حول مصداقية الردع الإسرائيلي   
الثلاثاء 1429/2/26 هـ - الموافق 4/3/2008 م (آخر تحديث) الساعة 13:48 (مكة المكرمة)، 10:48 (غرينتش)
طلعت مسلم


المقصود هنا بإستراتيجية الردع أن فكرة إدارة الصراع هي الردع، ويمكن تمييز هذه الإستراتيجية بما يمكن أن يكون البديل لها، ويمكن القول إن البدائل الممكنة هي إستراتيجية التفوق، أو التوازن، أو الإرغام، أو الاستنزاف، أو الاحتواء، أو العمل على خطوط مواصلات داخلية.

"
إسرائيل تمتنع عن ذكر أسلحتها النووية وعن إستراتيجية الردع، إلا أن مسؤوليها وكتابها أصبحوا مؤخرا يذكرون كيف أن أسلحة إسرائيل النووية تشكل قوة ردع
"
وكلها أساليب لإدارة الصراع تختلف عن بعضها وتتشابه لدى الكثيرين، حيث عادة ما يكرر الكتاب أن طرفا ما يملك قوة رادعة أو امتلك سلاح الردع، ويبرهنون على ذلك بأن الطرف الآخر لم يشن حربا، ويعتبرون هذا دليلا على نجاح الردع.

وقد سبق أن قيل إن إسرائيل تتبع إستراتيجية الردع بالظن أو الردع بالشك فيما يتعلق بسلاحها النووي، بما يعني أن الأطراف العربية تمتنع عن استخدام القوة العسكرية ضد إسرائيل نظرا لشكها في أن إسرائيل ستستخدم الأسلحة النووية ضدها في حال شنها هجوما مسلحا عليها.

والحقيقية أن إستراتيجية الردع تعني أن الطرف الذي يتبعها يهدد بأنه في حال استخدام الطرف الآخر القوة العسكرية ضده فإنه قد ينجح في تحقيق أهدافه لكنه سيتعرض لخسائر أكبر من أن يحتملها، وبالطبع أكثر مما حققه من مكاسب.

الردع بهذا الشكل إستراتيجية لتجنب الحرب وليس لإدارتها، فإذا نشب صراع مسلح فهذا يعني أن إستراتيجية الردع قد فشلت، وأن إستراتيجية أخرى ستدير الصراع المسلح.

ولقد كانت إسرائيل تمتنع عن ذكر أسلحتها النووية وعن إستراتيجية الردع، إلا أن مسؤوليها وكتابها أصبحوا مؤخرا يذكرون كيف أن أسلحة إسرائيل النووية تشكل قوة ردع.

وهناك من قال بأن عدم رد سوريا على تدمير إسرائيل لأحد أهدافها في الشمال يؤكد أن إستراتيجية الردع الإسرائيلي تعمل بنجاح.

من المناسب شرح خلاصة الإستراتيجيات الأخرى المحتملة في الصراع، فرغم ترديد مصطلحات الردع في الصراع بين الغرب والشرق أثناء الحرب الباردة يمكن القول إن الردع كان يعمل في فترة قصيرة انفرد فيها الغرب بامتلاك السلاح النووي، في حين أنه بامتلاك الاتحاد السوفياتي للسلاح النووي تحول الأمر إلى "التوازن النووي" مع محاولة تحقيق التفوق النووي.

وقد عبرت عن ذلك إستراتيجيات "الرد المرن"، و"التدمير المؤكد المتبادل"، أو ما ردده البعض عن "الردع المتبادل"، وقد كان انضمام بريطانيا وفرنسا إلى الولايات المتحدة ووضع قوتهما النووية تحت قيادة الولايات المتحدة علامة على الانتقال من "الردع" إلى "التوازن".

لعل من أهم ما اتبع في إدارة الصراع المسلح إستراتيجية "الاستنزاف"، وهي إستراتيجية تتبع عادة حينما يكون هناك تفاوت كبير في القوة العسكرية التقليدية، وقد لجأت إليها حركات التحرر الوطني، كما اتبعتها قوى المقاومة في كثير من الأحيان.

نذكر منها الحرب في فيتنام ضد الولايات المتحدة، وفي أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي، واتبعها الجيش الإيرلندي في إيرلندا الشمالية، وجماعة الباسك في إسبانيا، وأيوكا في قبرص، وقد اتبعتها الدول العربية بعد الحرب عام 1967 خاصة قبل إعادة بناء قواتها، وتتبعها الآن المقاومة العربية ضد إسرائيل في فلسطين.

وتتبع إستراتيجية "العمل على خطوط مواصلات داخلية" في حال تهديد قوة من أكثر من طرف وخاصة في حال الحصار، حيث تعمل القوة التي تواجه هذه التهديدات على ألا تواجههم في وقت واحد، فتوجه قوتها ضد أكثر التهديدات خطورة في الوقت المحدد، على أن تعمل على الانتقال لمواجهة الخطر التالي قبل أن يشكل تهديدا خطيرا عليها.

"
اعتبار السلاح النووي الإسرائيلي سلاح الملاذ الأخير يجعله سلاح ردع قليل الجدوى، إذ لا يمكن استخدامه ضد أي قوات معادية عندما تصل إلى قلب إسرائيل
"
وتقابل هذه الإستراتيجية إستراتيجية مضادة تعرف بإستراتيجية "العمل على خطوط مواصلات خارجية" تعمل بموجبها الأطراف الخارجية على أن تواجه الخصم مجتمعة، كما قد تتبع إستراتيجية "الاحتواء" بتجميع قوى في مواجهة التهديد.

يتردد أن السلاح النووي الإسرائيلي هو سلاح الردع، بمعنى أن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي يجعلها قادرة على إلحاق دمار هائل بالدول العربية في حال شن الأخيرة هجوما عليها، وأن السلاح النووي سلاح "الملاذ الأخير"، بمعنى أن إسرائيل لا تلجأ إليه إلا في حال فشل باقي وسائلها في منع الدول العربية من تحقيق أهدافها.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن السلاح النووي لا يكون سلاحا للردع طبقا للمفهوم العلمي، حيث يصبح الصراع المسلح محتملا لدرجة احتمال فشل الأسلحة التقليدية في إيقاف الهجوم. وهذا لا يعني أنه ليس من الممكن استخدام إسرائيل للسلاح النووي، ولكن ليس للردع وإنما لتحقيق "التفوق الإستراتيجي" أو "التوازن الإستراتيجي".

والحقيقة أن إسرائيل تتبع إستراتيجية مختلطة أساسها "التفوق الإستراتيجي" بامتلاك قوة عسكرية متفوقة على مجموع الدول العربية كما وكيفا تقليديا ونوويا، كما تتبع إستراتيجية "العمل على خطوط مواصلات داخلية" بمعنى مواجهة الدول العربية منفردة كلا على حدة.

رغم أنه لم تنشب أي حرب تقليدية نظامية ضد إسرائيل، فإن هذا لا يعني أن إستراتيجية الردع الإسرائيلي تحقق أهدافها بمنع العرب من إدارة صراع مسلح ضدها، إذ الصراع المسلح قائم ضدها في فلسطين، كما دار ضدها في لبنان، ويحتمل أن يدور ضدها في وقت آخر وخاصة مع سوريا، وربما في لبنان.

ويمكن القول بأن الدول العربية لم تتوقف عن القيام بعمل نظرا لامتلاك إسرائيل سلاح ردع نوويا، كما أن إسرائيل لم تقم بعمل لم تكن لتقوم به لو لم تمتلك سلاحا نوويا.

بل إن إسرائيل نفسها لا تمتنع عن إدارة صراع مسلح بقواتها حيث قامت في سبتمبر/ أيلول 2007 باستخدام قواتها الجوية ضد سوريا، وإذا كانت سوريا لم تقم بالرد لزمن طويل نسبيا، فإن هذا لا يعني أن إستراتيجية الردع -وخاصة السلاح النووي- هي السبب، وإنما إستراتيجية التفوق، فلا أظن أنه لو أن سوريا قامت بعمل انتقامي فإن إسرائيل سترد عليه بسلاحها النووي، لأن لديها من الأسلحة التقليدية ما يكفي لمواجهة العمل السوري.

لكن يبقى أن الأطراف العربية المقاومة تدير الصراع حاليا وفقا لإستراتيجية "الاستنزاف"، في حين تسعى الدول العربية لتحقيق نوع من "التوازن الإستراتيجي"، وهي الإستراتيجيات المناسبة في حال تفوق الخصم في الأسلحة والقتال التقليدي.

قبل الحديث عن جدوى إستراتيجية الردع الإسرائيلي النووي لا بد من الإشارة إلى أن إستراتيجية الردع لم تنجح في أغلب الأحيان، حيث واجهت الدول ذات القوة العسكرية الكبيرة مقاومة وقتالا من أطراف أقل منها بكثير، ولم يكن امتلاك قوى دولية للسلاح النووي سببا في استسلام الدول لتهديداتها.

وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لدول مثل الولايات المتحدة في فيتنام سابقا وفي أفغانستان والعراق حاليا، والاتحاد السوفياتي في أفغانستان سابقا، والاتحاد الروسي في الشيشان حاليا، وبريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي وفي أنحاء كثيرة في آسيا وأفريقيا، فإن فشل إستراتيجية الردع الإسرائيلي لا يعتبر استثناء من القاعدة، كما أنه يعتبر متوقعا.

لكن جدوى الردع الإسرائيلي -بما فيه الردع النووي- لها طابع خاص، فإسرائيل كدولة تتسم بضيق المساحة وضحالة العمق ومحدودية المورد البشري، حيث تعتمد على الموارد اليهودية بما في ذلك من شروط واعتراضات على من يعتبر يهوديا، واختلاط سكانها بالسكان العرب بحيث لا يمكن فصلهم، مما يجعل الحالة مختلفة، بمعنى أن التهديد الإسرائيلي لا يتمتع بالمصداقية.

فقدرة إسرائيل على إلحاق الدمار والضرر لا تمنع من استخدام الأسلحة ضدها، وأن الأطراف المضادة يمكنها بوسائل بسيطة وأحيانا بدائية أن تجعل حياة المواطن الإسرائيلي مهددة على نطاق واسع بحيث ينتفي الهدف المعلن لقيام دولة إسرائيل. كذلك فإن سمات إسرائيل تجعلها لا تستطيع أن تتحمل خسارة جولة من جولات الصراع.

"
التهديد باستخدام السلاح النووي لا ينقذ إسرائيل من الدمار، إذ لا يمكن استخدام السلاح النووي ضد قوات أو عناصر تهاجم داخل الكيان الإسرائيلي لأن ذلك يعرض إسرائيل نفسها لنتائج الاستخدام النووي بما فيه من دمار
"
كذلك فإن اعتبار السلاح النووي الإسرائيلي هو سلاح الملاذ الأخير يجعله سلاح ردع قليل الجدوى، بحيث إذا افترضنا أن إسرائيل قد تعرضت لتهديد ولم تسعفها الأسلحة التقليدية فإن هذا يعني وصول قوات معادية إلى قلب إسرائيل.

وهنا فإن التهديد باستخدام السلاح النووي لا ينقذ إسرائيل من الدمار، إذ لا يمكن استخدام السلاح النووي ضد قوات أو عناصر تهاجم داخل الكيان الإسرائيلي لأن ذلك يعرض إسرائيل نفسها لنتائج الاستخدام النووي بما فيه من دمار.

وبالتالي يستطيع الخصوم أن يتقدموا إلى قلب إسرائيل، كذلك فإن إسرائيل تقع في الحقيقة داخل مرمى أغلب -إن لم تكن كل- أسلحة العرب بمن فيهم الفلسطينيون في الضفة والقطاع، ومن يتمتعون بالجنسية الإسرائيلية، بما يعني استحالة منع تعرضها لباقي الأسلحة وهو ما يؤكد فشل الردع الإسرائيلي.

قد يرى البعض فيما سبق أنه لا أهمية ولا خطورة لامتلاك إسرائيل للسلاح النووي، لأنه لا يردع أحدا عن مهاجمتها، كما أنه لا ينقذها في حالة التهديد بزوالها، في حين أن الدول العربية تثير الاعتراضات على المشروع النووي الإسرائيلي وتطالب بإخضاعه للرقابة الدولية.

هنا لا بد من أن نفرق بين فشل الردع عموما والردع النووي الإسرائيلي بصفة خاصة، وما يشكله السلاح النووي الإسرائيلي من مخاطر على الدول العربية، بل وعلى العالم كله.

السلاح النووي الإسرائيلي سلاح خطر وله قوة تدمير كبيرة ويمكن في حال استخدامه أن يؤدي إلى دمار كبير حتى لو دمرت إسرائيل بعد ذلك، كما أنه قد يستخدم لغير أغراض الردع، وقد تسعى إسرائيل إلى اتباع إستراتيجية الإرغام النووي، بمعنى مطالبة دول عربية باتخاذ خطوات معينة ضد مصلحتها وإلا تعرضت لخطر استخدام الأسلحة النووية ضدها.

وهنا يمكن أن تتعرض دول عربية لأخطار شديدة خاصة أن إسرائيل وصفت بانتهاك القوانين الدولية واتخاذ قرارات غير رشيدة، إلا أن ذلك خليق بأن يسبب موقفا عالميا مضادا من الصعب تصور تقبله.

يبقى أن إسرائيل قد طورت صواريخ ذات مدى بعيد صرح أحد خبرائها بأنه يمكنه أن يصل إلى أي مكان في العالم، ولما كانت أسلحة إسرائيل قبل ذلك يمكنها الوصول إلى أطراف الوطن العربي، فإن مثل هذا الصاروخ كفيل بأن يحث دول العالم غير العربية على السؤال عن أهداف إسرائيل منه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة