هموم العراق الجديد   
الخميس 1427/1/4 هـ - الموافق 2/2/2006 م (آخر تحديث) الساعة 21:08 (مكة المكرمة)، 18:08 (غرينتش)
فاضل الربيعي


في وقت واحد، وبتزامن تقريبا خلال الأسبوع الحالي، زمجرت بوجه العراق الجديد مشكلتان عويصتان.

أولاهما أن جارته الشمالية تركيا اشتكت علنا من عجزه عن الإيفاء بتعهداته التي قطعها مرارا وتكرارا بتسديد مستحقات متراكمة لأنقرة تقدر بعشرات الملايين من الدولارات، عن شحنات وقود ظلت ترسلها إلى بغداد بصورة منتظمة منذ بضعة أشهر.

نفد صبر الأتراك هذه المرة وملوا من المماطلات والوعود وكتابة المذكرات وقرروا أخيرا، وقف كل شحنات الوقود المرسلة إلى العراق الجديد، على الرغم من موجة البرد القارس التي ضربت المنطقة.

العالم كله شاهد مئات الشاحنات التركية والعراقية وهي متوقفة على الحدود بين البلدين رغم أن الأتراك يعلمون جيدا، أن القرار قاسٍ مثل برد العراق الصحراوي، لكنهم لم يترددوا في اتخاذه، وحتى مع مسارعة بغداد إلى قطع وعود إضافية بالسداد: "لن نزودكم بقطرة بنزين".

"
لم تكن في العراق القديم حياة سياسية حقيقية ولا أحزاب معارضة، أما في العراق الجديد فيعيش العراقيون في ظل أحزاب تجاوز عددها 170 حزبا، ومع ذلك لا توجد حياة سياسية حقيقية
"
أما ثانيتهما فهي تتعلق بجارته الشرقية إيران، حيث تكفل مسؤول كبير في وزارة الكهرباء العراقية بتقديم شرح تفصيلي عن مشكلة سوف تتفجر قريبا بين البلدين الجارين.

يقول المسؤول العراقي إن إيران تزودنا بطاقة كهربائية لقاء ملايين الدولارات شهريا، وسنكون خلال عام واحد من الآن مضطرين لسداد دين ضخم قد يتجاوز 500 مليون دولار، وهو مبلغ يكفي لإنشاء محطة لتوليد الكهرباء.

هاتان المشكلتان العويصتان يمكنهما أن تلخصا بأقل وأبلغ الكلمات، حالة العراق الجديد وهمومه.

أما العراقيون، من جانبهم، فيجدون أنفسهم وقد قاموا بالمقاربة التالية حتى من دون أن يُطلب منهم ذلك.

في العراق القديم كانت شحنات النفط ومنتجاته ترسل بانتظام إلى الجارة الشمالية، التي تنتظر بفارغ الصبر وصول الإمدادات العراقية لمواجهة الشتاء القارس، وعندما وقع زلزال تركيا الشهير قبل أعوم تبرع العراق القديم بما قيمته عشرة ملايين دولار في شكل شحنات من النفط، وفضلا عن ذلك كان العراق القديم يقدم للأردن شقيقه في الغرب، شحنات نفط مجانية.

في العراق الجديد، على العكس من ذلك، ينتظر العراقيون بفارغ الصبر وصول الوقود من أنقرة.

ثم إنه بينما كان العراق القديم يخوض حربه الدامية مع جارته الشرقية لثماني سنوات متواصلة، كانت محطات الكهرباء رغم القصف الجوي المتواصل، تغذي ما يزيد عن 300 مصنع حربي، كما أن الكهرباء نادرا ما كانت تنقطع عن المنازل والمؤسسات، وكان أمرا مألوفا لدى كل زوار العراق القديم أثناء الحرب، رؤية الشوارع مضاءة حتى الصباح.

في العراق القديم كان العراقيون، كما قال الرئيس بوش مرارا، محرومين من الذهاب إلى صناديق اقتراع حقيقية للإدلاء بأصواتهم في انتخابات حرة ونزيهة، وكانوا يصوتون لمرشحين تختارهم الحكومة وليست لديهم برامج انتخابية، كما أنهم لا يعرفون عنهم أي شيء، وكل هذا صحيح.

ولكن صحيح أيضا أن العراقيين، مع ذلك كله، نادرا ما اشتكوا من غياب الأمن في الشوارع والمدن وأماكن العمل في عراقهم القديم أثناء الذهاب إلى انتخابات صورية.

كانت البلاد آمنة تماما حتى في أحلك أوقات الحرب، أما في العراق الجديد فيشتكي العراقيون اليوم من غياب الأمن والفوضى والقتل العشوائي، كما يصوتون لمرشحين غير معلومين ولا يملكون برامج انتخابية.

كانوا، كما بينت ثلاث تجارب انتخابية خلال عام واحد تقريبا، يذهبون إلى صناديق اقتراع وهم يعلمون أن نتائجها عرضة للتلاعب، وكانوا يصوتون لأشباح لا لأشخاصٍ معلومين. وكما بينت ثلاث تجارب انتخابية فإن التصويت كان تصويتا مذهبيا ولم يكن سياسيا.

في العراق القديم، عاش العراقيون في ظل حزب واحد، حيث لم تكن هناك حياة سياسية حقيقية ولا أحزاب معارضة وهذا صحيح تماما، أما في العراق الجديد فيعيش العراقيون في ظل أحزاب تجاوز عددها 170 حزبا، ومع ذلك لا توجد حياة سياسية حقيقية.

هناك قوى أساسية في المجتمع العراقي تقاطع ما يدعى أنه العملية السياسية أو تقاومها، والبلاد تغوص كل يوم في الوحل.

"
في العراق القديم كانت هناك بضع سجون أشهرها أبو غريب، وفي العراق الجديد، وباعتراف مسؤولين في البنتاغون، هناك نحو ألف سجن ومعتقل، ليس أبو غريب بأشهرها
"

في العراق القديم كانت هناك بضع سجون أشهرها سجن أبو غريب، وهي سجون فظيعة بكل تأكيد، وفي العراق الجديد، وكما اعترف مسؤولون في البنتاغون، هناك نحو ألف سجن ومعتقل، ليس أبو غريب بأشهرها.

في العراق القديم، كما يقال وينشر في وسائل الإعلام عادة، كان العراقي يرغم على الانتساب إلى الحزب الحاكم إذا ما أراد الحصول على وظيفة، وكذلك في العراق الجديد يجب على كل مواطن تقديم بطاقة انتساب لحزب من الأحزاب إذا ما أراد الحصول على فرصة عمل، حيث الأحزاب تسيطر على الوزارات في إطار المحاصة الطائفية والسياسية.

وهذا حقيقي تماما، حتى أن بعض الصحف العراقية (ما يزيد عن 150 صحيفة يومية وأسبوعية) تنشر من وقت لآخر، مقالات وأخبارا عن سلوك الجماعات المسيطرة على الوزارات إزاء المواطنين بما فيها من زجر وعنف واحتقار ومطالبات بتقديم أوراق الانتساب الحزبية قبل استلام طلب العمل.

في العراق القديم كانت الأوامر والتعليمات تصدر للأجهزة الأمنية والحزبية من رؤسائها المباشرين، بمتابعة أو رصد العناصر المشبوهة، وليس ثمة أي واقعة تشير إلى صدور أوامر ذات طابع أمني من وزير أو رئيس وزراء.

مثل هذه الأوامر تصدر عادة عن رؤساء الأجهزة كما هو مألوف في معظم الأنظمة التي هي على شاكلة النظام السابق في العراق.

في العراق الجديد، وكما كشفت وثيقة سربتها جماعة إياد علاوي هذا الأسبوع، وانتشرت في طول البلاد وعرضها، يطلب رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري من الأجهزة الأمنية مراقبة ورصد ومتابعة النشاطات الطائفية لجماعة علاوي واتخاذ التدابير اللازمة بحقهم. ولم لا؟.

في العراق القديم تكفي تهمة واحدة موثقة، عن تلقي موظف ما لرشوة صغيرة لإنزال عقوبة قاسية بحقه تصل إلى حد الطرد من الوظيفة، أما في حال ثبوت تهمة سرقة أموال الدولة فإن السجن سيكون بانتظاره.

ويتذكر العراقيون جيدا حادثة إعدام محافظ بغداد في أواخر السبعينات من القرن الماضي، عندما ثبت تلقيه رشى من شركة ليلاند البريطانية بعد إبرام صفقة سيارات نقل الركاب العمومية.

"
يتذكر العراقيون أن مجلة نيوزويك الأميركية اختارت العراق لغلافها الأول كأنظف بلد في العالم من الناحية الإدارية وانعدم الفساد المالي، أما العراق الجديد فنموذج للفساد المالي على مستوى العالم
"

كما يتذكر العراقيون أن مجلة نيوزويك الأميركية اختارت العراق لغلافها الأول كأنظف بلد في العالم، من الناحية الإدارية حيث انعدم الفساد المالي في الدوائر الحكومية تقريبا.

العراق الجديد نموذج للفساد المالي على مستوى العالم، نهب ممتلكات الدولة وتلقي الرشى والفساد المالي في أوساط كبار مسؤولي الحكومة بات سلوكا نمطيا.

في العراق القديم حرمت الدكتاتورية العراقيين من حق امتلاك جهاز خاص بالمراقبة والنزاهة يستطيع الشعب من خلاله مراقبة الفساد والمفسدين ومع ذلك ظل العراق نظيفا، أما في العراق الجديد فشكلت الحكومة "جهاز النزاهة" وسلمته لرئيس منظمة بدر هادي العامري، ولكنه حتى اليوم يتساءل العراقيون بمرارة وهم يسمعون قصة اختفاء مليار دولار من خزينة وزارة الدفاع في عهد حازم الشعلان: يا لجنة النزاهة، َمنْ الذي ضغط على رئيس الجمهورية الانتقالي السابق غازي الياور لتوقيع شيك بمبلغ 850 مليون دولار باسم هادي العامري؟ ومن أجل ماذا صرف هذا المبلغ؟ لدينا لجنة نزاهة. ولكن البلد لا يزال متسخا.

في العراق القديم كان العراقيون يمتنعون أو يخشون -تحت طائلة مواد في الدستور المؤقت، أو بفعل الخوف من بطش الدولة- من استخدام هوياتهم الطائفية أو المذهبية في السياسة أو في الحياة العامة، سواء عند تعريف أنفسهم لآخرين يطلبون ذلك أو أثناء النقاش، وكانوا يشعرون بالحرج، وربما الخجل من استبدال تعريفهم كعراقيين بتعريف أنفسهم كأتباع مذاهب.

كانت هناك، بوجه الإجمال ثقافة تاريخية لا تسمح للعراقي، حتى العادي والبسيط، بإثارة الجوانب المذهبية أو العرقية في الحياة العامة.

وخلال الفترات التي شهدت قتالا ضاريا بين الحكومة والأحزاب الكردية أو أثناء الحرب مع إيران فإن العراقيين نادرا ما استخدموا في وصفهم للمعارك الدائرة، أي تعبير يتضمن تشهيرا بالعرق الكردي أو الإيراني.

في العراق الجديد، يلزم الدستور فئة بعينها من العراقيين، ومن دون خوف من بطش الدولة، بل على العكس بتشجيع منها، باستخدام هوياتهم المذهبية في الصراع الدامي.

وتعج الصحف بألوان من الموشحات التي تلعن الأمة العربية والقومية العربية والعرق العربي الفاسد.

والمثير للاهتمام أن الصحف القومية الكردية تصب اللعنات على رؤوس القومية العربية، بينما يطفح كل سطر من سطورها بتمجيد الأمة الكردية.

لقد أصبحت لدى العراقيين ثقافة قوية راسخة الجذور هي ثقافة الانتماء المذهبي والعرقي، بينما تراجعت إلى الوراء ثقافة التعايش التاريخي.

في العراق القديم كان هناك جيش نظامي منضبط وحسن التنظيم ومدرب جيدا، منفصل تماما عن المليشيا الحزبية والحكومية (مثل الجيش الشعبي وجيش القدس وفدائيي صدام الخ...).

في العراق الجديد هناك مليشيات شكلت جيشا، يقول عنه الخبراء إنه سيء التنظيم وغير مدرب جيدا، وفوق ذلك غير قادر بعد، حتى مع مرور ثلاث سنوات من الاحتلال، على القيام بأي عمل أو واجب قتالي. إنه جيش الأحزاب الدينية وحلفائها.

لماذا، إذن، علينا التغني بالعراق الجديد؟ تقول لي سيدة عراقية شاركت في الانتخابات الأخيرة بحماسة، إنها وبناتها وبنات خالاتها وعماتها وأولاد عمومتها وأبناء أخوتها وكل معارفها وحتى الجيران، صوتوا جميعا لإياد علاوي.

"
أصبحت لدى العراقيين ثقافة قوية راسخة الجذور هي ثقافة الانتماء المذهبي والعرقي، بينما تراجعت إلى الوراء ثقافة التعايش التاريخي
"
وعندما سألتها هل أنتم كلا تحبون هذا الرجل إلى هذا الحد؟ ردت السيدة: ليس الأمر كما تظن، نحن صوتنا لعلاوي لأننا لم نعد نطيق قرف المليشيات الطائفية. نريد رئيسا قويا يضرب بيد من حديد.

إذا كان العراقيون بعد كل هذه التجربة القاسية يتشوقون لرؤية زعيم قوي يضرب بيد من حديد، فما الذي تغير إذن؟ ولماذا استبدل الأميركيون العراق القديم بآخر؟.

إذا كان الأميركيون يفكرون جديا "بالفرار من جحيم العراق الجديد" بأسرع وقت، فإن عليهم وقبل أن يوصدوا الأبواب من خلفهم وهم يغادرون، التفكير مليا وبعمق، بالنتائج الكارثية لهذا النوع من الصناعات.

إن تجربة صناعة أوطان جديدة في الشرق الأوسط، ليست مماثلة لصناعة السيارات في مصانع فورد لأن الواقع يظل أعقد بكثير من المخططات النظرية، فالبشر، في النهاية، لا يرغبون بمقايضة الحرية التي يحصلون عليها، بالقتل اليومي الجنوني، كما أنهم لن يوافقوا، بعد الآن، على الاستمرار في مبادلة الحبر البنفسجي الذي يلوث أصابعهم عند صناديق الاقتراع، بحقهم في الخروج إلى شوارع آمنة والعودة إلى بيوت مضاءة.

عندما يصبح البلد النفطي بلدا مستوردا للنفط من جيرانه الذين لا يملكون النفط أصلا، وعندما يصبح البلد الذي كان عماله ومهندسوه يطلبون ثلاثة أشهر فقط، لإصلاح شبكات الهاتف والكهرباء بكل محطاتها المدمرة بالقصف الجوي، بلدا مستوردا للكهرباء بمبالغ طائلة، فهذا يعني ببساطة أن القديم ليس قديما وأن الجديد ليس جديدا، وأن المسألة برمتها مسألة سوء استخدام للمصطلحات.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة