقت سابق, صرح الجنرال فيليب بريدلاف القائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا بأن القوات الروسية قادرة على تحقيق أهدافها خلال ثلاثة أو خمسة أيام إذا تلقت أوامر بذلك.

وأوضح بأن الأهداف المحتملة قد تكون الهجوم على الجنوب الأوكراني بهدف فتح ممر بري يربط جزيرة القرم بمنطقة بريدنيستروفي المتنازع عليها بين روسيا وملدافيا.

يحدثنا التاريخ أنه في ربيع عام 1968 أراد الزعيم التشيكوسلوفاكي ألكساندر دوبتشيك إجراء إصلاحات تتضمن رفع حقوق المواطنين ودمقرطة الحياة السياسية ومحاربة المركزية في الحكم.

باستدعاء الذاكرة التاريخية القريبة ندرك أن الكرملين لديه من السوابق ما يعزز أيا من السيناريوهات المطروحة والتي تقود جميعها لمحاولة عرقلة الانتخابات المنتظرة
الشيء الذي اعتبره الزعيم السوفياتي نيكيتا خوروتشوف انحرافا عن المسار الشيوعي, فاستعدى عليه دول حلف وارسو-عدا رومانيا- واجتاح تشيكوسلوفاكيا في الحادي والعشرين من أغسطس/آب بقوات قوامها نصف مليون جندي, أنهت مهمتها في أقل من أربع وعشرين ساعة في ما عرف بـ"عملية الدانوب" التي أطاحت بالحكومة الإصلاحية ونصبت حكومة موالية لموسكو, وصفّت بذلك الربيع البراغي. من هنا ندرك بأن ذاكرة التاريخ مليئة بالحماقات.

تحدثت تقارير بريطانية بأن روسيا قد حشدت أربع مجموعات من الجيوش على الحدود الشرقية والشمالية لأوكرانيا يصل عددها إلى خمسين ألف فرد في جاهزية قتالية تامة. تخطط روسيا, وفق الخبراء البريطانيين, لأربعة سيناريوهات.

- السيناريو الأول: يتضمن استعراضا سريعا للعضلات, لإقناع أوكرانيا والمجتمع الدولي بقبول ضياع القرم كحقيقة أصبحت في حكم الماضي.

- السيناريو الثاني: ستشجع روسيا الفوضى المسلحة في الولايات الشرقية (خاركوف, ودونيتسك ولوغانسك) مما يسوغ لها التدخل وفتح ممر بري يربطها بشبه جزيرة القرم عبر ولاية دونيتسك والتي ستكون ضمتها فعليا لأراضيها.

- السيناريو الثالث: هو عبارة عن توسيع لما قبله، ويفضي إلى تقسيم البلاد إلى نصفين شرقي وغربي. يدخل القسم الشرقي ضمن المكونات الفدرالية الروسية.

- السيناريو الرابع: يفترض قيام روسيا بمناورات في ولايتي خيرسون وأوديسا لفتح ممر بري يربط ولاية بريدنيستروفي (الملدافية) بشبه جزيرة القرم. وبذلك تكون روسيا قد تحكمت في أجزاء واسعة من سواحل البحر الأسود الشمالية.

القاسم المشترك بين السيناريوهات جميعا هو عرقلة الانتخابات الأوكرانية المزمع إجراؤها في الخامس والعشرين من مايو/أيار المقبل. وباستدعاء الذاكرة التاريخية القريبة ندرك أن الكرملين لديه من السوابق ما يعزز أيا من السيناريوهات المتقدمة أو جميعها.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة