خواصر الخليج اللينة   
الأحد 13/4/1431 هـ - الموافق 28/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 13:22 (مكة المكرمة)، 10:22 (غرينتش)
مشاري عبد الله النعيم

 

التجربة التي مرت بها دول الخليج العربي في العقود الثلاثة الأخيرة جعلت من أطراف الجزيرة العربية "خواصر لينة" يمكن اختراقها بسهولة، ويبدو أن تغليب المصالح الشخصية والخاصة فاق أهمية المصلحة الوطنية التي قد تعرض كثيرا من مناطق الخليج لمخاطر عدة أهمها ما يمس مستقبل المنطقة السياسي وما يعني ذلك من "تدخلات دولية" محتمله في المنطقة مستقبلا نتيجة للخلل الكبير في التركيبة السكانية.

في دولة الإمارات العربية المتحدة (نتيجة للنظام الفدرالي الذي يحكم الإمارات الذي يتيح لكل إمارة التحكم في مقدراتها وأنظمتها الداخلية) ارتفع عدد السكان من 180 ألف سنة 1968 إلى 557 ألف سنة 1975 وإلى ما يقارب مليون نسمة سنة 1980.

"
تحولت التركيبة الديموغرافية في دولة الإمارات إلى قنبلة موقوتة، ليس فقط لأن السكان المحليين تحولوا إلى أقلية بل لأن المدينة الإماراتية فقدت جوهرها الثقافي وصارت متعددة الثقافات وأصبحت دون جوهر أو هوية حقيقية
"
ورغم أن هذه الزيادة السكانية كانت تعبر عن "خلل ديموغرافي" واضح سيؤدي حتما إلى خلل في التركيبة السكانية مستقبلا، وهو ما حدث فعلا في العقود الثلاثة التي تلت تلك الفترة، فإنه لم يلتفت له أحد، لأن آثاره لم تكن واضحة وآنية، لكنه بكل تأكيد فتح الباب لتغيرات كبيرة لاحقا حولت التركيبة الديموغرافية في دولة الإمارات إلى قنبلة موقوتة ليس فقط لأن السكان المحليين تحولوا إلى أقلية بل لأن المدينة الإماراتية فقدت جوهرها الثقافي وصارت متعددة الثقافات وأصبحت دون جوهر أو هوية حقيقية. ومع ذلك فإن ما حدث في الإمارات كان يحدث في الدول الخليجية الأخرى ولكن بنسب أقل وبسرعة أقل.

الأمر الذي لا يمكن أن ننكره هو ما تركته الأزمة المالية على مدن الخليج العربي ومدينة دبي على وجه الخصوص، ففي حين استطاعت المدن البترولية أن تداري "خيباتها"، لم تستطع دبي ذلك لأنها كانت تعتمد في اقتصادها على "البحبوحة العقارية" التي يبدو أنها لم تستمر طويلا (خمس سنوات فقط 2003-2008). ويبدو أن الديون التي صارت تتراكم على دبي تمر بها مدن أخرى لكنها تملك مصدر دخل آخر يجعلها لا تعترف بالأزمة التي مرت بها.

مدن الخليج لا تقرأ المستقبل، أو هي لا تريد أن تقرأ المستقبل، بل تصر على المغامرة بحياة الأجيال القادمة على ترابها، وهو الأمر الذي يجب أن نقف ونواجهه وننذر بالعواقب الوخيمة التي يمكن تعيشها هذه المدن. الأمر لا يتوقف هنا عند مسألة الاقتصاد بل يتعدى ذلك إلى الثقافة والمجتمع والمستقبل السياسي لهذه المدن "الدول" عامة.

في العام 2007 وحسب تقرير نشرته وزارة العمل، وصل عدد الجنسيات في الإمارات إلى 202 جنسية حيث بلغ عدد السكان 4 ملايين و104 آلاف نسمة منهم 3 ملايين و774 ألف نسمة من الوافدين وبنسبة 79.9% بينما وصل عدد المواطنين إلى 824 ألفا و921 مواطنا بنسبة 20.1%.

لقد تضاعف عدد السكان حوالي 5 مرات تقريبا في ثلاثة عقود أصبح خلالها مواطنو الإمارات أقلية في وطنهم، على أن هذه الزيادة كانت لها مبرراتها الاقتصادية فقد كان هناك توجه لبناء اقتصاد مديني يعتمد على جلب السكان وفتح الإمارات بشكل كامل على الخارج.

تتوقع هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية (تنمية) في تقرير نشرته أن يصل عدد سكان الإمارات عام 2010 إلى 7 ملايين و557 ألف و800 نسمة وسوف يكون عدد المواطنين الإماراتيين فقط مليونا و5800 نسمة وبنسبة 13.3% من إجمالي عدد السكان، وهي نسبة مخيفة جدا تنذر بالخطر الشديد، ويظهر أن الإشكالية تكمن في أن عدد سكان الإمارات يتضاعف كل ثماني سنوات وسبعة أشهر مقارنة بـ55 سنة على المستوى العالمي وذلك نتيجة لجاذبية الإمارات مكانا للعمل والهجرة ولرغبة الساسة الإماراتيين في فتح مدنهم للهجرة من أجل الحصول على نمو اقتصادي متسارع.

لقد تردد مع مطلع القرن الجديد أن حكومة الإمارات تدرس تجنيس الأجانب لتلافي مشكلة الخلل في التركيبة السكانية. ويبدو أن مسألة التجنيس لا تلقى ترحيبا كبيرا كونها تتعارض مع السيادة الوطنية مع هذا الخلل الكبير في التركيبة السكانية. لقد استمر التحذير بأن الإماراتيين سوف يصبحون أقلية في بلادهم حيث أصبحوا خمس عدد السكان فقط (حيث يبلغ العدد الإجمالي للسكان حوالي خمسة ملايين نسمة منهم أربعة ملايين أجنبي) يمثل الهنود العدد الأكبر في هذه التركيبة حيث يبلغ 1.3 مليون نسمة.

"
إذا استمر الوضع السكاني على ما هو عليه فسوف يصبح عدد الإماراتيين فقط 2% عام 2025, كما أنه يثير مخاوف ثقافية عميقة أهمها تراجع اللغة العربية التي أصبحت اللغة الثانية أو الثالثة بعد اللغة الإنجليزية واللغات الهندية
"
ويؤكد الخبر أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه فسوف يصبح عدد السكان الإماراتيين فقط 2% عام 2025. كما أنه يثير مخاوف ثقافية عميقة أهمها تراجع اللغة العربية التي أصبحت اللغة الثانية أو الثالثة بعد اللغة الإنجليزية واللغات الهندية.

وتبدو مسألة الهوية الوطنية والهوية الثقافية (بما فيها المعمارية) في حالة مأزق كبير كونها تفقد أساسها الأول وهم السكان الذين عادة يعبرون عن هوياتهم عفويا، وغالبا تشكل هذه العفوية الهوية العامة للمجتمع والمدينة.

ومع ذلك يؤكد الكاتب الإماراتي محمد عبيد غباش أن أغلب سكان الإمارات لن يتنازلوا عن المكاسب الاقتصادية الكبيرة من أجل أن تتزن التركيبة السكانية، وأكد أنه حذر من ذلك في مقالات سابقة تعود إلى العام 1979م إلى "شعب الـ7%". ويرى أن الإمارات باستثناء أبوظبي لا تملك أي موارد تجعلها في بحبوحة اقتصادية إلا بدائل السياحة والاستثمار العقاري، وهو ما يساعد على خلل التركيبة السكانية الذي يبدو أن لا رجوع عنه.

ويبدو أن حكومة دبي تنبهت للمخاطر الكبيرة التي تفرضها التركيبة السكانية وتملكها للعقار في الإمارة، لذلك أصدر حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد مرسوما لتنظيم ملكية العقارات في الإمارة (رقم 7 للعام 2006) وحصرها على المواطنين ومواطني دول مجلس التعاون والشركات التي تعود لهم مع بعض الاستثناءات بإذن الحاكم. وقد تضمن القانون 11 فصلا اشتملت على 29 مادة تفصيلية.

لقد بدأت مؤخرا تتعالى الأصوات من أجل حماية الهوية الوطنية بعد المبادرة التي تبناها رئيس دولة الإمارات عام 2008، فقد طورت 66 مبادرة للتعامل مع مشكلة التركيبة السكانية وعقد العديد من اللقاءات والمؤتمرات في العام 2008 من أجل تطبيق هذه المبادرات.

ويظهر أن هناك من ينظر لمشكلة التركيبة السكانية نظرة آنية تفتقر لبعد النظر، فها هو ضاحي خلفان رئيس شرطة دبي يقيم وضع السكان الأجانب كونهم مسلمين (96%) وأن الجريمة بينهم منخفضة وأنه لا توجد جهات خارجية تحرضهم على التظاهر، بينما يرى الدكتور حبيب الملا وأحمد الطاير أن الإمارات طرف في اتفاقيات ملزمة تعطي العمال الأجانب حقوقا اقتصادية وسياسية.

على أن قائد شرطة دبي غيّر رأيه بعد ذلك، فها هو يقول إن خلل التركيبة السكانية قد يؤدي إلى انقطاع سلالة الحكم في بعض الإمارات. كما أنه قال "رجاء لشيوخ الإمارات أخشى أن نبني عمارات ونفقد إمارات". ويبدو أن العام 2008 كان عام المبادرات الخاصة بوضع الحلول لمشكلة التركيبة السكانية، فقد أقر نائب رئيس الدولة حاكم دبي خطة من خمس مبادرات لحل المشكلة أهما التعامل مع 1.5 مليون عامل بناء منهم 200 ألف عامل نجارة خرسانة والبحث عن بدائل لكل العمالة البسيطة التي يمكن تعويضها ببدائل تقلل من جلب السكان من الخارج.

إن ما يحدث في دول الخليج هو نوع من "المقامرة" بمستقبل المنطقة كلها، لأنه يفتح الباب للآخر الطامع في ثروات هذه الدول للتدخل إذا ما دعته الضرورة لذلك، خصوصا أننا قد أعطيناه كل المبررات لمثل هذا التدخل.

بالنسبة لي شخصيا أعتقد أن "مجلس التعاون" لم يستطع في هيكلته السياسية الحد من المشاكل الكبيرة التي يمكن أن تواجه المنطقة في المستقبل، فهو يفتقر للخطط الملزمة ويفتقر للمراقبة والمقدرة على التدخل في الدول الأعضاء وبالتالي سوف تستمر "المقامرة" ويمكن أن نخسر الخليج كله في المستقبل.

في اعتقادي تكمن المشكلة في عدم مقدرة أبناء المنطقة على التعبير عن رأيهم فيما يحدث في مدنهم، فالسلطة دائما تهمش السكان وتنفرد بالرأي وتتخذ قرارات تمس أمن المنطقة مستقبلا دون أن يكون لمن يسكن المنطقة الحق في قول "لا" الذي يظهر أن حالة "اللاديمقراطية" هذه التي ناقشها منتدى التنمية لدول الخليج في البحرين مؤخرا (11-12 فبراير/شباط 2010) تعبر عن ترهل المؤسسات التشريعية في دول المنطقة قبل أن تبدأ أصلا وأن مسألة المشاركة السياسية في المنطقة محسومة، ما يجعل من "السياسات العمرانية" هي سياسات عليا لا دخل للناس فيها.

"
"مجلس التعاون" لم يستطع في هيكلته السياسية الحد من المشاكل الكبيرة التي يمكن أن تواجه المنطقة في المستقبل فهو يفتقر للخطط الملزمة ويفتقر للمراقبة والمقدرة على التدخل في الدول الأعضاء وبالتالي سوف تستمر "المقامرة" ويمكن أن نخسر الخليج كله في المستقبل
"
وبالتالي تفقد المدن خصوصيتها الإنسانية وتفتقر للمشاركة الاجتماعية ما يعرضها للأزمات بشكل دائم. المدن تحتاج إلى ما يمكن أن نسميه "المواطنة النشطة"، وهي تعني أن يكون الإنسان المواطن لديه شعور عميق بأنه يدافع عن مصالحه الخاصة عندما يحمي المدينة سواء على مستوى النظافة العامة أو حمايتها من عبث المخربين أو بناء اقتصادها وحماية مجتمعها. هذه المواطنة تصنع الشعور بالانتماء للمكان، وهذا لا ينطبق أبدا على مدن الخليج التي تعاني من خلل في انتماء سكانها لها.

المشكلة الحقيقية هي في المستقبل خاصة على المستوى السكاني، فما يمكن أن تخسره المدن في الخليج هو سيادتها، كما حدث في سنغافورة عندما تحولت السيادة من الملايو والعرب إلى الصينيين. هذه المخاطر التي تحث على القيام بمبادرات على مستوى المثقفين الغيورين على المنطقة، تنذر بعواقب وخيمة لأن هناك من يريد أن يرضي غرائزه الحالية ويلبي طموحاته الشخصية حتى لو كان ذلك على "خراب مالطا".

هذا التقوقع الشخصي والتضخم الداخلي لدى البعض هو ما يغريهم بضرب عرض الحائط بالجميع وتنفيذ ما يدور في رؤوسهم حتى لو أدى ذلك إلى خسارة كل المقدرات التي تحمي المستقبل. أقول للمثقفين في المنطقة "يجب أن نأخذ على أيدي هؤلاء" فهم سيغرقون السفينة وسنغرق معهم، فقد حولوا مدن الخليج إلى "خواصر لينة" يمكن أن نؤتى منها في أي لحظة ونصاب في مقتل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة