مصر ولعبة الأمم في أفريقيا   
الخميس 1434/1/30 هـ - الموافق 13/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:49 (مكة المكرمة)، 12:49 (غرينتش)
حمدي عبد الرحمن

 
في الوقت الذي تحاول فيه مصر الثورة جاهدة التوافق على خريطة طريق تخرجها من عثرات مرحلتها الانتقالية تعمد القوى الدولية الفاعلة على إعادة الهندسة الجيوإستراتيجية لأفريقيا بما يخدم مصالحها وأهدافها القومية. ولا شك أن تلك العملية التي أطلق عليها اسم التكالب الجديد على أفريقيا قياسا على عملية التقسيم الاستعماري الأولى في نهاية القرن التاسع عشر سوف تفضي لا محالة إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية لأفريقيا في السنوات القليلة القادمة. وقد يعني ذلك حدوث عمليات تفكيك وتفتيت لكيانات قائمة أو في المقابل إعادة تركيب لكيانات جديدة.

جدلية التكامل والتقسيم
لعل أخطر ما يميز هذه المرحلة من تاريخ التنافس الدولي في أفريقيا هو سقوط مبدأ قدسية الحدود الموروثة عن العهد الاستعماري الذي ظل يحكم العلاقات الدولية الأفريقية طيلة سنوات الحرب الباردة. وربما يفسر لنا ذلك فشل المحاولات الانفصالية التي شهدتها بعض الدول الأفريقية مثل إقليم كاتنجا في جمهورية الكونغو الديمقراطية وإقليم بيافرا في نيجيريا.

ويبدو أن إعلان استقلال إريتريا في أوائل التسعينيات من خلال إجراء استفتاء شعبي يمثل بداية هامة لإعادة النظر في مسألة قدسية الحدود. ففي العام 2011 قدم السودان نموذجا آخر لهذا التوجه الجديد في أفريقيا من خلال السماح بانفصال الجنوب وتكوين دولته المستقلة.

أخطر ما يميز هذه المرحلة من تاريخ التنافس الدولي في أفريقيا هو سقوط مبدأ قدسية الحدود الموروثة عن العهد الاستعماري الذي ظل يحكم العلاقات الدولية الأفريقية طيلة سنوات الحرب الباردة

وعليه سوف يصبح التوجه الدولي حاسما في تقرير مصير عدد من المحاولات الانفصالية في أفريقيا، مثل إقليم أزواد شمال مالي وإقليمي أرض الصومال وبلاد بونت في الصومال الكبير والصحراء الغربية في المغرب وإقليم كازامانس في السنغال. بيد أن الحالة الأكثر خطورة تتمثل في إقليم شرق الكونغو، حيث إنها تشمل جانبي الصياغة الجديدة لأفريقيا (أي الفك والتركيب).

فالإقليم يسعى بفعل مؤثرات داخلية ودولية للانفصال، وتحاول كل من رواندا وأوغندة الفوز به وضمه لأراضيهما. ولا يخفى أن هذا الإقليم غني جدا بثروته المعدنية مثل النحاس والذهب والكولتان والماس واليورانيوم وحتى الأخشاب.

واللافت للانتباه أنه رغم وجود تقارير دولية تتهم كلا من رواندا وأوغندة بتزويد المتمردين في شرق الكونغو بالسلاح والعتاد لا يحرك المجتمع الدولي ولا سيما الولايات المتحدة ساكنا. وثمة مشابهة بين وضع رواندا في السياسة الأفريقية للولايات المتحدة ووضع إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، حتى إن بعض المحللين أطلق على رواندا اسم "إسرائيل أفريقيا".

فالقيادة الرواندية بزعامة بول كاجامي تحظى بتأييد كامل من الإدارة الأميركية. كما أن الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني يقايض دوره في الصومال، حيث يمتلك قوة عسكرية كبيرة داخل الأراضي الصومالية، بالحصول على امتيازات داخل منطقة شرق الكونغو. وربما يعني ذلك في أحد جوانبه أننا أمام عملية تقسيم استعماري جديدة لأفريقيا، ولكن بمشاركة قوى أفريقية هذه المرة.

ولا يخفى أن إمكانية انفصال شرق الكونغو سوف يعني إعادة صوغ منطقة البحيرات العظمى التي تمثل أحد المصادر الهامة لمياه النيل. وإذا استكملنا الصورة في منطقة القرن الأفريقي وجدنا أن تفكيك الصومال وانفصال جنوب السودان يصب كل منهما لصالح قوى إقليمية غير عربية، هي إثيوبيا وكينيا.

وقد برز ذلك واضحا في دعم جهود التكامل الإقليمي في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا. ولعل المعادلة الواضحة في عمليات الفك والتركيب تلك هي إضعاف دول الأطراف العربية (الصومال والسودان وجيبوتي) لصالح دول الجوار الأفريقية (إثيوبيا وأوغندا وكينيا).

ثنائية النفط والأمن
من الواضح أن القوى العالمية القديمة والجديدة، مثل الولايات المتحدة والصين والهند والبرازيل وبريطانيا وفرنسا، تتنافس فيما بينها للوصول إلى الموارد الطبيعية في أفريقيا ولا سيما النفط والغاز الطبيعي. وطبقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية فإن حجم الاستثمار في قطاعي النفط والغاز في أفريقيا سوف يصل في الفترة (2010-2035) إلى نحو (2.1) تريليون دولار.

وفي السنوات القليلة الماضية حققت الصين تقدما ملحوظا على بقية القوى الدولية في اكتساب النفوذ الاقتصادي في أفريقيا، فقد أضحت الصين الشريك التجاري الأكبر لأفريقيا بمعدل يصل إلى نحو (166.3) مليار دولار، وهو ما يعادل نحو ثلاثة أضعاف ما كان عليه في العام 2006.

أضحت الصين الشريك التجاري الأكبر لأفريقيا بمعدل يصل إلى نحو (166.3) مليار دولار وهو ما يعادل نحو ثلاثة أضعاف ما كان عليه في العام 2006

ويبدو أن الدول الأفريقية تفضل الصين لأسباب عديدة، فهي دولة نامية وليس لها ماض استعماري سابق في أفريقيا كما أنها لا تقيد مساعداتها التنموية بأي قيود وشروط سياسية. ومن الطريف أن القوى الغربية التي استعمرت أفريقيا من قبل تتهم الصين بأنها تمثل قوة استعمارية جديدة في القارة الأفريقية.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد أدركت مؤخرا أهمية القارة الأفريقية من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية فإنها تخطط لكي تحصل على نحو 25% من احتياجاتها النفطية من أفريقيا بحلول العام 2015.

ومع ذلك فإن الادارة الأميركية منذ عهد الرئيس جورج بوش الأب قد أسست لما يمكن تسميته "طريق التوابل الجديد" في أفريقيا، حيث يشير إلى الطريق السريع الذي تسلكه الولايات المتحدة لتوصيل الوقود والمعدات العسكرية برا وبحرا إلى شبكة متزايدة من مستودعات الإمداد والمعسكرات الصغيرة والمطارات التي تخدم الوجود العسكري الأميركي في القارة الأفريقية.

وعلى سبيل المثال يمكن رؤية آثار هذا الوجود العسكري الأميركي بوضوح في الطريق السريع من جيبوتي حتى إثيوبيا، وفي الدول الأفريقية الأخرى مثل خليج ماندا وميناء مومباسا في كينيا، وعنتيبي في أوغندا وبانجوي في أفريقيا الوسطى. وإذا كان معسكر لومنيه في جيبوتي يمثل القاعدة الرسمية للولايات المتحدة في أفريقيا فإن ثمة تواجدا آخر غير معلن عنه في كثير من المناطق.

ففي حادثة وقعت مؤخرا في مالي لقي ثلاثة من الكوماندرز الأميركيين حتفهم في انقلاب سيارة في صحراء مالي، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة المهمة التي كانوا يؤدونها في هذا البلد المضطرب.

وعليه فإن قرار الولايات المتحدة عام 2007 بإنشاء قيادة عسكرية جديدة في أفريقيا قد أدى إلى تغيير طبيعة التنافس الدولي على الموارد الطبيعية وعلى رأسها النفط الأفريقي، ليصبح ذا طبيعة عسكرية بحجة محاربة الإرهاب ولا سيما جماعات التطرف الإسلامي في أفريقيا وفقا للمنظور الأميركي بالتأكيد.

مصر وسؤال ما العمل؟
إن اعادة ترتيب وصياغة الجوار الأفريقي لمصر يطرح تحديات خطيرة أمام صانع القرار المصري، حيث إن عمليات الفك والتركيب التي تجري على قدم وساق سوف تعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية، ولا سيما في مناطق القرن الأفريقي وحوض النيل. ولعل السمة الجديدة الذي يتصف بها التنافس الدولي الجديد في أفريقيا هو أن الوجود الأميركي والغربي في أفريقيا  يستصحب معه ويشجع النفوذ الإسرائيلي.

ويمكن أن نشير إلى بعض الأمثلة ذات الدلالة بهذا الخصوص ومنها:
• المحاولات الأميركية والإسرائيلية الدؤوب لدعم إثيوبيا باعتبارها الوكيل الغربي المعتمد لمحاربة الإرهاب في القرن الأفريقي. ويشمل هذا الدعم زيادة القدرات التقنية والقتالية للجيش الإثيوبي، ودعم مكانته الإقليمية في منطقة شرق أفريقيا. وقد اتضح ذلك بجلاء بعد وفاة ميليس زيناوي وتولي رئيس الوزراء الجديد هيلاميريام ديسالغن السلطة في البلاد حيث استمر الدعم الأميركي والغربي له.

• ثمة محاولات غربية وإقليمية لإقرار وضعية الصومال المنقسم من خلال وجود قوات جيوش خمس دول أفريقية، وهو ما يعني اتخاذ قرار بتصفية المعارضة الإسلامية المسلحة التي يقودها شباب المجاهدين. وفي السياق يطالب مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي الأمم المتحدة بإلغاء حظر تصدير الأسلحة إلى الصومال بحجة تمكين القيادة الجديدة في الصومال من بناء قواتها المسلحة والمساعدة في محاربة الإرهاب.

التحديات الجديدة تفرض على مصر بعد الثورة صياغة رؤية مستقبلية جديدة لمصالحها الحيوية وتحديد أنسب السياسات التي تلائم حالة السيولة الإقليمية التي يشهدها الجوار الأفريقي

• الوجود العسكري الأميركي والغربي في الجوار الأفريقي لمصر يؤثر مباشرة على الأمن المصري، وهنا يمكن أن نشير إلى قيام القوات الإسرائيلية بضرب مواقع في السودان أكثر من مرة، إذ لا يعقل أن تتم تلك الهجمات دون تنسيق استخباري مع القوات الأميركية. كما أن إقرار مبدأ التدخل العسكري في شمال مالي بدعم فرنسي وأميركي قد يهدد بتقويض الأمن الإقليمي في المنطقة، بما في ذلك الجنوب الليبي وصحراء مصر الغربية.

• التدافع الدولي من أجل النفوذ والسيطرة في أفريقيا قد يؤدي إلى توفير فرص للتمويل والاستثمار من جهات دولية حكومية وغير حكومية. ولعل خطورة ذلك تنعكس على ملف المياه، حيث تستطيع دول حوض النيل تمويل بعض مشروعات السدود واستغلال مياه النيل بمساعدة جهات عديدة مثل الصين واليابان، بل وبعض المانحين من غير الدول، وهو ما قد يؤثر على تدفق مياه النيل التي تصل إلى مصر في المستقبل المنظور. 

وعليه فإن هذه التحديات الجديدة تفرض على الجماعة العلمية وصانعي القرار في مصر بعد الثورة صياغة رؤية مستقبلية جديدة لمصالح مصر الحيوية وتحديد أنسب السياسات التي تلائم حالة السيولة الإقليمية التي يشهدها الجوار الأفريقي.

وربما يتعين عند صياغة تلك الرؤية تحديد المخاطر والفرص في إطار منظومة متكاملة من السيناريوهات المحتملة. على أن ذلك الأمر يقتضي بداءة ضرورة الخروج من إسار القضايا اليومية التي باتت تسيطر على المشهد السياسي المصري منذ الإطاحة بنظام مبارك. ولا شك أن تحديات التكالب الجديد على أفريقيا تقتضي فعلا ثوريا مصريا موازيا للفعل الثوري الداخلي، حيث إن التداعيات السلبية على الأمن القومي المصري لا تحتمل ترف الانتظار أو المماطلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة