باراك أوباما مرشحا عن الحزب الديمقراطي   
الاثنين 5/6/1429 هـ - الموافق 9/6/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:26 (مكة المكرمة)، 13:26 (غرينتش)


أسامة أبو ارشيد

- ضد المرشح الحتمي
- التغيير.. كلمة السر
- التغيير في مواجهة الخبرة
- متطلبات أولية للنجاح

مع كتابة هذه السطور يبدو أن السيناتور عن ولاية إلينوي باراك أوباما قد نجح في حسم مسألة ترشيح الحزب الديمقراطي له للانتخابات الرئاسية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من هذا العام.

وبالتالي، فإن الرئيس الأميركي القادم، لن يعدو أن يكون أحد اثنين، إما الجمهوري جون ماكين أو الديمقراطي باراك أوباما.

"
المفارقة الأبرز هي أن يكون أوباما المرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي اليوم من نفس الحزب الذي عارض مساعي الرئيس لينكولن الجمهوري لحظر العبودية
"
ضد المرشح الحتمي
نجاح أوباما كمرشح مفترض للحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية بعد انتصاره على غريمته القوية السيناتور عن ولاية نيويورك هيلاري كلينتون، يعد بحد ذاته إنجازا كبيرا، خاصة أنه مع الانطلاقة المبكرة للانتخابات التمهيدية قبل 16 شهرا لم يكن أحد يتوقع لأوباما (الأسود) ابن المهاجر الكيني المسلم، أن يكون مرشح حزبه لانتخابات الرئاسة.

كل التوقعات كانت تشير إلى أن كلينتون ستكون المرشح الحتمي، ذلك أنها أولا كانت تمثل المؤسسة النافذة داخل الحزب، وثانيا لأنها تحمل الاسم العائلي للرئيس بيل كلينتون، زوجها الذي يحظى بشعبية كبيرة داخل الحزب الديمقراطي، بل والشعب الأميركي.

فبيل كلينتون كان الشخص الذي وضع حدا عام 1993 لسيطرة الجمهوريين على البيت الأبيض لمدة 12 عاما متواصلة، كما أن الولايات المتحدة شهدت تحت إدارته حتى عام 2001، أزهى عصور السلام والرخاء الاقتصادي في تاريخها.

ومما ضاعف من شعبية كلينتون أن الرئيس الجمهوري الحالي جورج بوش الابن الذي خلفه في البيت الأبيض قاد الولايات المتحدة من حرب إلى حرب، وفي عهده توشك الولايات المتحدة أن تغرق في بحر من الركود الاقتصادي، هذا إن لم تكن قد غرقت فيه بعد.

وفضلا عن ذلك تحولت الولايات المتحدة تحت إدارة بوش إلى مجتمع أقرب ما يكون إلى مجتمع أمني قائم على الخوف، وهي الثقافة التي أشرف بوش على صناعتها، ذلك أنه ما من شيء يميز رئاسته "الفاشلة" كما يتهمه معارضوه إلا حربه على ما يسمى بـ"الإرهاب".

كل ذلك لم يشفع لهيلاري أمام خصمها القادم من الصفوف الخلفية. فمنذ هزيمتها المفاجئة أمامه مطلع العام الجاري في ولاية أيوا، وهي عاجزة عن اللحاق به.

ولم تفلح كل العقبات والمنغصات التي ضربت حملة أوباما، وحملات التشويه التي أشرفت عليها حملة هيلاري واليمين الجمهوري في إيقاف حصان حملة أوباما الجامح.

فاتهامه بأنه مسلم متخف لم يفلح في تعويقه، وتورط القيادي في حركة حماس الدكتور أحمد يوسف المستشار بوزارة الخارجية في حكومة إسماعيل هنية في تصريحات غير موفقة لإذاعة أميركية عن تمني حماس لرؤية أوباما رئيسا لم تقصم ظهره، رغم أنها آذته جدا، وجعلته يعتذر لإسرائيل وللوبي الإسرائيلي أكثر فأكثر في محاولة لإثبات الولاء لإسرائيل.

واشتد ذلك بعد أن استغل خصومه في الحزب الجمهوري تصريحات يوسف ضده، في مسعى لتقديمه مرشحا لحماس، في حين سعى ماكين لتقديم نفسه على أنه المرشح "الكابوس" لحماس.

بل إن التصريحات النارية لقس كنيسته جيرمي رايت التي يصب فيها جام غضبه على أميركا، لم تتسبب في تدمير آماله.

صحيح أنها أضرت به كثيرا وبطأت من حسمه للمعركة، بل إنها كادت تودي به، إلا أنه على الرغم من خسارته لكثير من الانتخابات التمهيدية في الولايات بسببها، كما وقع في بنسلفانيا وفرجينيا الغربية اللتين كان من المتوقع أن يفوز بهما، إلا أنه مع ذلك بقي متقدما على كلينتون، حتى حسم الأمر لصالحه ليلة الثلاثاء 3/6 رغم أنه خسر داكوتا الجنوبية.

التغيير.. كلمة السر
نجاح أوباما في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي كمرشح رئاسي ينبغي أن ينظر إليه على أنه إنجاز تاريخي في هذا البلد، بل إنه حتى ولو كانت كلينتون هي الفائزة، يعد إنجازا أيضا، فهذه هي المرة الأولى في تاريخ أميركا التي يكون فيها أسود وامرأة مرشحين حقيقيين للرئاسة الأميركية.

من كان سيصدق أن هذا البلد الذي دخل في حرب أهلية بين الشمال والجنوب بسبب العبودية في منتصف القرن التاسع عشر، سيكون على موعد مع مرشح أسود للرئاسة؟ ومن كان سيصدق أن الولايات المتحدة قد تنتخب رئيسا أسود، وفي عام 1865 اغتيل الرئيس أبراهام لينكولن بسبب موقفه الداعم لحظر العبودية؟

ومن كان سيصدق أنه بعد 143 عاما من إقرار التعديل الدستوري الثالث عشر عام 1865 الذي يحظر العبودية في الولايات المتحدة سيكون أوباما الأسود مرشحا رئاسيا في نفس البلد؟

ومن كان سيصدق عام 1965، السنة التي أقر فيها بحق التصويت للسود في الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس الديمقراطي ليندون جونسون بأن رجلا أسود بعد 43 عاما سيكون مرشحا حقيقيا لرئاسة أميركا؟

ومن كان سيصدق أن البلد التي ما زالت فيها رواسب العنصرية قوية ونافذة حتى اليوم ستقبل بأسود مرشحا لأعلى منصب فيها؟

"
العامل الحاسم في الانتخابات القادمة، سيكون في موضوع الاستفتاء الانتخابي أهو الأمن، وهو الأمر الذي سيرجح كفة ماكين، أم هو الاقتصاد، وهو الأمر الذي سيعزز من فرص أوباما
"
لعله من المفارقات أن يكون الرئيس لينكولن محرر العبيد في هذا البلد من ولاية إلينوي، نفس الولاية التي يمثلها أوباما اليوم في مجلس الشيوخ الأميركي، لكن المفارقة الأبرز أن يكون أوباما اليوم المرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي من الحزب الذي عارض مساعي الرئيس لينكولن الجمهوري لحظر العبودية.

مع الزمن، تحول الحزب الجمهوري إلى الحزب الممثل للجنوب الأميركي والمساند لعقود طويلة لقوانين التمييز العنصري في هذا البلد، في حين أصبح الحزب الديمقراطي هو المدافع والممثل لحقوق الأقليات، وهاهو اليوم يرشح أسود لتمثيله في الانتخابات الرئاسية.

لا شك أن نجاح أوباما في الانتخابات التمهيدية لحزبه إنجاز بذاته، ولكن لماذا نجح أوباما في حسم معركة الترشيح لصالحه، أمام مرشحين آخرين معروفين أكثر منه وأكثر خبرة سياسية؟

لا تمكن الإجابة على مثل هذا التساؤل بتحديد سبب واحد، ولكن يمكن لأي متابع أن يلحظ السبب الأبرز، ألا وهو التغيير.

فسنوات حكم بوش الابن أظهرت مدى الحاجة إلى تغيير قواعد وسلوكيات الحكم في واشنطن، لأن بقاء سطوة المؤسسات التقليدية والشخصيات المحسوبة عليها داخل الحزبين، وحكمها بنفس الطريقة، جعل عملية تداول السلطة بينها شكلية.

أوباما كمنافسه المنسحب السيناتور السابق عن ولاية كارولينا الشمالية جون إدواردز مثلا هم من جيل التغيير بالنسبة للناخب الأميركي، ولكن أوباما نجح في بناء "حركة" وراءه، في حين فشل إدواردز في ذلك. كما أن أوباما نجح في حشد الصوت الشبابي والفئات الأكثر تعليما، وهو ما مكنه من منافسة أصوات النساء والفئات الأقل تعليما التي احتشدت وراء كلينتون.

التغيير في مواجهة الخبرة
لا شك أن أمام أوباما طريقا طويلة للفوز في الانتخابات الرئاسية، وأن ثمة عقبات صعبة في طريقه، إذ إن نسبة لا بأس بها من الناخبين الأميركيين يعتقدون أنه مسلم متخف، وذلك جراء الحملة اليمينية الشنيعة ضده، كما أن نسبة كبيرة من الناخبين تعتقد أنه يشاطر قسه السابق آراءه الموصومة بالمناهضة لأميركا.

ورغم أن أوباما دان تصريحات القس رايت وآراءه، بل وصل به الأمر أن يستقيل من كنيسته في شيكاغو، فإن هذه القناعة لدى قطاعات عريضة من الناخبين لم تتغير بعد، ويعاني أوباما -أكثر من ذلك- من مشكلة أخرى، ألا وهي لونه، فكثير من أبناء الأرياف في الولايات الأميركية ما زالوا على تعصبهم وعنصريتهم ضد الأقليات بشكل عام، والسود بشكل خاص. وهذا ما يفسر من ناحية، نجاح أوباما في المدن الكبرى وخسارته في المناطق الحضرية لصالح كلينتون.

كما أن ثمة مشكلة أخرى يعاني منها أوباما، ألا وهي قلة خبرته السياسية، مقارنة بالمرشح الجمهوري المفترض جون ماكين.

ماكين يقدم نفسه الآن على أنه يمتلك الخبرة في مواجهة "سطحية" خبرة أوباما، كما أنه يقدم نفسه على أنه الأقدر على حماية الأمن القومي الأميركي، وذلك على أساس أنه جندي أميركي سابق في الحرب الفيتنامية، كما أنه بطل أميركي جراء أسره وتعذيبه سنوات طويلة من قبل الفيتناميين.

ومع ذلك فأوباما له أوراق قوة أيضا، إذ إن ماكين عجوز في الثانية والسبعين من عمره، وهو إن انتخب رئيسا سيكون أكبر رئيس منتخب في تاريخ الولايات المتحدة، خصوصا إذا قورن بشباب أوباما (46 عاما).

الكثير من الناخبين الأميركيين أيضا ينظرون إلى ماكين على أنه يمثل في حال نجاحه فترة رئاسية ثالثة للرئيس جورج بوش، الذي تدنى مستوى التأييد الشعبي له إلى مستوى غير مسبوق (28%).

ولعل هذا ما دفع ماكين في خطابه يوم الثلاثاء (3/6) إلى محاولة تمييز نفسه عن بوش وإبراز تباينه معه ومع سياساته.

واقع الاقتصاد الأميركي السيئ اليوم يقلل من فرص ماكين ويعزز من فرص أوباما، إن نجح هذا الأخير في إعادة تعريف نفسه للناخب الأميركي.

فضلا عن ذلك، فإن ماكين في رأي الكثيرين هو رئيس حرب، في وقت سئم الأميركيون فيه من الحروب وثقافة الخوف، وآثارهما الكارثية على الاقتصاد الأميركي.

ولعل العامل الحاسم في الانتخابات القادمة، سيكون في موضوع الاستفتاء الانتخابي أهو الأمن، وهو الأمر الذي سيرجح كفة ماكين، أم هو الاقتصاد، وهو الأمر الذي سيعزز من فرص أوباما.

"
من المهم أن ندرك أن التغيير لا يتأتى بالرغبة فحسب، بل لا بد من قوة دافعة وراءه، وأوباما إن نجح لن يكون بإمكانه التغيير وحده من موقع الرئاسة، هذا إذا ما افترضنا صدق خطابه
"
متطلبات أولية للنجاح
هذا لا يعني أن الانتخابات القادمة ستكون سهلة، فما زال أمام أوباما الكثير مما يتطلب الإنجاز قبل انتخابات نوفمبر 2008. فهو أولا مطالب بتوحيد الحزب الديمقراطي وراءه بعد منافسة انتخابية ساخنة وسلبية بينه وبين كلينتون، شرذمت الديمقراطيين.

استطلاعات الرأي تقول إن ما لا يقل عن 30% من مناصري كلينتون لن يصوتوا له في الانتخابات الرئاسية، وأنهم سيصوتون لماكين أو أنهم سيجلسون في بيوتهم يوم الانتخابات.

لا شك أن أمرا كهذا يعني خسارته الأكيدة للانتخابات، وبالتالي فإن أمامه خمسة أشهر الآن لتوحيد الحزب وحشده وراءه، ولعل اختيار كلينتون نائبة له مقدمة لذلك، إن تم، ولكن لهذا الخيار آثاره السلبية أيضا، خاصة أن حملة أوباما منذ البدء ركزت على التغيير، وكلينتون تعتبر حسب حملته وجها من الماضي.

ثانيا، لا يزال أوباما مجهولا لدى الكثير من الأميركيين، على عكس ماكين، ومن ثمّ فهو سيسعى في الأشهر القادمة إلى تقديم نفسه ومواقفه وآرائه للشعب الأميركي.

لقد كانت قضية عدم معرفة كثير من الأميركيين بأوباما أحد أكبر مشاكله، بسببها تمكن خصومه من اتهامه بالإسلام، كما تمكنوا من ربطه بتصريحات قسه السابق، رغم أنه دانها ورفضها منذ البدء.

لا شك أن أميركا على مفترق طرق، ولا شك أن هذه الانتخابات قد تكون من أهم الانتخابات في التاريخ الأميركي، خصوصا بعد الثمانية العجاف تحت الرئيس بوش.

ولكن من المهم أيضا أن ندرك أن التغيير لا يتأتى بالرغبة فحسب، بل لا بد من قوة دافعة وراءه، وأوباما إن نجح لن يكون بإمكانه التغيير وحده من موقع الرئاسة، هذا إذا ما افترضنا صدق خطابه.

ومسار التغيير الذي يعد به أوباما، بدون دعم حزبه الذي يعاني من سيطرة الوجوه التقليدية، لن يكون معبدا.
__________________

كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة